على مدى الأشهر القليلة الماضية، مع تفاقم جائحة "كوفيد-19"، عملت دول مجلس التعاون الخليجي بشكل وثيق مع الصين لمكافحة الوباء وحماية اقتصاداتها.

ومع ذلك، تركت هذه العلاقة الخليجية الصينية الولايات المتحدة، وهي شريك مهم لدول الخليج، في حالة من عدم الارتياح.

ونظرا لأن الوباء العالمي يشجع على تعزيز العلاقات الصينية الخليجية، تجد دول الخليج نفسها في مأزق يتمثل في الوقوع في مرمى نيران التوترات بين الولايات المتحدة والصين.

وبالرغم من الدور المتغير للولايات المتحدة في المنطقة، تظل دول مجلس التعاون الخليجي شريكا مهما لأمريكا، وتقدم ثقلا موازنا لصعود الصين.

وكانت المنافسة بين هاتين القوتين العظميين مستمرة، وهي موجودة حاليا في العديد من المجالات، ليس فقط السياسة والاقتصاد، ولكن أيضا في التكنولوجيا والبحث العلمي. ومع ذلك، فقد أدى "كوفيد-19" إلى تصعيد الصراع ووضع الخليج في وضع غير مريح أكثر.

دول الخليج محصورة بين الولايات المتحدة والصين

وفي 24 يونيو/حزيران، وهو اليوم الذي سجلت فيه الولايات المتحدة أعلى رقم قياسي لها في يوم واحد من الحالات الجديدة، أعلن صانعو اللقاحات في الصين عن خطتهم للسفر إلى الخارج لإجراء تجارب على البشر بسبب عدم كفاية عدد الإصابات المحلية.

وهكذا بدأت شركة الأدوية الصينية "سينو فارم" في المرحلة الأخيرة من تجربة لقاح "كوفيد-19" في أبوظبي.

وبالإضافة إلى العمل معا على اللقاح، أرسلت الإمارات والصين أيضا الإمدادات الطبية والدعم المهني لبعضهما البعض منذ تفشي الوباء.

وقامت شركة "شينزن بي جي آي"، وهي شركة صينية في مجال الهندسة الوراثية، ببناء مركز اختبار في أبوظبي قادر على إجراء عشرات الآلاف من الاختبارات يوميا على مدى 14 يوما فقط. وقد حققت هذه الشركة نفسها أيضا عقودا بملايين الدولارات مع الإمارات والسعودية.

وأعربت حكومة الولايات المتحدة عن قلقها بشأن هذه العلاقة القوية، ما خلق معضلة صعبة للإدارة الإماراتية.

ووفقا لـ "بلومبرج"، وصف مسؤول أمريكي "بي جي آي" بأنها "هواوي الجينوم"، محذرا شركاء الشركة الصينية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليكونوا على دراية بأمن المعلومات.

كما حذر كبير الدبلوماسيين في وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط دول المنطقة من الطبيعة "المفترسة" للمساعدات الصينية.

وبعد معالجة هذه الانتقادات والمخاوف، وبسبب وجود دور لـ "بي جي آي"، رفضت السفارة الأمريكية في الإمارات عرضا من أبوظبي لمئات من اختبارات "كوفيد-19".

الاختيار المكلف

وبالإضافة إلى كونها عالقة بين القوى العظمى العالمية، تواجه دول الخليج أيضا تحديات اقتصادية وتحتاج إلى الحفاظ على جميع العلاقات التجارية.

ويؤكد السياق الحالي لأسعار النفط المنخفضة على أهمية الإصلاحات الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي.

نتيجة لذلك، بدأت بعض دول الخليج في التحول إلى الشرق كاستراتيجية لتنويع اقتصاداتها، بالرغم أن نجاح هذه الاستراتيجية لا يزال غير واضح.

وتجعل العلاقات التجارية الصينية الخليجية من الصعب الاختيار بين الولايات المتحدة والصين. وتعد الصين شريكا مهما لاقتصاديات دول الخليج.

ومن بين دول الشرق الأوسط، احتلت السعودية وسلطنة عمان والإمارات المرتبة الأولى من حيث الواردات الصينية.

وتعد الإمارات والسعودية أكبر دولتين للصادرات الصينية. وفي الوقت نفسه، تم تصنيف الصين كأكبر شريك تجاري لقطر والإمارات والسعودية والبحرين عام 2017.

وتجعل هذه المنفعة الاقتصادية المتبادلة كلا من الصين والخليج حذرين للغاية فيما يتعلق بعلاقاتهما مع بعضهما البعض.

ويتجنب قادة وحكومات الخليج مخاطبة الصين بشأن القضايا الإنسانية والمحلية بغض النظر عما إذا كانت تستحق الانتقاد.

وفي الوقت نفسه، تتجنب الصين ملء فراغ القيادة والتدخل في الصراعات السياسية في الشرق الأوسط. وفي العام الماضي، رفضت الصين فرصة الانضمام إلى الولايات المتحدة وشركاء آخرين في الدوريات البحرية.

ومن المحتمل ألا ترغب الصين في مواجهة إقليمية مع الولايات المتحدة، وقد تسببت العلاقات المتقلبة داخل دول الخليج في تردد بكين في الانخراط.

وفيما يتعلق بالقضايا الأمنية في المنطقة، لا تزال معظم دول الخليج تختار اللجوء إلى الولايات المتحدة، بالرغم من حقيقة أن إجمالي واردات النفط الأمريكية من مجلس التعاون الخليجي قد انخفض في الأعوام القليلة الماضية.

ولا تزال العلاقات العسكرية وثيقة بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، التي تستضيف الأسطول البحري الخامس للولايات المتحدة وأكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة.

بالإضافة إلى ذلك، في أكتوبر/تشرين الأول 2019، نشرت الولايات المتحدة نحو 3 آلاف جندي في السعودية في وقت تصاعد التوتر مع إيران.

ووقعت عمان اتفاقية جديدة مع الولايات المتحدة العام الماضي تمنحها حق الوصول إلى الموانئ. كما أبرمت قطر والإمارات صفقات عسكرية جديدة مع الولايات المتحدة.

وتبقى الصين شريكا تجاريا لا غنى عنه لدول الخليج، بينما لا تزال الولايات المتحدة تسيطر بشدة على المنطقة.

وبالرغم من أنها محصورة بشكل غير مريح بين قوتين عظميين، فقد استخدمت دول الخليج سياسات التحوط لتعظيم مصالحها.

وتتجه دول الخليج إلى الشرق من أجل التعاون الاقتصادي، وتلجأ إلى الغرب من أجل التحالف السياسي. ومع ذلك، كسر تفشي فيروس "كورونا" استراتيجية التوازن الفعالة السابقة هذه.

ومع استمرار تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين، قد تجد دول الخليج نفسها عالقة في معضلة وتواجه تحديا أمام تعظيم فوائدها لدى كلا الطرفين.

المصدر | جيفان زوهو/ منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد