الأحد 9 أغسطس 2020 12:21 م

في ختام مؤتمر صحفي مقتضب لدى وصوله إلى مطار بيروت يوم الخميس، سُئل الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" عن سبب قدومه بعد فترة وجيزة من الانفجار الكارثي الذي ما زالت المدينة تترنح منه. أجاب بلطف بالفرنسية: "لأن الفاجعة تخصكم فهي تخصنا".

تحتوي هذه الكلمات على مراوغة حول العلاقة بين فرنسا ولبنان. بالرغم من أن عددًا من الشخصيات السياسية الفرنسية اعتبرت أن زيارة "ماكرون" تنم عن أبوية الاستعمار الجديد، فإن التاريخ يكشف، كما هو الحال دائمًا، أن الحقيقة أكثر تعقيدًا.

كانت الصورة في زيارة "ماكرون" مدهشة بالتأكيد. بعد مغادرة المطار -وترك رئيس البلاد "ميشال عون" خلفه- ذهب "ماكرون" مباشرة إلى موقع الانفجار الذي أودى بحياة أكثر من 150 شخصًا وأدى إلى تدمير جزء كبير من المدينة. بعيدًا عن موكب المركبات الرسمية الذي نقله إلى الجميزة، أحد الأحياء التي دمرها الانفجار، سرعان ما تجمع حول "ماكرون" حشد من السكان المحليين، وعانق امرأة تغلبت عليها الدموع وهتفت "تحيا فرنسا!"

ومع ذلك، ترافقت الهتافات العديدة لرئيس الدولة الاستعمارية السابقة للبنان مع مزيد من السخرية من أعضاء المؤسسة السياسية اللبنانية الحالية، ومن المفهوم أن أياً منهم لم يرافق "ماكرون" إلى الحي. كانت هناك هتافات "عون إرهابي!" و"سيدي الرئيس، أقرضنا مقصلة!" واعتبر "ماكرون" أن ما يراه هو نوع من "الغضب الصحي" وقال لأحد الرجال "إنني أتفهم غضبك"، متعهدا "بتحمل التزاماته تجاه لبنان".

ولكن هنا تكمن المشكلة. من غير الواضح ما الذي يمكن أن تقدمه قوة استعمارية سابقة لتلك البلدان التي كانت مستعمرات سابقة.

وأعلن "ماكرون" خلال زيارته إلى الجميزة، انتهاء الحقبة السابقة في لبنان. في إشارة إلى حكم الطوائف الدينية السياسية التي وصلت إلى السلطة في عام 1990 والتي تسببت في الفساد المدقع الذي ابتليت به البلاد منذ ذلك الحين.

بعد لقائه بأعضاء بارزين في المجتمع المدني اللبناني، الذين تظاهروا ضد الحكومة قبل الانفجار بفترة طويلة، أكد "ماكرون" مجددًا أنه يجب إعادة بناء "النظام السياسي".

ولكن كيف؟ بينما بدا إعلان "ماكرون" حاسمًا، يبقى الشيطان في التفاصيل. وقد حذرت "لوموند" الفرنسية من أن أي جهد دبلوماسي جديد بقيادة فرنسا يخاطر بتكرار الجهود القديمة والوقوع في نفس الجمود الذي أدى إلى المأزق الحالي.

وفي هذا الصدد لم تكن دعوة "ماكرون" خلال لقائه قادة الفصائل السياسية إلى "حكومة وحدة وطنية" مسألة مطمئنة، فهذه هي نفس الصيغة، التي تشكل الوضع الحالي، حيث تحول أساس السلام في عام 1990 -تقاسم السلطة بين المسيحيين الموارنة والشرقيين الأرثوذكس، والمسلمين السنة والشيعة- إلى تقسيم الثروات بين هذه الفصائل نفسها.

إن هذا الوضع، الذي عزز الطابع الطائفي وكذلك الفساد المزمن للبلاد، لا يمكن إصلاحه بسرعة أو بسهولة. بل يحتاج لعمل طويل الأمد. هل لدى "ماكرون" الوقت أو الوسائل للمتابعة بطريقة هادفة؟

وعلى صعيد الوسائل، أكد "ماكرون" أن المساعدة المالية التي وعد بها للبنان ستقدم لمؤسسات ومنظمات شفافة توزعها مباشرة على المحتاجين. أما بالنسبة لوزارات الدولة، فقد كان وزير الخارجية "جان إيف لودريان" صريحا: "لن نعطي فلسا واحدا لهذه الطبقة السياسية".

لكن نفوذ فرنسا ليس بالقدر الذي قد توحي به روابطها الاستعمارية الجديدة المزعومة. لا يقتصر الأمر على أن فرنسا ليس لديها روابط اقتصادية مهمة مع لبنان -فهي تحتل المرتبة السادسة فقط كمصدر للبنان- ولكن لبنان لم تعد تتمتع بنفس القيمة الاستراتيجية بعد تراجع القضية الفلسطينية. قد يكون ما يربط فرنسا ولبنان حقًا هو لغة مشتركة بالإضافة إلى أكثر من 250 لبناني يعيشون في فرنسا يطلقون على باريس اسم "بيروت على نهر السين"، مما يجعل العلاقة خاصة بين البلدين.

أما بالنسبة للوقت، فليس لدى "ماكرون" سوى القليل: لم يتبق سوى أقل من عامين قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2022. وسوف تستهلك الكثير من الوقت بين الحين والآخر بسبب الأزمات الطبية والاجتماعية والاقتصادية التي أشعلتها جائحة فيروس "كورونا" في فرنسا.

وفي الوقت الحالي، فإن الفرنسيين أقل حماسًا بكثير تجاه "ماكرون" من اللبنانيين. فقبل وقت قصير من زيارته للبنان، أعرب 39% فقط من الناخبين عن ثقتهم في "ماكرون". بالطبع، يمكن أن تتحسن الأرقام  لكن من المشكوك فيه أن يكون لدى "ماكرون" الوقت والموارد لدعم لبنان.

المصدر | روبرت زاريتسكي - واشنطن بوست – ترجمة وتحرير الخليج الجديد