الأربعاء 12 أغسطس 2020 07:40 ص

من المتوقع أن يكون لتأثير الوباء الحالي عواقب وخيمة على سوق الغاز العالمي، حيث توقعت وكالة الطاقة الدولية "أكبر انخفاض سنوي مسجل في الاستهلاك منذ أن تطور سوق الغاز الطبيعي على نطاق واسع في النصف الثاني من القرن العشرين"، مقدرة انخفاضًا بنسبة 4% في عام 2020، أيّ أكبر بمرتين مما كان عليه خلال الأزمة الأخيرة في عام 2009، عندما انخفض الطلب بنسبة 2%.

وفي حين كان تأثير أزمة أسعار النفط على منتجي النفط مثل السعودية فوريًا، فقد كان معظم عائدات الغاز الطبيعي المسال في قطر مقيدة بعقود متوسطة وطويلة الأجل، ما أدى إلى تجنيب قطر الصدمة الفورية، لكن من المتوقع للعواقب الأولى أن تصبح محسوسة بحلول نهاية هذا الصيف.

ومع ذلك، تسبب انخفاض الأسعار الفوري الكبير للغاز الطبيعي المسال، في قيام المشترين بإعادة التفاوض على العقود طويلة الأجل مع قطر.

ظلت قطر لأكثر من عقد من الزمان تحدد مسار قطاع الغاز الطبيعي المسال، وتهيمن على السوق، لكن موقعها الرائد قد تآكل ببطء مع وصول لاعبين آخرين من أستراليا والولايات المتحدة، والتي جاءت بعروض أكثر جاذبية للمشترين بما في ذلك العقود الأخف والأقصر.

تحدي ظروف السوق

ومع ذلك، تشير التحركات الأخيرة لقطر بوضوح إلى أن الدوحة ليست مستعدة للتنحي عن موقعها كمصدّر عالمي رائد للغاز الطبيعي المسال ولن تتخلي عن حصتها في السوق لمنافسيها.

حتى قبل انتشار الجائحة، أعلنت قطر أنها ستزيد إنتاجها بشكل كبير إلى كمية تبلغ 126 مليون طن سنويًا بحلول عام 2027، مقارنة بـ77 مليون طن سنويًا يتم إنتاجها حاليًا، وفقًا لـ"رويترز".

علاوة على ذلك، وقعت الدوحة اتفاقية بقيمة 19.2 مليار دولار أمريكي مع أكبر 3 أحواض بناء سفن كورية لبناء 100 ناقلة للغاز الطبيعي المسال، فيما يعد أكبر برنامج لبناء سفن ناقلة للغاز الطبيعي المسال على الإطلاق، وفقًا لشركة قطر للبترول.

سيسمح الأسطول الجديد من الناقلات العملاقة لقطر بالاستجابة لمتطلبات سوق الأسعار الفورية، وتوجيه ناقلات الغاز الطبيعي المسال حيثما دعت الحاجة واستخدامها كسفن تخزين عائمة كبيرة في حال كانت ظروف السوق غير مواتية.

ومع ذلك، فإن هناك مخاوف من أن انخفاض الأسعار وإعادة التفاوض على العقود طويلة الأجل قد يؤثر على مشاريع الغاز الطبيعي المسال في المستقبل ويتساءل البعض عما إذا كانت خطط التوسع في قطر ستؤتي ثمارها بالنظر إلى الوضع الحالي المقلق للغاية.

أزمة زيادة المعروض

وأوضحت الدكتورة "كارول نخله"، الرئيسة التنفيذية لشركة "كريستول إنيرجي"، أن أسواق الغاز تضررت بنفس القوى التي تعرضت لها أسواق النفط، مضيفة أن أسواق الغاز الدولية تعاني من زيادة هيكلية في المعروض بسبب النمو السريع في قدرة تصدير الغاز الطبيعي المسال قبل فترة طويلة من انتشار الوباء.

وقد أدى التباطؤ في الأنشطة الاقتصادية بسبب عمليات إغلاق "كورونا" إلى زيادة المعروض.

وأجبرت الظروف غير المواتية شركة قطر للبترول على إعلان خفض نفقاتها بنسبة 30% في مايو/أيار، ومع ذلك، أكد وزير الطاقة والرئيس التنفيذي في قطر للبترول، "سعد شريدة الكعبي"، أن خفض الإنفاق لن يكون مرتبطًا بتخفيض صادرات الغاز، مضيفًا أن قطر للبترول "ستتوسع".

كما تدعم خطط الدوحة التوسعية استثمارات الدولة في مشاريع الغاز الطبيعي المسال في الخارج، ولا سيما في المكسيك وساحل العاج، وهو ما يذكرنا بعمليات الاستحواذ السعودية في شركات النفط الخارجية.

سعي سيؤتي ثمره

يقول الدكتور "جاك شاربلز"، الباحث في برنامج أبحاث الغاز الطبيعي في معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، إن الإعلان يشير إلى أن قطر ستواصل مسارها.

ويعتقد "شاربلز" أن هذا سيؤتي ثماره لسببين: فأولاً، من المرجح أن يتعافى السوق العالمي من تراجع الطلب المرتبط بـ"كورونا" بحلول عام 2025، ما يعني أنه سيكون هناك متسع في السوق لإمدادات الغاز الطبيعي المسال الإضافية في قطر، أما من الناحية الاقتصادية، فنظرًا لأن قطر هي المورد الأكثر تنافسية في سعر الغاز الطبيعي المسال في العالم فقد كانت أيضًا المورد الوحيد الذي تمكن من تعويض خسائره في أوروبا من خلال زيادة الصادرات إلى آسيا في مايو/أيار، ويونيو/حزيران من هذا العام.

وأوضحت "كارول نخلة" أن خطط قطر تستهدف المدى الطويل، وأضافت أنه على الرغم من أن هذا المسار قد يكون صعبًا، لكن التوقعات طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال قوية.

يقتنع الدكتور "هوارد روجرز"، رئيس مجلس إدارة معهد أوكسفورد لدراسات الطاقة، بأن الطلب على الغاز والغاز الطبيعي المسال سوف يتعافى على نطاق واسع مثل اتجاهات النمو السابقة للوباء على مدى السنوات الـ3 إلى الـ5 القادمة ويجب أن يظل نمو الطلب قويًا على الأقل حتى 2035.

يعتقد "روجرز" أيضًا أن تحويل الغاز إلى هيدروجين في أوروبا وأمريكا الشمالية من المرجح أن يوفر دورًا طويل الأجل للغاز.

صحيح أن هناك منافسة من "الهيدروجين الأخضر" [يتم الحصول عليه عن طريق التحليل الكهربائي باستخدام مصادر الطاقة المتجددة] ولكن حجم موارد الطاقة المتجددة المطلوبة لهذا بالإضافة إلى الحاجة لتلبية طلب قطاع الطاقة بشكل عام، أمر غير مضمون".

قوض العرض المفرط الحالي قدرة العديد من المشاريع الجديدة على تحقيق قرار الاستثمار النهائي، لا سيما تلك المشاريع التي تتطلب عقودًا طويلة الأجل مع العملاء من أجل تأمين تمويل المشروع.

وهذا قضى على الكثير من المنافسة المحتملة لقطر، وفقًا لما يقوله "روجرز"، حيث أشار إلى أن "قطر، بغازها الطبيعي المسال المنخفض التكلفة، تتمتع بميزة فريدة في ظل هذه الخلفية من طول عمر الطلب على الغاز الطبيعي المسال في الأسواق الآسيوية -وربما أوروبا- مع انخفاض المنافسة في العرض".

المقارنة مع السعودية

قد تشير تحركات الدوحة الأخيرة إلى أن قطر قد تبنت استراتيجية مماثلة للسعودية بزيادة الإنتاج من أجل كسب حصة في السوق والضغط على المنتجين ذوي التكلفة الأعلى.

ومن وجهة نظر "شاربلز"، فإن التوسع الهائل في إنتاج الغاز الطبيعي المسال والناقلات دليل على ثقة قطر بأنهم سيكونون قادرين على تحقيق ذلك.

ومع ذلك، يعتقد "روجرز" أن "الفارق الرئيسي بين السلوك القطري والسعودي هو أن استراتيجية قطر تتمثل في التوسع في إمدادات الغاز الطبيعي المسال طويلة الأجل والمستقرة فيما يتناقض مع الزيادة قصيرة الأجل في إنتاج النفط السعودي، والتي أوجدت طاقة إنتاجية زائدة"، كما إنه لم ير أي دليل حتى الآن على أن قطر عملت بكامل طاقتها التشغيلية.

صحيح أن قطر كانت لديها القدرة على تقويض المشاريع المنافسة إذا رغبت في ذلك، فإن "كارول نخلة" قالت إن حرب الأسعار الصريحة لا يرجح أن تكون في مصلحة قطر لأنها ستقوض الربحية الإجمالية لإنتاجها.

يشير الخبراء إلى أن قطر ستحتاج إلى سعر غاز يقدر بـ4 دولارات أمريكية لكل مليون وحدة حرارية بريطانية لتمويل التوسع.

وعلى عكس منتجي النفط المجتمعين في "أوبك"، يواجه منتجو الغاز ظروف سوق مختلفة، حيث لا توجد لديهم أدوات مؤسسية لتنسيق تخفيضات الأسعار ودعم الأسعار.

ونتيجة لذلك، انخفضت أسعار الغاز بأكثر من النصف منذ العام الماضي إلى 2 دولار أمريكي لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بعد أن كانت 10 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية قبل عام.

من غير المحتمل أيضًا أن تواجه قطر للبترول ضغوطًا من المنافسين فيما يتعلق باستثماراتها في الخارج (مثل مشروع جولدن باس لتصدير الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة، وأماكن أخرى) لأنها تفعل ذلك بالشراكة مع شركات كبرى مثل "إكسون موبيل" و"توتال" و"إيني" (شركة الطاقة الإيطالية).

تكهنت بعض التقارير بأن قطر قد تعمق علاقاتها مع روسيا، لتنسيق سياستها الخاصة بالغاز بعد توقيع اتفاقية في ديسمبر/كانون الأول، تمامًا مثلما فعلت السعودية لتنسيق تخفيضات إنتاج النفط من خلال اتفاقية مع "أوبك+".

ومع ذلك، يعتقد الخبراء أن حدوث تعاون يحاكي اتفاقية "أوبك+"، أمر غير مرجح.

يرى كل من "روجرز" و"شاربلز" أن قطر وروسيا متنافستان على المدى الطويل فيما يتعلق بالأسواق الآسيوية الرئيسية مثل الصين وأوروبا، مشيرين إلى أن أي اتفاق للحد من إنتاج الغاز الطبيعي المسال سيفتح ببساطة مساحة للإمدادات البديلة، وبالتحديد تلك القادمة من الولايات المتحدة.

يلاحظ "شاربلز" أيضًا أن هناك تفاوتًا ضخمًا بين أحجام صادراتهم لدرجة أن القطريين لا يحتاجون إلى التنسيق مع الروس، وبالتالي يبدو أن قطر ستحتفظ بعرش الغاز الطبيعي المسال على الرغم من الأوقات الصعبة المقبلة.

المصدر | ستاسا سالاكانين | إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد