الأربعاء 12 أغسطس 2020 10:07 ص

تزايد كبير لاحتمال بلوغ التصعيد بين أنقرة وأثينا مستوى المواجهة العسكرية بعد أيام قليلة من توقيع مصر واليونان اتفاقا حول تعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الدولتين في شرقي البحر المتوسط، والتي تضم احتياطات واعدة للنفط والغاز.

 فسفينة "عروج رئيس" اتجهت للقيام بأعمال مسح زلزالي بالمنطقة بمصاحبة سفن وطائرات حربية، وسط تشديد من القوات المسلحة التركية على أنها لن تسمح بأي اعتراض للسفينة شرقي المتوسط، ما قدم قطعا على أن أنقرة لن تقبل بفرض أمر واقع يجعلها خارج إطار تقسيم موارد الطاقة بالمنطقة.

وفي هذا السياق، جاء تأكيد وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو"، الثلاثاء الماضي، على أن بلاده ستصدر تراخيص للتنقيب والحفر في مناطق جديدة شرقي البحر المتوسط بنهاية أغسطس/آب الجاري على أبعد تقدير، في خطوة من المتوقع أن تثير استفزاز أثينا.

وفي المقابل، يعتبر الدبلوماسيون اليونانيون أن الاتفاق مع مصر أبطل فعليا اتفاقا مماثلا بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية، المعترف بها دوليا، وهو ما دعمته خريطة صادرة عن وزارة الخارجية المصرية، يظهر فيها خط ترسيم الحدود البحرية اليونانية والمصرية دون أي إمكانية للربط بين تركيا وليبيا.

وتمثل جزيرة "كاستيلوريزو" محور الأزمة الحقيقي بين تركيا واليونان، فهي تقع على بعد كيلومترين فقط من الشاطئ التركي، ومئات الكيلومترات من سواحل اليونان، ومع ذلك فهي تتبع الأخيرة بحسب الإرث الذي خلفته "معاهدة سيفر"، التى تم توقيعها قبل قرن، وتم فرضها على الدولة العثمانية من قبل القوى الأوروبية.

وصُممت المعاهدة، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، لتفكيك الدولة العثمانية وإلغاء السيادة التركية بشكل عملى.

ومع ذلك، فإن القوميين بقيادة مؤسس تركيا المستقبلي "مصطفى كمال أتاتورك"، رفضوها، وبعد هزيمة القوات المجاورة للقوى الأوروبية، أجبروهم على وضع شروط جديدة مع معاهدة لوزان فى عام 1923، والتى أصبحت تحدد الآن حدود تركيا الحديثة، لكن آثارها لازالت قائمة حتى الآن في الحدود المتنازع عليها بين أنقرة وأثينا.

وبينما تقول أثينا إن تقسيم المياه يكون من حدود الجزيرة والشاطئ التركي، ترى تركيا أن التقسيم البحري بينهما يجب أن يكون من الساحل اليوناني إلى الساحل التركي.

وبإضافة أن التوتر متصاعد بالفعل بين اليونان وتركيا بشأن مجموعة من القضايا الأخرى، بينها تحليق الطائرات فوق بحر إيجه وقبرص المقسمة على أساس عرقي مع اليونان، يمكن قراءة مؤشرات اتجاه لفرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية، لاسيما وأن القانون البحري الدولي لا يقدم حلولاً واضحة في البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي فإن "مثل هذه النزاعات عادة ما ينتهي بها الأمر إلى أن يتم تسويتها بالقوة أو بالاتفاق"، حسبما ترى خبيرة الطاقة في المجلس الأطلسي "بريندا شافير".

ولما كان الاتفاق بين تركيا واليونان متعذرا، فإن فرص حدوث مواجهة عسكريا تفرض أمرا واقعا على "البحر" باتت مرجحة، وفق تحليل "شافير".

متلازمة سيفر

وفي هذا السياق، يشير المؤرخ التركي "نيكولاس دانفورش" إلى أن ذكرى الخطط الاستعمارية الغربية لحرمان تركيا من السيادة عبر معاهدة سيفر لا تزال مسيطرة على العقلية السياسية التركية، وساهمت في تعزيز الحس القومي لدى الأتراك، وهو ما يسميه أعداء أنقرة في منتدياتهم بـ"متلازمة سيفر"، وفقا لما أوردته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.

ويلفت "دانفورث" إلى أنه "تم نسيان سيفر إلى حد كبير فى الغرب، لكنها تشكل ميراثا قويا في تركيا"، وظلت تمثل ركيزة لاعتقاد المسؤولين الأتراك بأن قوى خارجية تتآمر لتدمير دولتهم.

وتشير تقديرات عسكرية بأن قوة الجيش اليوناني ليست في أفضل أحوالها في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تعانيها أثينا، ولذا ينوه المحلل في شؤون الشرق الأوسط "سيث فرانتزمان" إلى احتمال اتجاه أنقرة لفرض الأمر الواقع بالقوة شرقي المتوسط، وفقا لما أوردته صحيفة "جيروزاليم بوست".

ويشير "فرانتزمان"، في هذا الصدد، إلى أن سجل تركيا يظهر أنها تشن عادة حملات عسكرية ضد أولئك الذين لا يستطيعون رسم خط أحمر، لكن "من غير الواضح أين قد يكون هذا الخط الأحمر في البحر المتوسط" حسب تقديره.

ويعزز من ترجيح قراءة "فرانتزمان" أن اليونان تبدو غير قادرة إلا على حشد ردود دبلوماسية على تحركات التنقيب التركية بالمتوسط، عبر مطالبتها الاتحاد الأوروبي بعقد قمة طارئة؛ لبحث الخلافات مع أنقرة.

عدم التدخل

لكن "شتيفان رول"، خبير الشرق الأوسط بالعهد الألماني للسياسة الدولية والأمن (SWP)، لا يتوقع  أن يلعب الاتحاد الأوروبي دورا حاسما في النزاع أو أن يدعم مواجهة مسلحة بين تركيا واليونان.

كما يستبعد الخبير الألماني أن يثمر أي تدخل أمريكي في فك هكذا اشتباك، خاصة في ظل "شروخ" تضرب علاقة الولايات المتحدة بتركيا، بعد شراء الأخيرة أنظمة صواريخ دفاعية روسية، وفقا لما أورده موقع إذاعة صوت ألمانيا "DW".

ولذا سلط "فرانتزمان" في تحليله الضوء على إحباط اليونان من "نهج عدم التدخل" الذي يتبعه حلف شمال الأطلسي "ناتو" بقيادة الولايات المتحدة.

ومن هذا المنطلق كانت دعوة الحكومة الألمانية لتركيا واليونان إلى إجراء مباحثات مباشرة فيما يخص الخلاف القائم بينهما حول شرقي البحر المتوسط، وعرض المتحدث باسمها "ستيفن سيبرت" الوساطة بين أنقرة وأثينا قبل توقيع اتفاقية المناطق الاقتصادية الخالصة بين مصر واليونان، وهي الوساطة التي انهارت بعد التوقيع، إذ قرر الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" إعادة سفن التنقيب إلى البحر مجددا.

الموقف الإيطالي أيضا يصب باتجاه تحييد الاتحاد الأوروبي إزاء أي مواجهة تركية - يونانية، وهو ما أشار إليه المحلل السياسي الإيطالي "فرانتشيسكو شيسي"، مؤكدا أن "تركيا بعدد سكانها الكبير الذي يصل إلى 85 مليون نسمة، وتمثيلها عشرات الملايين من الأتراك المنتشرين في جميع أنحاء آسيا، ونصرها التاريخي على البيزنطيين عام 1453، باتت قوة عظمى عالمية يمكنها الاضطلاع بدور رئيسي في المعركة ضد الصين".

ويعني ذلك أن أوروبا والولايات المتحدة تنظران لتركيا ضمن إطار أوسع من معركة جيوستراتيجية ضد المارد الصيني، وهي المعركة التي تلوح مؤشرات في الأفق على أن واشنطن بدأتها بالفعل عبر إجراءاتها تجاه القنصلية الصينية في هيوستن.

وعليه فإن أي مواجهة عسكرية بين تركيا واليونان ستصب على الأرجح في صالح الأولى طالما أن الأخيرة لن تكون مدعومة من القوى العظمى، خاصة في ظل أرقام التصنيف الدولي للجيوش حول العالم، التي تضع الجيش التركي في المرتبة 11 بميزانية دفاعية تصل إلى 19 مليار دولار سنويا، ونظيره اليوناني في المرتبة 38 بميزانية دفاعية لا تتجاوز 4.8 مليار دولار.

ورغم أن تركيا لا تتفوق كثيرا على اليونان من حيث عدد القطع البحرية من فرقاطات وغواصات (149 مقابل 116) لكن التفوق التركي يبدو جليا في عدد الطائرات الحربية والدبابات والمركبات العسكرية.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات