الأربعاء 12 أغسطس 2020 01:19 م

في مثل هذا الوقت تقريبا من العام الماضي، أمضيت أسبوعا في بيروت لإجراء بحث ميداني. وكنت هناك لأدرس أسواق المخدرات، وتحديدا كيف تشق المخدرات طريقها إلى لبنان من سوريا.

وغادرت بيروت ولدي انطباع أكبر عن الأزمة السياسية المتفاقمة في البلاد. وحتى في عام 2019، كان كل من يزور بيروت يشعر أنها كانت تقترب من نقطة الانهيار.

ومع أمور مثل الانقطاع المتكرر للكهرباء، والشوارع المليئة بالقمامة، والتضخم المرتفع، والحكومة المشلولة، والاقتتال الطائفي الداخلي، وتضاؤل ​​حماية الحريات المدنية، فقد خلقت جميعها هالة من الكآبة واليأس في البلاد. لقد كان اليأس ملموسا. فبغض النظر عمن سألته، كانت الإجابة واحدة، لبنان على حافة الانهيار.

وازداد الأمر سوءا مع مرور العام. وأدى مزيج من الظروف المعيشية السيئة وسوء الإدارة الحكومية المزمن إلى احتجاجات وحملات قمع على مستوى البلاد.

وتسببت الاستقالات المتكررة وانخفاض ثقة الجمهور في المسؤولين في خلق عجز في القيادة كان لا يزال رئيس الوزراء الأخير "حسان دياب" يكافح لمعالجته.

وفي غضون ذلك، سقط الاقتصاد في حالة يرثى لها. وأدى التضخم المتفشي وارتفاع أسعار الوقود والغذاء وانخفاض الليرة بنسبة 80% إلى مستويات جديدة من الفقر المدقع. وفوق كل ذلك، دمرت جائحة فيروس كورونا لبنان.

وعلى مدار العام، اعتقد الكثيرون أن الاحتجاجات على مستوى البلاد، وانهيار العملة، أو حتى استقالة رئيس الوزراء آنذاك "سعد الحريري"، ستدفع البلاد إلى حافة الهاوية. ومع ذلك لم يحدث ذلك.

وجاءت نقطة الانهيار الأسبوع الماضي، عندما انفجر 2750 طنا من نترات الأمونيوم المخزنة منذ 6 أعوام في مرفأ بيروت، بما يقدر بنحو 15% من قصف هيروشيما، دمرت المدينة حرفيا.

وكشف هذا الانفجار عن مستويات جديدة من الإهمال الحكومي، ما أثار الاستياء الذي يتصاعد منذ عام، وكلف البلاد ما يقدر بنحو 15 مليار دولار.

وتعد الظروف مهيأة لانتفاضة، سيكون لها عواقب جيوسياسية عميقة على المنطقة. ومن المرجح أن تستخدم القوى التوسعية، مثل إيران وروسيا، عدم الاستقرار لصالحها.

ويمكن أن ينتشر العنف والاقتتال السياسي بسهولة إلى البلدان المجاورة أيضا، ما يعني جذب الدول الغربية، وعلى الأخص فرنسا، في محاولة لتحقيق الاستقرار في المنطقة.

ببساطة، سيهدد انعدام الأمن في لبنان الشرق الأوسط بمستوى جديد من عدم الاستقرار، وسيتطلب المزيد من اهتمام الدول.

قليل من الثقة

وكان الاقتصاد اللبناني في حالة من الفوضى حتى قبل أن يُدَمر ميناء بيروت في انفجار الأسبوع الماضي. ويتعامل الميناء مع نحو 60% من الواردات لدولة تعتمد بشكل كبير على الواردات.

ويأتي نحو 90% من القمح المستهلك في لبنان من الواردات الأجنبية، تدخل 80% منها عبر مرفأ بيروت. كما تعرض أكبر مخزن للحبوب، وكان يحتوي على 85% من الحبوب في البلاد، للتخريب، ما جعل أزمة الغذاء في لبنان أسوأ. وسيستغرق التعافي من الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية التجارية والسكنية أعواما.

وبالنسبة لأولئك المطلعين على الفساد في لبنان، فإن الغفلة التي أدت إلى الانفجار لم تكن مفاجأة. فالجمود وعدم وجود رقابة كافية من السمات المميزة للسياسة اللبنانية.

وبعد الحادث بوقت قصير، ظهرت تقارير تفيد بأن مسؤولي الجمارك اللبنانية طالبوا 6 مرات بين 2014 و2017 بالتخلص من مخزونات نترات الأمونيوم. لكن تم تجاهلها جميعا.

وخرجت الاحتجاجات في كل مكان في بيروت. وتحول الاضطراب إلى غضب، وتحولت الأزمة المالية إلى انهيار مالي، وتحولت الدعوات إلى الإصلاح إلى مطالب بإصلاح منهجي.

عودة فرنسا

وسوف يؤثر كل ما سيحدث بعد ذلك على بقية الشرق الأوسط. وستؤثر روابط لبنان التجارية بالمنطقة على بعض الدول، ولا سيما الإمارات وتركيا وسوريا والعراق، وستقوض قدرات البلدان التي تستخدم الموانئ اللبنانية.

وسوف يؤدي العنف السياسي والظروف غير الصالحة للعيش إلى تدفقات المهاجرين إلى البلدان المجاورة، ما يزيد من مخاطر انتشار العنف، لا سيما مع سوريا و(إسرائيل).

وكما هو الحال في العراق وسوريا، فإن انعدام الأمن في لبنان سوف يستدعي عمليا المزيد من النفوذ الخارجي.

ومع وجود موطئ قدم لها في البلاد بالفعل، مرتكزا على علاقتها بـ"حزب الله"، ستنظر إيران إلى عدم الاستقرار اللبناني على أنه خطر وفرصة في نفس الوقت.

وستحاول إيران تأمين وصولها إلى البحر الأبيض المتوسط، والسيطرة على الأسواق المحلية الرسمية وغير الرسمية، ودعم القيادة السياسية الشيعية في لبنان.

وستصبح (إسرائيل) بدورها أكثر نشاطا على حدودها مع لبنان في سعيها لمواجهة "حزب الله"، لا سيما في المناطق الساخنة مثل مرتفعات الجولان ومزارع شبعا.

وتحاول روسيا، الشريك التجاري الرئيسي والداعم للطائفة المسيحية الأرثوذكسية اللبنانية، بشكل مطرد زيادة نفوذها في لبنان.

وبالنسبة لموسكو، يمكن أن يفتح عدم الاستقرار فرصا للربح من الأسهم المستقبلية في الغاز الطبيعي اللبناني وعقود البناء والاستفادة من إمدادات القمح التي تشتد الحاجة إليها هناك.

ناهيك عن حقيقة أن روسيا تريد موانئ إضافية خارج سوريا يمكن استخدامها في التجارة والحشد البحري ضد الأسطول السادس الأمريكي.

ولعل أبرز ما في الأمر أن الظروف في لبنان تلعب دورا في مصلحة فرنسا، التي كان لها مصلحة رئيسية في الحفاظ على موطئ قدم لها في الشرق الأوسط لتأمين الموارد الطبيعية وطرق التجارة الحيوية والقوة البحرية.

وبعد الحرب العالمية الأولى، وقعت فرنسا وبريطانيا اتفاقية "سايكس بيكو" لعام 1916، وهي صفقة أرست الأساس لمدة 23 عاما من الإدارة الفرنسية للبنان و26 عاما من الاحتلال العسكري الفرنسي.

لكن حتى بعد رحيل فرنسا الرسمي، بقيت حتمية الاحتفاظ بنفوذها في لبنان. وبينما تبني فرنسا قدراتها البحرية في البحر الأبيض المتوسط ​​لمواجهة تهديدات أصول الطاقة، فهي ملتزمة بحماية نفوذها في بلاد الشام عبر لبنان.

وفي أعقاب الانفجار، قادت باريس حملة لزيادة المساعدة والتدخل السياسي في لبنان، وهو ما تجلى في زيارة الرئيس "إيمانويل ماكرون" للبلاد بعد أيام من الانفجار.

ومن المفارقات أن العديد من المحتجين اللبنانيين قد توسلوا إلى مستعمرهم السابق للتدخل كضامن في نظام سياسي جديد. ولم تكن زيارة "ماكرون" بدافع التعاطف البحت بالطبع.

وبعد اجتماعات مع مسؤولين حكوميين، حرص "ماكرون" على انتقاد الحكومة علانية في بيروت، واجتمع مع اللبنانيين في الشوارع، حيث وعد بالعودة في 1 سبتمبر/أيلول لضمان سن "ميثاق سياسي" جديد.

كما أعلنت فرنسا أنها ستفتح قضية خارجية أمام المحكمة للتحقيق في علاقة الحكومة بالانفجار، على أمل خلق فرصة يمكن أن تعيد تشكيل النظام السياسي اللبناني.

ومن المرجح أن تعمل فرنسا بمفردها في لبنان، لكن بدعم ضمني وغير مباشر من الغرب. وخلال العام الماضي، عدّلت الولايات المتحدة سياستها في الشرق الأوسط، واختارت نهجا أكثر بعدا في تعاملها مع لبنان وغيرها من الدول.

وفي وقت سابق من العام الجاري، حاولت الولايات المتحدة ربط المساعدات بإجراءات التقشف المشروطة، حتى لا تجد الأموال الفيدرالية اللبنانية طريقها إلى جيوب "حزب الله".

ومع ذلك، فإن إلحاح الأزمة الاقتصادية والسياسية في بيروت، دفع الولايات المتحدة وغيرها إلى إرسال إمدادات الإغاثة والمساعدات المالية إلى بيروت دون قيود في النهاية.

ومع ذلك، لم تتحرك الحكومات الغربية بشأن مساعدات إعادة الإعمار، ومن غير المرجح أن تدعم حملة فرنسا للتدخل السياسي.

وفي حين تهتم الولايات المتحدة بالحفاظ على استقرار لبنان، فقد حاولت التدخل من قبل ولكن دون تأثير يذكر.

وبدأت الضغوط السياسية المتزايدة في الداخل، والقيود المالية المرتبطة بفيروس كورونا، في استبعاد السياسات الأكثر ميلا إلى المغامرة.

وتحاول الولايات المتحدة تقليص وجودها العسكري العالمي، خاصة في الشرق الأوسط. وفي غياب صراع شامل بين إيران والسعودية أو بين إيران و(إسرائيل)، سترفض الولايات المتحدة مشاركة أكبر في بلاد الشام، وستعرض على فرنسا دعما هادئا وغير مباشر.

المصدر | كارولين روز - جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد