الاثنين 14 سبتمبر 2020 05:21 ص

تنازع السلام: رهانات المستقبل في السياق الخليجي

حين أعلنت المنامة ركوبها قطار السلام المشوه أطلقت الدوحة مسيرة سلام طال انتظاره في أفغانستان.

بينما رفعت أبوظبي شعار السلام غداة تطبيعها مع تل أبيب حققت الدبلوماسية القطرية سلاما على الأرض في غزة.

معرفات الوجود الخليجي إقليميا ودوليا: ساحة عمل متقدمة للمصالح الأمريكية، مزود للطاقة العالمية، مستثمر سيادي دولي.

شكل الربيع العربي نقطة تحول استراتيجي فأصبح التأثير الأكبر بالساحة العربية خليجياً سلبا وإيجابا عبر الخطاب الإعلامي أو الدعم السياسي.

تقود ملء الفراغ أبوظبي ودول خليجية تابعة باتجاه تعزيز ميزتها التنافسية لدى أمريكا أولاً وأمام خصومها ثانياً عبر التطبيع مع إسرائيل.

*     *     *

منذ استكمال نشأة الكيانات السياسية على ساحل الخليج إبان الانسحاب البريطاني من المنطقة حافظت دول الخليج الست على موقع مستقر في الساحة الدولية، يمكن تلخيص طبيعة الوجود الخليجي في الساحتين الإقليمية والدولية من خلال ثلاثة معرفات:

- ساحة عمل متقدمة للمصالح الأمريكية،

- مزود للطاقة العالمية،

- مستثمر سيادي دولي.

لكن مع تغير طبيعة العلاقات الخليجية العربية مع الربيع العربي وتغير خريطة النفوذ الأمريكي عالمياً بدأت دول الخليج في البحث في اتجاهات مختلفة عن وضع جديد وموقع مختلف يتناسب مع التطورات المتلاحقة، هذا الواقع الجديد مستمد من تحول دول الخليج من لاعب متأثر إلى لاعب مؤثر إقليمياً.

شكلت انطلاقة الربيع العربي نقطة تحول استراتيجي حيث أصبح التأثير الأكبر في الساحة العربية خليجياً سلباً وإيجابا، سواء من خلال الخطاب الإعلامي أو الدعم السياسي، فتحركت قوى الخليج في اتجاهات متباينة.

ووقفت الولايات المتحدة في حالة ارتباك وتعاملت ببطء مع الأحداث، وتدريجياً بدأ يتكشف العجز الأمريكي في المنطقة، وعليه بدأت الدول الخليجية منفردة مشاريع تأثير مستقلة عن دائرة الولايات المتحدة، تارة بالتنسيق معها وتارة دون ذلك.

واليوم بعد عقد من انطلاق الربيع العربي يبدو أن دول الخليج تعاود ترسيم علاقتها بالولايات المتحدة في إطار الانسحابية الأمريكية عبر اتجاهين رئيسيين:

- الأول هو ملء الفراغ الأمريكي عبر استبداله بأجندة هيمنة مختلفة والمساومة مع واشنطن للحصول على ضوء أخضر لنشاطات ليست بالضرورة متوافقة والمصالح الأمريكية.

- الاتجاه الآخر هو الاعتماد على القدرات الذاتية في لعب أدوار أكثر تعقيداً بتحقيق مكاسب تكتيكية أقل وتعتمد على صهر المصالح لا تبادلها، وكلا الاتجاهان يتخذ من السلام والاستقرار شعاراً.

الاتجاه الأول والذي تقوده أبوظبي ومعها دول خليجية تابعة لها من الواضح أنه وبعد تراجع مشروع النظام العربي الجديد اتجه نحو تعزيز ميزته التنافسية لدى الولايات المتحدة أولاً وأمام خصومه ثانياً من خلال بوابة التطبيع مع إسرائيل.

لكن هذا التطبيع يأتي ببعدين، بعد مرتبط بإدارة ترمب والتعامل معها تكتيكياً وبعد مرتبط بتعزيز القدرات الدفاعية والأمنية من خلال الحصول على أسلحة متطورة من واشنطن ودعم أمني من تل أبيب. ولا شك أن تبعية البحرين في هذا القرار تمثل وسيلة إقناع لواشنطن بأن أبوظبي قادرة على ضبط الإيقاع لدى شركائها.

وعلى عكس ما جرت عليه العادة تبحث أبوظبي عن غض طرف أمريكي عن مشروعها في المنطقة لا حماية من خصومها من خلال هذا التحرك.

وفي هذا الإطار تحاول ضمناً تسويق هذا الإجراء باعتباره صناعة للسلام حتى يكون هذا المحور هو محور (سلام) في المنطقة، بغض النظر عن كمية النزاعات المسلحة التي نتجت عن سياسات المحور ومع تجاوز واقع أنه لا سلام تحقق على الأرض.

الاتجاه الثاني والذي تقوده قطر وعمان يتحرك من منطلق القيمة المضافة في المجتمع الدولي بشكل عام، فرغم التفاعل المستمر مع الاحتياجات التكتيكية لواشنطن تلعب هذه الدول أدواراً حقيقية في ملفات حاسمة وخاصة في إطار الوساطة: قطر في غزة وأفغانستان، وعمان مع إيران.

شبكات العلاقات هذه تبدو مرفوضة أمريكياً وغربياً ولكنها تمثل حاجة لا اختياراً بالنسبة لهم، وصلت الرسالة متأخرة إلى واشنطن أنها بحاجة إلى لاعبين متوازنين مقبولين في المنطقة لتحقيق مصالحها والتي لا تتأتى بالضرورة من خلال الدفع بأجندة أمريكية بل من خلال الوصول لحلول إستراتيجية تتحقق من خلالها المصالح للأطراف جميعا.

وسواء فاز ترمب أو بايدن في انتخابات نوفمبر سيكون هذا الدور هو الذي تحتاجه واشنطن لإغلاق الملفات العالقة في المنطقة وليس النظرة التعاقدية التي يرسمها الاتجاه الأول وداعموه. المستقبل القريب في المنطقة يرسمه رهانان:

الرهان الأول على رغبة واشنطن في وكلاء لتنفيذ أجندة منفصلة عن مصالح المنطقة.

والرهان الثاني في حاجة واشنطن لشركاء قادرين على صناعة توافقات تصب في مصلحة واشنطن وبشكل مستدام.

الرهان الأول لا يصلح إلا في المدى القصير ويتسبب في ربط شرطي بين أجندة الإدارة الأمريكية، ولا نقول الولايات المتحدة، واستفادة هذه الدول من الموقع الجديد معها.

أما الرهان الثاني فهو على ارتفاع القيمة الجيوسياسية ليس في العلاقة مع واشنطن فحسب بل بالنسبة للمجتمع الدولي بشكل عام، صناعة السلام هي بلا شك الهدف الرئيس للنظام الدولي بشكل عام، وحفظه مسؤولية أساسية للدولة.

وبينما رفعت أبوظبي شعار السلام غداة تطبيعها مع تل أبيب، حققت الدبلوماسية القطرية سلاماً على الأرض في غزة، وحين أعلنت المنامة ركوبها قطار السلام المشوه أطلقت الدوحة مسيرة سلام طال انتظاره في أفغانستان، الفرق يا سادة هو بين الوهم والواقع.

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي المساعد بجامعة قطر

المصدر | الشرق القطرية