الجمعة 18 سبتمبر 2020 02:20 م

في 25 أغسطس/آب 2020، اجتمع قادة مصر والعراق والأردن في عمّان للمرة الثالثة في سلسلة اجتماعات متتالية؛ إيذانا بتوثيق العلاقات بين الدول العربية الثلاث.

وتم عقد الاجتماعات السابقة في مارس/آذار 2019 بالقاهرة، وفي سبتمبر/أيلول 2019 بمدينة نيويورك، على هامش الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وكان الاجتماع الأخير هو الأول الذي يضم رئيس الوزراء العراقي الجديد "مصطفى الكاظمي" في مناقشات مع الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" والعاهل الأردني الملك "عبدالله الثاني".

وكان الهدف من الاجتماعات تعميق التعاون بين الدول الثلاث في محاولة لتنسيق كتلة جديدة تؤثر سياسة الشرق الأوسط.

وكان السؤال بالطبع؛ هو ما إذا كان هذا التقارب الأخير مجرد جهد عابر مثل العديد من الجهود السابقة والمماثلة؟ أم أنه سينتج تعاونا جوهريا، وبالتالي يؤثر على السياسة الإقليمية وحتى على توازن القوى في المنطقة؟.

وعلى نفس القدر من الأهمية، ماذا تعني الكتلة الأردنية المصرية العراقية للعلاقات مع دول الخليج، خاصة في أعقاب التطبيع الأخير للعلاقات بين كل من الإمارات والبحرين مع (إسرائيل)؟.

  • تكتل عربي جديد

ومن نواحٍ عديدة، فإن الاصطفاف المصري العراقي الأردني هو الأحدث في سلسلة من المحاولات للتعامل مع التحولات الكبرى في التوازن الاستراتيجي للمنطقة.

ومرت أعوام على غياب هيمنة مراكز القوى العربية التقليدية (مصر وسوريا والعراق)، على الكثير من العلاقات العربية البينية والسياسات الإقليمية.

ففي أعقاب الغزو الأمريكي المشؤوم للعراق، ثم انتفاضات الربيع العربي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تراجع نفوذ مصر وسوريا والعراق.

وبدلا من ذلك، مالت السيطرة على المنطقة إلى 3 قوى أخرى بطرق مختلفة، وهي (إسرائيل) وإيران وتركيا.

وحاولت دول الخليج العربية ملء الفراغ العربي والإقليمي، في محاولة لتغيير مراكز القوة. ومع ذلك، لا يزال الشرق الأوسط الحديث منطقة بدون توازن واضح للقوى، مع تدخل أجنبي واسع النطاق، بما في ذلك من الولايات المتحدة وروسيا، مع صراعات مستمرة على السلطة والنفوذ.

وفي هذا السياق، فإن الاصطفاف المصري العراقي الأردني ليس تحالفا جديدا وقويا بالمعنى التقليدي كاتفاق دفاع رسمي. بل هو في الأساس كتلة أكثر مرونة تهدف إلى التعاون في مجالات الأمن والدبلوماسية والعلاقات الاقتصادية.

بالإضافة إلى ذلك، لا يمثل التحالف الثلاثي تهديدا للدول العربية الأخرى، وبالتأكيد ليس تهديدا لممالك الخليج، اقتصاديا على الأقل.

لكن ذلك يمثل في بعض النواحي تحديا للقوى غير العربية في المنطقة. ويواجه كل من الأردن ومصر والعراق مصالح وصعوبات مختلفة، ولكن الشيء الوحيد المشترك بينها جميعا؛ هو أنها تشعر بالتهميش المتزايد في السياسة الإقليمية المعاصرة، ولدى الثلاثة جميعا اهتمام بدرجات متفاوتة بالسياسات الإقليمية لإيران وتركيا و(إسرائيل).

وبالنظر إلى الانقسامات داخل مجلس التعاون الخليجي، فإن المواءمة الجديدة تهدف أيضا إلى توفير قيادة عربية قادرة على الاستجابة للتحديات الإقليمية المتعددة.

ولا يركز التحالف الجديد على العلاقات الخارجية فقط، ولكن أيضا على المساعدة في ضمان أمن النظام المحلي. فقد شعرت الأنظمة الثلاثة بضغوط داخلية شديدة، مع تفاقم الأزمات الاقتصادية نتيجة الوباء.

وتحتفظ مصر، كقوة إقليمية سابقة، بأكبر قوة مسلحة في العالم العربي، بالرغم من عدم التأثير السياسي الذي كانت تتمتع به في السابق. وكان العراق ولا يزال منتجا رئيسيا للنفط، لكنه يواصل كفاحه لاستعادة سيادته وأمنه بعد أعوام من الغزو والاحتلال والصراع مع تنظيم "الدولة الإسلامية".

وفي هذه الأثناء، لم يكن الأردن قوة إقليمية أبدا، ولكنه تمتع سابقا بنفوذ أكبر من حجمه، ويرجع ذلك أساسا إلى علاقاته الوثيقة مع القوى الغربية الرئيسية وأهميته الجيوسياسية المتصورة، من الحرب الباردة إلى عملية السلام العربية الإسرائيلية، مرورا بـ "الحرب الأمريكية على الإرهاب".

وتعني معاهدة السلام بين الأردن و(إسرائيل)، وعلاقات العمل الوثيقة مع السلطة الفلسطينية، وكذلك الاتصالات الواسعة مع الدول الخليجية، أنه كان الطرف المناسب في كثير من الأحيان للعمل كقناة خلفية لمفاوضات لا حصر لها بين الدول الشرق أوسطية.

ويعكس الاصطفاف المصري الأردني العراقي الجديد، صدى أقدم "مجلس تعاون عربي"، الذي جمع لفترة قصيرة هذه الدول الثلاث معا، جنبا إلى جنب مع اليمن الشمالي، في كتلة سياسية واقتصادية خلال الفترة 1989-1990، ولكن سرعان ما انهارت بسبب غزو "صدام حسين" للكويت.

لكن ربما تمثل الكتلة الجديدة محاولة لخلق شيء قد يكون له قوة بقاء أكبر. ومع ذلك، فقد ركز الشركاء، في ذلك الوقت والآن، على التنسيق الدبلوماسي والاقتصادي وليس التنسيق العسكري، وفي كلا الحقبتين، لم يروا تكتلهم على أنه تحدٍ لمجلس التعاون الخليجي، بل على أنه مكمل خارجي له.

ومن المؤكد أن الهدف من التحالف الجديد هو العمل إلى جانب مجلس التعاون الخليجي أو تحالفات عربية أخرى وليس بديلا عنها.

وفي الفترة ما بين 1989-1990، خططت الدول الأعضاء في لجنة التعاون العربي للتواصل مع جيرانها الخليجيين كحلفاء، وليس كمعارضين، وتشكيل نوع من الجبهة الدبلوماسية المنسقة.

واليوم، يمكن النظر إلى الأردن والعراق ومصر على أنها دول ريعية بدرجات مختلفة، فهي تسعى للحصول على مساعدة اقتصادية مستمرة من حلفائها في الخليج، لكنها تبحث أيضا عن دفعات دعم مالي متسقة وليست متفرقة أو طارئة.

ولا تركز كل جهود الأردن ومصر والعراق على الخارج أو الخليج. وفي الواقع، ترَكز معظم النقاش خلال العامين الماضيين على السياسة والاقتصاد داخل وبين الدول الثلاث.

وفي قمتهم الأخيرة، في أغسطس/آب 2020، شجب كل منه التدخل الخارجي في السياسة العربية، ويفترض أن هذا كان يشير بشكل أساسي إلى إيران وتركيا.

وأعربت الدول الثلاث عن دعمها لقيام دولة فلسطينية، وأدانت الضم الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. لكنها ركزت أيضا على الداخل، وتعهدت بالعمل على ضمان الأمن الغذائي والمائي، وتنسيق شبكات الكهرباء وسياسة الطاقة، وتوسيع التجارة والاستثمار، والتعاون فيما يخص مواجهة وباء "كوفيد-19".

وفي الوقت نفسه، لكل دولة مخاوف فريدة تأمل في أن تحصل على مساعدة بشأنها من الدولتين الأخرتين وحلفائها الخليجيين.

وبالنسبة للحكومة العراقية، لا تزال جهود إعادة الإعمار الأمني ​​والاقتصادي مصدر قلق كبير، كما هو الحال بالنسبة لقلقها من النفوذ والتدخل التركي والإيراني في العراق.

وبالنسبة للأردن، يتوقع النظام الهاشمي من شركائه في الكتلة الجديدة، دعم إصرار المملكة على حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وعلى أهمية استمرار "مبادرة السلام العربية" لعام 2002 كأساس للموقف العربي، وبشكل رئيسي على الدور الهاشمي كراعٍ للأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة.

وبالنسبة لمصر، يسعى نظام "السيسي" للحصول على دعم عربي في علاقات بلاده المتوترة بشكل متزايد مع تركيا، سواء من حيث الأمن في شرق البحر المتوسط ​​أو في الأزمة الليبية.

  • التطبيع الإماراتي والبحريني مع (إسرائيل) 

وبينما تحدث المسؤولون في إدارة "دونالد ترامب" عن معاهدات السلام التي انطلقت في جميع أنحاء الشرق الأوسط، فإن هذه المعاهدات أبرمت بين دول لم تقاتل بعضها البعض قط قبل ذلك.

وأعلنت الاتفاقيات عن علاقات ثنائية كانت تنمو بالفعل بشكل مطرد على مدى الأعوام العديدة الماضية.

وبهذا المعنى، فإن الاتفاقات بين (إسرائيل) والإمارات والبحرين تؤكد ببساطة علاقات كانت موجودة بالفعل. لكن داخل الكتلة المصرية الأردنية العراقية، كان لهذه الخطوات نحو التطبيع مع (إسرائيل) تأثير قوي، لا سيما على الأردن ومصر.

وشعر الأردن، على وجه الخصوص، بالقلق من أن التحركات الإماراتية والبحرينية قد تقوض مبادرة السلام العربية وخطط حل الدولتين، لكن رد الدولة الأردنية كان هادئا وحذرا من إدانة أو إغضاب الإمارات أو البحرين بأي طريقة.

وأصبح هذا واضحا بشكل خاص عندما تم القبض على رسام الكاريكاتير الأردني الشهير "أسامة حجاج"؛ بسبب رسم كاريكاتوري يسخر من الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي.

وتم إطلاق سراح "حجاج" في النهاية، بعد دعوات محلية ودولية للإفراج عنه، لكن أظهرت هذه الأحداث أنه من الأسهل على المعارضة الأردنية أن تنتقد الحكومة أو الحلفاء الرئيسيين لها مثل الولايات المتحدة، أكثر مما تجرؤ على إدانة أي حليف خليجي للمملكة الهاشمية.

وكان كل من مصر والأردن، قد أبرما بالفعل معاهدات سلام كاملة مع (إسرائيل) قبل ذلك بأعوام عديدة، القاهرة في 1979 وعمّان في 1994.

ومع ذلك ظلت معاهدات سلام باردة إلى حد ما، ولم تعزز العلاقات على المستوى الشعبي. وفي الواقع، بدأت حملات مناهضة التطبيع من قبل المجتمع المدني المصري والأردني والجماعات الناشطة قبل أن يجف الحبر على أي من المعاهدتين، وهي مستمرة حتى يومنا هذا.

ومع ذلك، حافظت مصر و(إسرائيل) على تعاون أمني عالي المستوى، خاصة في سيناء.

وقد أشاد "السيسي" في الواقع بالخطوة الإماراتية، ولكنها قد تؤدي إلى تراجع النفوذ المصري إذا لم تعد الإمارات وغيرها من دول الخليج بحاجة إلى المرور عبر مصر كقناة لعلاقات بلادهم مع (إسرائيل).

وبالمثل، يخشى المسؤولون الأردنيون من تراجع النفوذ الأردني على نفس المنوال بالضبط، إذا لم يعد الدور الأردني كقناة خلفية بين (إسرائيل) والخليج ضروريا.

وقد يكون الأردن، والهاشميين على وجه الخصوص، قلقين أيضا من أن دورهم الفريد تجاه الأماكن المقدسة في القدس قد يكون في خطر إذا قامت السعودية في نهاية المطاف بتطبيع العلاقات مع (إسرائيل) وطالبت بالوصاية على المدينة المقدسة.

ومن المرجح أن تتعامل مصر والأردن والعراق بشكل أخف تجاه المواقف السياسية لحلفائها في الخليج. وقد تختلف مع عملية التطبيع، لكن من غير المرجح أن تعارض ذلك بشدة.

ببساطة، قد تفوق حاجتها إلى الدعم الخليجي المخاوف الأخرى. وساهمت الإمارات والسعودية والكويت وقطر في حزم المساعدات الاقتصادية الطارئة للأردن أثناء وبعد الربيع العربي.

وبالمثل، حلت الإمارات والسعودية محل المساعدات التركية والقطرية لمصر عندما أطاح "السيسي" بـ "محمد مرسي" عام 2013.

وفي عام 2019، وعدت السعودية، التي كانت في منافسة دائمة مع إيران على النفوذ داخل العراق، بتقديم حزمة مساعدات قيمتها مليار دولار لمساعدة الحكومة العراقية.

وفي حين أن لدى كل من مصر والأردن والعراق مخاوف بشأن عملية التطبيع وما قد يعنيه ذلك لمواقفها الخاصة في المنطقة، فإن الأردن وحده هو الذي يرى في هذا التطور تهديدا وجوديا محتملا، ليس في عملية التطبيع في حد ذاتها، لكن إذا شجع التطبيع حكومة إسرائيلية يمينية على حل القضية الفلسطينية على حساب الأردن.

وكانت الفكرة القائلة بأن حكومة إسرائيلية متطرفة قد تحاول جعل الأردن وطنا بديلا للشعب الفلسطيني، بدلا من السماح بتشكيل دولة فلسطينية فعلية، مجرد مخاوف أصبحت الآن مصدر قلق رئيسي.

وأدت "خطة السلام" لإدارة "ترامب" وتجاهلها لمخاوف حلفائها العرب إلى تعميق قلق الأردنيين.

وتتصاعد المخاوف من أن الفلسطينيين والأردنيين على حدٍ سواء، سيتم تهميشهم وإسكاتهم، بل وحتى حرمانهم من أراضيهم، إذا بدأ الضم الإسرائيلي أو إذا بدأ مشروع "ترامب-كوشنر" يؤتي ثماره.

لكن النظام الأردني من جهته لا يعتبر مثل هذا السيناريو حتميا. وقد لا يكون قادرا على الوثوق بإدارة "ترامب"، لكنه يعتمد على الكثيرين في الكونجرس الأمريكي ووزارة الخارجية والبنتاجون والمؤسسات الأمريكية الأخرى.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الأردن يعتزم الحفاظ على التحالفات مع الإمارات والسعودية، حتى في الوقت الذي يحتفظ فيه بعلاقات قوية مع قطر.

  • ماذا ننتظر؟

وبغض النظر عما إذا كان التحالف المصري العراقي الأردني سينجح أو يفشل في نهاية المطاف، فهو محاولة لزيادة نوع من الاعتماد على الذات الجماعي يتجاوز علاقات الدول الثلاث مع القوى الغربية أو الخليجية.

لكنها مع ذلك، سيظل هذا التحالف معتمدا (جزئيا على الأقل) على هؤلاء الحلفاء الدوليين والإقليميين سياسيا واقتصاديا في المستقبل المنظور.

ولكن دول هذا التحالف لا تنظر إلى نفسها باعتبارها دول فقيرة في حاجة لممالك النفط الغنية، ولكن على العكس من ذلك، تشعر كل منها أن لديها ما تقدمه لحلفائها الخليجيين.

ولأعوام، حافظ الأردن على تعاون استخباري وأمني مكثف مع الحلفاء في مجلس التعاون الخليجي، ولديه أطول حدود مع (إسرائيل)، وهو أكثر ارتباطا بأي اتفاق إسرائيلي فلسطيني مستقبلي.

ولا تزال مصر أكبر قوة عسكرية عربية، وقد تكون الدولة العربية الوحيدة القادرة على توفير التوازن ضد تركيا.

وللعراق اقتصاد نفطي خاص به وحدود مع إيران. باختصار، يرى كل طرف نفسه على أنه نوعا ما منطقة عازلة أو دولة في خط المواجهة في السياسة الإقليمية.

وبالنسبة لدول الكتلة الجديدة، كان الدعم الخليجي حيويا على مر السنين، لكن يبدو الأمر أكثر إلحاحا الآن مع التداعيات الاقتصادية لوباء كورونا الذي يضيف عبئا إضافيا.

وبالنسبة للأردن ومصر، لم تؤد معاهدات السلام مع (إسرائيل) أبدا إلى المكاسب الاقتصادية المتوقعة، بالرغم أن الاتفاقات رفعت كلا الدولتين إلى المرتبة الأولى بين متلقي المساعدات الخارجية الأمريكية.

ويبدو أن الدول الثلاث مصممة على العمل معا كجبهة عربية ضد كل من التدخل الإيراني والتركي؛ ما يجعل ذلك نقطة التقاء مصالح مع العديد من دول مجلس التعاون الخليجي.

المصدر | كورتيس رايان/المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد