الخميس 24 سبتمبر 2020 07:09 ص

فلسطين والصهيونية ومستقبل الأمة

إسرائيل شنت حربا كبرى على مصر مع فرنسا وبريطانيا في 1956 لمجرد أن مصر أممت قناة السويس!

التفتيت عقيدة أساسية للصهيونية ذلك بالتحديد دفع العالم العربي منذ 1948 للعسكرة في مصر وسوريا والعراق.

حالة الأمة امتداد عضوي لمحنة فلسطين والصراع مع الصهيونية والتاريخ لا ينتهي ففصوله في طور التشكل.

سعت إسرائيل لضرب دول الخليج عبر الإعلام الأمريكي بعد حرب 1973 وإثارة كل ما يتعلق بالأموال والنفط والمال العربي والمقاطعة.

كيف تحول السلام مع الأردن ومصر لتهديد للمصريين والأردنيين؟ طريقة عمل الصهيونية خلقت مخاوف في الشارع الأردني والمصري.

لإدراك لماذا فشل اتفاق أوسلو في بناء السلام يجب التركيز على أهداف إسرائيل وتهربها من تطبيق بنود الاتفاق حول الارض والاستيطان والقدس واللاجئين.

*     *     *

نقلت إسرائيل تجربتها في استيطان فلسطين وتهجير واقتلاع الشعب الفلسطيني لبقية المنطقة العربية. تعلمت الصهيونية مبكرا أنها تستطيع فعل الكثير عبر الاعتماد على دولة كبرى وعبر تفتيت الإقليم المحيط بها واستنزافه.

من هنا سعت إسرائيل منذ الخمسينات لفتح الملفات حول تجنيد من يساعدها لإنشاء دولة مسيحية في لبنان (هناك تصريحات ومواقف معلنة لبن غوريون مؤسس إسرائيل حول ذلك).

إسرائيل شنت حربا كبرى على مصر مع فرنسا وبريطانيا في العام 1956 لمجرد أن الرئيس عبد الناصر قام بتأميم قناة السويس، كان ناصر قد أرعب بن غوريون في إمكانية ان يقود وحدة للعرب.

إن التفتيت عقيدة أساسية للصهيونية. ذلك بالتحديد دفع العالم العربي منذ 1948 للعسكرة في كل من مصر وسوريا والعراق. الحركة الصهيونية تعتبر أن تناقضها مع الإقليم العربي والإسلامي أساسي.

ولا يمكن حله بلا تثبيت ميزان يقوم أساسا على غالب ومغلوب وقوي وضعيف. إن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مجندة لمنع العرب والمحيط الإسلامي من بناء قوة ذاتية حقيقية.

إن من يريد ان يفهم لماذا حلت الولايات المتحدة الجيش العراقي عام 2003، عليه ان لا ينظر فقط للسياسة الأمريكية بل أن يتمعن بمتطلبات الصهيونية التي لعبت دورها في تدمير العراق. فقد تواجد في العام 2003عند احتلال العراق خبراء يحملون الجنسية المزدوجة الأمريكية الإسرائيلية.

ومن يريد أن ينتبه لماذا لم ينصر العالم سوريا منذ 2011 بينما نصر البوسنة ثم كوسوفو علينا أن نسأل عن موقف إسرائيل ودورها في ترك سوريا لحالة الموت والتشرد.

ومن يريد أن يعي كيف تحول السلام مع الأردن ومصر لتهديد للمصريين والأردنيين أن ينتبه لطريقة عمل الصهيونية التي خلقت مخاوف في طول وعرض الشارع الأردني والمصري.

ومن يريد أن يرى بوضوح لماذا فشل اتفاق أوسلو في بناء السلام، يجب أن يركز على معرفة أهداف الحركة الصهيونية وإسرائيل وطريقة تفاديها لتطبيق أهم بنود الاتفاق حول الارض والاستيطان والقدس واللاجئين والحقوق وغيرها من القضايا.

ولو عدنا للتاريخ الأبعد سنجد ان فكرة سد النهضة الذي بدأ يحاصر مصر مؤخرا كان قد بدأ كفكرة إسرائيلية في الستينيات وذلك بهدف تطويق مصر من خلال أثيوبيا.

وقد سعت إسرائيل لضرب دول الخليج من خلال وسائل الاعلام الأمريكية بعد حرب 1973 خاصة من خلال إثارة كل ما يتعلق بالأموال والنفط والمال العربي والمقاطعة. إن قيام الولايات المتحدة بفصل القوات بعد حرب 1973 وجر مصر لكامب ديفيد عام 1979 استهدف تفكيك جبهة العرب التضامنية.

إن غزو العراق للكويت، كان حدثا فرحا للصهيونية ومرعبا لمنطقة الخليج ومواطني الكويت، ففي هذا الحال كان لسان حال إسرائيل أن أعداءها سيتقاتلون.

لقد أصبح هم إسرائيل عام 1990 التشجيع على بناء حشد عسكري يؤدي لعمل عسكري يسهم في تحرير الكويت لكن والأهم أن يفتح ذلك الوضع الباب للقواعد الأمريكية في الخليج.

في تفكير الصهيونية لم تكن الكويت هي أساس الموضوع، بل كان الانتشار في الخليج والسيطرة الأمريكية وافاق التغلغل الصهيوني هدف إستراتيجي.

لو انسحب صدام قبل الحرب لفوت الفرص على إسرائيل، لكنه ساهم بالأجندة الإسرائيلية. ذلك الفخ أدى لوضع العراق تحت عقوبات قاسية، ثم أدى لاحتلال وتدمير العراق في 2003.

ولا يخفى على العرب أن أمن إسرائيل يسعى لإبقاء العرب مطوقين بتهم الإرهاب والقاعدة وتهم العنف. إن استغلال ما حصل منذ أيلول/سبتمبر 2001 لم يكن عملا بريئا، فقد تم استغلال ما وقع للتعميم على كل المسلمين ومجتمعاتهم.

وقد أدى ذلك لتهديد عدد من دول الخليج وعلى الاخص المملكة العربية السعودية برفع قضايا وجرها لمحاكم وتهديدها بعقوبات.

تلك سياسات مدروسة رصدت لها اموال طائلة من قبل حلفاء الصهيونية في كل مكان، والهدف الاساسي القبول بالتغلغل الصهيوني والإملاءات الأمريكية وفقدان الاستقلال الحقيقي.

من يريد ان يربط بين الانقلاب في تركيا عام 2016 والدور الإسرائيلي يستطيع ان يرى أن الهدف من ذلك الانقلاب كان إعادة تركيا للحظيرة وضمان سيطرة الجيش التركي المرتبط بالناتو على النظام التركي. الحكم المدني التمثيلي النيابي لا تجيزه الصهيونية للمنطقة العربية او الإسلامية المحيطة.

إن تنامي العداء بين تركيا وإسرائيل منذ انتخاب اردوغان 2003 مرتبط بتمرد تركيا على المعادلات الغربية والأمريكية السياسية والتسلحية وهو بالتالي تمرد على الصهيونية وأمنها في الشرق الأوسط.

إن نجاح تركيا في التصنيع العسكري المستقل وتغيير منظومات السلاح الصاروخي وبناء ميزان جديد للقوة في منطقة الشرق الاوسط هو أصل العداء لتركيا، وهو الاساس في فتح الكثير من الملفات على تركيا ومنها الملف الكردي.

أما إيران، فالخوف الإسرائيلي من إيران مرتبط بقطيعة إيران مع النظام الدولي الغربي، وبقدرة إيران على تحمل العقوبات وبناء برامج مستقلة للتسلح. فالقوة العسكرية الإيرانية حوصرت بالأساس من قبل أكثر من أدارة امريكية.

حصار إيران تم على الدوام بدعم إسرائيلي. وحتى عملية نقض الاتفاق النووي الإيراني العالمي، فقد تمت بسبب ضغوط إسرائيلية مارسها نتنياهو بفعالية على الولايات المتحدة.

ما يجب التنبه اليه أن التمدد الإيراني في الإقليم أضر بالكثير من العرب وخاصة والأهم الثورة السورية، لكن ذلك التمدد ارتبط بنفس الوقت بصراع إيران لفك الحصار المطبق عليها.

ليس هذا مجال تقيم السياسات الإيرانية، لكن الأهم ان نعي أن نية إعادة إيران لحظيرة تشبه تلك التي مثلها شاه ايران لازال هدفا امريكيا وإسرائيليا وصهيونيا، وهذا ما تعرفه إيران جيدا.

فلسطين هي قلب المقاومة، وهي المكان الذي يكشف لنا طبيعة الصهيونية الاستيطانية الاستعمارية بصفتها قاعدة هدفها الأساسي التصادم والتهديد الوجودي لأماني الإقليم العربي والإسلامي في الحريات والحقوق والديمقراطية والتحرر من الهيمنة الصهيونية الصاعدة والمدعومة أمريكيا وعلى الاخص في ظل إدارة ترامب.

ان الشعب الفلسطيني في مقدمة الصراع، لكن العالم العربي مهدد مما يجعله في مهب العاصفة. العالم العربي بكل شعوبه والعالم الاسلامي من تركيا لإيران امتداد عضوي وطبيعي للمحنة الفلسطينية والصراع مع الصهيونية. لم ينته التاريخ ففصوله في طور التشكل.

* د. شفيق ناظم الغبرا أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت

المصدر | القدس العربي