الخليج.. تقلبات فكرية وسلوكية وما تفعله

لا يخجل بعضهم من أن ما يكتبونه أو يقولونه الآن يخالف جذريا وكليا ما كتبوه أو قالوه منذ بضع سنوات، أو بضع شهور!

يمرّ المشهد السلوكي الاجتماعي والعقدي بمجتعات الخليج بتقلبات مثيرة للقلق ونقاط ضعف مجتمعية متجذرة قابلة للنمو والانتشار!

أقحمت بلدان خليجية نفسها بقضايا عربية خلافية فأوجدت استقطابات سياسية وفكرية حادة غير قابلة للحوارات الهادئة الموضوعية.

كيف نواجه كوارث جاءت بها سياسات وقرارات خاطئة وتعايش قادة مع شخصيات أجنبية كارهة لهم ولشعوبهم ولأمتهم وتحتقرهم بالذات.

*     *     *

يمرّ المشهد السلوكي الاجتماعي والعقدي في مجتمعات بلدان الخليج العربي بمرحلة تقلبات مثيرة للقلق، ومشيرة إلى نقاط ضعف مجتمعية متجذرة، قابلة للنمو والانتشار.

وبالطبع فقد ساعد على وجود الظاهرة، إقحام بعض بلدان الخليج نفسها في قضايا عربية خلافية، أوجدت حالات استقطابات سياسية وفكرية حادة، غير قابلة للحوارات الهادئة الموضوعية.

والأمثلة على هذه الظاهرة، التي شملت كتّاب أعمدة ورجالات فقه، وإعلاميين، وأعضاء مجالس برلمانية استشارية وغيرهم، لا تعد ولا تحصى، ويتفنن أصحابها في استعمال وسائل علم النفس الشهيرة في الإقناع، وفي تزوير أحداث تاريخية وتحميلها ما ليس فيها!

وفي قراءات كاذبة خاطئة لأقوال وتصرفات الرسول (صلى الله عليه وسلم) ولآيات القرآن الكريم، وفي بث رعب متخيل كامن في هذه الدولة الإقليمية، أو تلك، أو في هذه الطائفة أو تلك، أو في هذا الحزب أو ذاك. ولا يخجل بعض هؤلاء من أن ما يكتبونه الآن، أو يقولونه يخالف جذريا وكليا ما كتبوه أو قالوه منذ بضع سنوات، أو حتى منذ بضع شهور.

وبالطبع فإن تلك السلوكيات المتقلبة، تجمع بين الانتهازية السياسية، أو الزبونية الشخصية لأصحاب المال والجاه على الأخص، أو نفاق وعاظ السلاطين، الذين عرف عنهم التلون حسب إملاءات أصحاب السلطة، أو الارتباط المفروض بأجهزة الاستخبارات المحلية والخارجية، أو أشكال أخرى لا تعد ولا تحصى مما جاءت به، مع الأسف، ثروات البترول الهائلة، وثبتتها ممارسات الاقتصاد الريعي الغني، الذي طال أمده في هذه البقعة من الوطن العربي.

ومن المؤكد أن هذه الظاهرة موجودة، بكل تفاصيلها وتجلياتها، في باقي بلدان الوطن العربي، لكننا في هذه اللحظة معنيون بتواجدها المقلق الخطر في بلدان الخليج العربي، الذي بدأت تحولاته العميقة السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والإعلامية، تؤثر في كل ساحات الوطن العربي.

إن الخطر لا يكمن فقط في الانقلاب السلوكي والفكري تجاه حدثٍ، هو مؤقت في أغلب الأحيان على أي حال، وإنما ما يصاحب ذلك من تخلي صاحبها عن مبادئ وأخلاق إنسانية، أو عن التزامات الهوية العروبية الجامعة، التي بُذلت جهود هائلة لبنائها وترسيخها في الوجدان العربي العام، عبر قرون من الزمن، أو عن مشاعر التعاطف مع أشقاء مظلومين ينتمون إلى الأمة الواحدة نفسها.

عند بعض هؤلاء، فجأة تصبح شعارات مثل أهمية التوحد العربي، أو الاستقلال القومي والوطني أو الممارسة الديمقراطية، أو التوزيع العادل للثروة أو الكرامة الإنسانية، مما طرحه الشارع العربي وما لم يطرحه..

ومما توصلت إليه عقول المفكرين العرب وقادة نضالاتهم، تصبح كل تلك الشعارات عبارة عن تهويمات وغيبيات لا أهمية لها، أمام مبدأ المصلحة المحلية الآنية الضيقة، وأمام ما يقوله هذا المسؤول الخليجي أو ذاك. وتصل الأمور إلى حد الشخصنة المريضة المجنونة في الحياة السياسية والدينية والأمنية، في هذه المنطقة العربية المبتلاة بألف مشكلة وألف مؤامرة.

وتزداد خطورة الظاهرة، عندما تنتقل تلك الممارسات أو آثارها الكارثية إلى عموم المجتمع، ثم إلى ساحات التواصل الاجتماعي، حيث يتفجر الجهل مع الطفولة الرعناء، ومع العقد النفسية، لنصبح أمام كارثة فكرية سياسية، فجّرها من كنا نعتقد ونأمل بأنهم حماة العقلانية والمبادئ المتزنة والثوابت الوطنية والقومية، وأنهم قادة المثقفين الملتزمين في مجتمعات الخليج العربي، منذ الاستقلال وإلى يومنا هذا، وإذا بهم تلامذة أوفياء لبروتس، الذي خان يوليوس قيصر الروماني.

نقوله بكل صراحة وخوف على المستقبل بأن الجهات التي ترعى أو تشجع أو تستعمل تلك الظاهرة، إنما تلعب بمستقبل الأجيال العربية الشابة، التي ستعيش في مجتمعات لا طعم لها ولا رائحة، تتعايش فيها الفردانية الأنانية المفرطة، مع النظام الاقتصادي الجائر العولمي المجنون غير المنتج، مع البعد عن المحيط العربي الكبير، الذي وحده هو الضامن للاستقرار والازدهار الذاتي الحقيقي، مع بقاء الجميع كالريشة في مهب رياح التدخلات الخارجية الناهبة لثرواتنا والمتلاعبة بعواطفنا.

يخطئ من يعتقد أنه سيكون في منجى وأمان، أو حتى أنه سيحقق طموحات هذا المسؤول أو ذاك. ومع غيرنا نقرع هذه الأجراس فلعل من بيدهم الأمور والقرارات يدركون أن المجاملات التقليدية المملة لن تفيد.

فعليهم أن يفكروا بعمق لمواجهة الكوارث التي جاءت بها بعض سياسات وقرارات الداخل الخاطئة، وتعايش البعض مع شخصيات الخارج المريضة الكارهة لهم ولشعوبهم ولأمتهم، والتي تحتقرهم هم بالذات.

* د. علي محمد فخرو كاتب بحريني

المصدر | الشروق المصرية