السبت 26 سبتمبر 2020 06:50 ص

من المقرر الاستفتاء على مسودة الدستور الجزائري في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وهو تاريخ رمزي يعود إلى إعلان حرب الاستقلال عام 1954، وتم تحديده عمدا ليمثل بوابة للعبور من الماضي إلى عصر جديد.

ومع ذلك، بدلا من أن تكون مسودة الدستور سببا في الوحدة وطريقا إلى حقبة جديدة، تم انتقادها باعتبارها مصممة لزيادة التوترات الاجتماعية، وخلق مساحة للنخبة الحاكمة لتأكيد سلطتها على مجتمع منقسم بشكل متزايد، وتقسيم "حركة حراك"، التي تتضاءل قوتها بشكل كبير.

وبدلا من أن تكون عقدا يحكم العلاقة بين المواطن والدولة، يرى النقاد أن المسودة تمت صياغتها كأداة للحكومة للحفاظ على نفسها وترسيخ موقفها.

وكانت عملية التغيير في الجزائر معقدة منذ البداية. وصاغت الجزائر عدة دساتير أعوام 1964 و1976 و1989 و1996، وأدخلت تعديلات دستورية أعوام 2008 و2012 و2016.

وفي أعقاب الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي، بشرت المصالحة في عام 2002 بحقبة أظهر فيها الجزائريون تفضيل السلام على الاضطرابات؛ ما أدى إلى قبول ضمني للنظام السياسي المتدهور؛ حيث استفادت النخبة استفادة كاملة من الصدمة المجتمعية لترسيخ نفسها.

ومع ذلك، مع ظهور جيل جديد ولد بعد الحرب الأهلية، تضافرت العناصر المطلوبة لانتفاضة شعبية مع سعى حلفاء الرئيس "عبد العزيز بوتفليقة" لدفعه إلى الترشح لولاية خامسة.

ونزل الجزائريون إلى الشوارع في 2019، واحتجوا فيما أصبح يعرف بحركة "حراك". ومع بقاء الآلاف في الشوارع لفترة طويلة، تدخل الجيش في النهاية ليطيح رئيس الأركان الراحل "قايد صالح" بالحكومة.

وبدأ ذلك عملية الانتقال التي سلطت الضوء على الانقسامات المتأججة داخل المجتمع الجزائري.

وكانت نقطة الخلاف الأولى هي كيفية نقل السلطة من الجيش إلى الشعب. ولم يتم التوصل إلى توافق في الآراء حول ما إذا كان ينبغي تعيين حكومة انتقالية، أو ما إذا كان ينبغي إجراء انتخابات برلمانية، أو ما إذا كان ينبغي إجراء انتخابات رئاسية.

وكانت المشكلة الظاهرية مع الحكومة الانتقالية هي عدم القدرة على الاتفاق على الشخصية الوطنية التي ينبغي أن تقود. وتم الإعلان عن أسماء مثل "أحمد بن بيتور" و"أحمد طالب الإبراهيمي".

ومع ذلك، بدا الجيش غير راغب في التفكير في هذا الخيار؛ ما أدى إلى ظهور اقتراحات مفادها أن لديه بالفعل مرشحا في الاعتبار، وأنه كان يبحث عن تدابير لهندسة انتقال من شأنه الحفاظ على النظام وإيصال فصيل سياسي متحالف إلى السلطة.

وكانت مشكلة خيار الانتخابات البرلمانية مسألة ثقة بقدر ما كانت مشكلة قانونية. وكان هناك نفور عام من الانتخابات التي تستند إلى القوانين التي تم تمريرها في عهد "بوتفليقة"، والتي كان يُنظر إليها على أنها مصممة لصالح المرشحين الموالين للحكومة.

علاوة على ذلك، أعرب العديد من الناشطين عن قلقهم العميق من تورط أعضاء بحكومة تصريف الأعمال في تزوير الانتخابات.

واتجه قائد الجيش الراحل "أحمد قايد صالح" إلى الخيار الثالث، وهو الانتخابات الرئاسية. وكانت الحجة أن هذا من شأنه أن يخلق شرعية شعبية على أعلى مستوى في الدولة من شأنها إضفاء الطابع الديمقراطي على العملية الانتقالية وتسهيل بيئة أكثر ملاءمة للمبادرات اللاحقة.

علاوة على ذلك، لم يزعج القلق بشأن الوجود المتزايد للأعلام الأمازيغية النخبة السياسية فحسب، بل أزعج أيضا قطاعات كبيرة من المجتمع بدأت تخشى أن تؤدي بيئة الاحتجاج والثورة إلى عودة ظهور الاتجاهات الانفصالية.

وسواء كان قرار إجراء الانتخابات الرئاسية مقصودا أم لا، فقد قسم "الحراك" إلى نصفين. وشارك 40% فقط من الناخبين في الانتخابات الرئاسية، ما يدل على رفض واسع للعملية الانتقالية.

وعلى أي حال، فإن غياب وسيلة بديلة لتسجيل المعارضة وكذلك الانخفاض الملحوظ في عدد الاحتجاجات رغم أنها ظلت كبيرة، كان يعني إعلان "عبد المجيد تبون" رئيسا منتخبا للجزائر.

وأجبرت جائحة الفيروس التاجي، بعد بضعة أشهر من انتخاب "تبون"، "الحراك" فعليا على التراجع والتخلي عن أقوى نفوذ ضد محاولات النخبة السياسية لتغيير العملية الديمقراطية لصالحهم.

وكانت هذه نقطة التحول لأنها خففت الضغط على الحكومة، وتفكك "الحراك" بشكل كبير. وفي هذا المناخ تم وضع مسودة الدستور.

وعيّن "تبون" لجنة دستورية دون تحديد المعايير التي تم على أساسها تعيين الأعضاء. ثم أثار رئيس اللجنة، "أحمد العراب"، الجدل عندما قال إن الدولة لا ينبغي أن يكون لها دين أو هوية.

ويذكرنا البيان بمحاولات الهندسة الاجتماعية في سنوات "بوتفليقة"، التي شهدت جهودا لإجبار النساء على خلع حجابهن من أجل الحصول على صور جوازات السفر، ودفع وزارة التعليم لإزالة "البسملة" من الكتب المدرسية.

علاوة على ذلك، أشار "العراب" إلى أن الدولة لن تحكم بعد الآن في قضية الهوية العربية والأمازيغية بالطريقة التي فعلها "هواري بومدين" في الستينيات، عندما أعلن أن اللغة العربية ستتغلب على جميع اللغات في الجزائر.

ويحمل ذلك تداعيات عميقة على المجتمع الجزائري، ويرجع ذلك أساسا إلى أن الأمازيغ لغة صوتية تخضع حاليا للنقاش داخل المجتمع الأمازيغي حول تبني الحروف الفينيقية أو الأبجدية اللاتينية.

وبشكل أكثر تحديدا، فإن تأجيج الجدل حول الهوية يثير مخاوف من أن تكون فرنسا هي المستفيد الرئيسي، لأن الحل المحتمل للمشكلة سيكون زيادة تضمين اللغة الفرنسية كلغة مشتركة كحل وسط بين العرب والأمازيغ؛ ما يعزز النفوذ الفرنسي في الوقت الذي تحرص فيه الجزائر على الحد منه.

علاوة على ذلك، ليس من الواضح ما إذا كان الارتقاء باللغة الأمازيغية من إحدى اللغات المنطوقة إلى لغة مكتوبة للدولة يعني أنه سيكون إلزاميا على الطلاب تعلمها في المدارس.

وأخيرا، هناك حساسيات عميقة تجاه النزعات الانفصالية المستمرة التي يخشى الكثير من الجزائريين أن تكون بمثابة قناة للصراع الأهلي.

ومن وجهة نظر الدولة، قد يكون الارتقاء باللغة الأمازيغية إلى مستوى لغة الدولة جزءا من سياسة الاسترضاء من أجل كسب شريحة مهمة من الناخبين معادية للعناصر العربية.

وفي محاولة لتسوية المسألة الأمازيغية، التي أصبحت موضوعا ساخنا في عام 2012، أضاف "بوتفليقة" نفسه بندا مشابها في تعديل دستوري لكسب الأمازيغ كناخبين. وتم تضمين نفس البند في المسودة الحالية المقترحة.

وكذلك تسببت اللجنة الدستورية في القلق من خلال اقتراحها تعيين نائب للرئيس كجزء من التعديلات على النظام السياسي.

وفي هذا السياق، بدأت بدايات الحرب الأهلية المريرة في التسعينيات عندما قاد الجيش مرشحهم المفضل إلى منصب نائب الرئيس قبل إجبار الرئيس آنذاك "الشاذلي بن جديد" على الاستقالة بعد هزائم غير متوقعة في انتخابات حرة ونزيهة، وبالتالي تمكين نائب الرئيس لتولي السلطة.

وأعرب محللون عن مخاوفهم من أن الجيش كان يسعى لإدراج هذا البند كوسيلة لضمان قدرته على التدخل كلما رأى ذلك ضروريا. وبعد الكثير من الانتقادات، تم حذف هذا البند من الدستور المقترح.

وبصرف النظر عن حقيقة أن الدستور المقصود يختلف قليلا عن سابقيه، فهناك أيضا مخاوف بشأن العملية التي ستشهد إقراره.

ولا يزال البرلمان المنوط بمناقشة الدستور هو نفسه الذي كان في عهد "بوتفليقة"؛ ما يعني أنه لا يتمتع بأي ثقة من الناخبين الجزائريين.

ومع ذلك، فهناك حجة بين الجزائريين مفادها أن مشاكل الجزائر ليست دستورية، وأن الحلول لن تأتي عبر الدستور. ويؤكدون أن القضية الحقيقية هي أن روح الدستور لم تطبق قط، وأن قوانينه دائما ما يساء تفسيرها لصالح الدولة. بعبارة أخرى، تعد محتويات الدستور أقل أهمية من موقف الدولة من مفهوم سيادة القانون.

ويبدو أن هناك حالة لا مبالاة تجاه مسودة الدستور. وما هو واضح أيضا أن الدولة واثقة من أن الدستور سيتم إقراره للعمل به في 1 نوفمبر/تشرين الثاني.

ومع ذلك، لا يدور القلق بين الجزائريين حول ما إذا كان الدستور يعكس إرادة الشعب، لكن حول أن سيطرتهم على العملية الانتقالية التي أحدثوها تتضاءل، في حين تجد الدولة نفسها تنمو في ثقة وقدرة على ممارسة المزيد والمزيد من السيطرة مع مرور الوقت.

ومع التفاف شريحة من الجزائريين حول "تبون" في الوقت الحالي، فإن المجتمع المدني منقسم بشدة وغير قادر على تقديم جبهة موحدة وراء مسار معين لتأكيد نفسه.

ومع ذلك، فإن ثقة بعض الجزائريين في "تبون" تعتمد على قدرة الرئيس على الحفاظ على إحساس كافٍ بالفاعلية بين الناس؛ بحيث لا يشعرون أن ثورتهم قد تمت سرقتها منهم.

المصدر | سامي حمدي/إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد