السبت 17 أكتوبر 2020 05:10 ص

مذهب الفقه عند ابن رشد

يقول ابن رشد بوجوب النظر شرعا ويرجع الفروع إلى الأصول والجزئيات إلى الكليات كما يفعل في الطب ويوازن بين الأدلة.

يحل ابن رشد التعارض بين الأدلة بمنطق اللغة ومباحث الألفاظ: حقيقة ومجاز، ظاهر ومؤول، محكم ومتشابه، مجمل ومبيّن، مطلق ومقيد، مستثنى ومستثنى منه.

يعود اختلاف المذاهب للغة خاصة اشتراك الاسم ومن أصناف الألفاظ الأربع تستنبط الأحكام: عام وخاص وعموم يراد به خصوص وخصوص يراد به عموم.

*     *     *

من الشائع أن ابن رشد مالكي المذهب في الفقه، منذ انتشار المالكية على يد تلاميذ الإمام مالك في المغرب العربي عبوراً إلى الأندلس. لكن الناظر في مجمل أعماله الفلسفية والطبية والفقهية، يصعب عليه تلمّس المالكية فيها، فهو من أصحاب الرأي والقياس منذ كتابه «فصل المقال»، والقول بوجوب النظر شرعاً، وبذا يكون أقرب إلى الحنفية. ويرجع الفروع إلى الأصول، والجزئيات إلى الكليات كما يفعل في الطب، كما يوازن بين الأدلة.

ولما كانت الفروع تتشعب إلى ما لا نهاية، فقد اقتصر ابن رشد على أمهات الفروع. الحقيقة من جانب الأصل وليست من جانب الفرع، ومن جانب الوحدة وليست من جانب التعدد. يقل الاختلاف ويزيد الاتفاق للبحث عن الأصل المشترك. والبحث عن بنية للفقه ولمسائله تجعله أقرب إلى أهل الرأي والنظر.

ونظراً لتمسكه بالنصوص الأصلية مغلِّباً إياها على التأويل، فهو أقرب إلى الشافعي الذي ثبت النص في عصر تدوين السنة حتى توارى الاجتهاد. والجمع بين الرأي والمصلحة، بين أبي حنيفة ومالك، كان عَوداً إلى النص الأول الذي يتجاذبه أساساه الرئيسيان، العقل والواقع، ممهِّداً الطريق إلى أحمد بن حنبل الذي أظهر النص وجعله أساس العقل والمصلحة، فأصبح الأصل فرعاً والفرع أصلا. وتغيب المالكية إلا في مواطن قليلة، مثل روح المصلحة التي عبّر عنها مالك في «المصالح المرسلة».

كانت نية ابن رشد تأليف كتاب في المذهب المالكي يجمع فيه أصوله ومسائله المشهورة للتفريع عليها كما فعل ابن القاسم مستنبطاً أحكاماً على أصول المذهب المالكي، ولم ينقلها عن مالك كما يفعل أهل الاتباع والتقليد في الأحكام والفتاوى ويشير إلى مذهب مالك عند أهل المغرب.

وأحياناً يبدو ابن رشد ظاهري المذهب. فقد انتشر المذهب الظاهري في الأندلس مع ابن حزم، وكان أحد أسباب سيطرة الفقهاء وتحريم تأويل النصوص في دولة الموحدين.

وصورة القياس في «بداية المجتهد» أقرب إلى صورته عند أهل الظاهر، مجرد آلة لغوية بلاغية، تلحق المسكوت عنه بالمنطوق به. فهو قياس خاص يُراد به الخاص عكس الخاص الذي يراد به العام.

وهو معنى ضيق للقياس أقرب إلى الرفض منه إلى القبول، لأنه لا يقوم على التعليل، أي تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع لتشابه بينهما في العلة، وهو التعريف العام للقياس. والتعليل هو أحد أسباب الاختلاف بين المذاهب الفقهية.

كما أدى التعليل إلى اعتبار كل مجتهد مصيب، وترك المسائل على التخيير، وهو ما يعارضه ابن رشد وأهل الظاهر، وهو ما يناقض روح الرشدية المعروفة بإعمال العقل والنظر. ومع ذلك يبحث ابن رشد عن التعليل الذي وراء الاختلاف الذي وراء اختلاف مذاهب الفقهاء.

وقد لا يكون غير صواب إذا قيل إن ابن رشد حنبلي الاتجاه، بمعنى أهل الظاهر. فكتابه العمدة «بداية المجتهد» نموذج للفقه التقليدي القديم لدرجة الشك في صحة نسبته لابن رشد، لخلوه من «الرشدية».

ولا يتجاوز قسمة الفقه القديم إلى عبادات ومعاملات، بالرغم مما في العنوان من لفظ الاجتهاد، وأن القصد من الكتاب الحث عليه وعلى النظر في الأدلة.

فإذا ما تعارضت الأدلة فإن المصلحة ليست هي المرجِّح كما هو الحال عند المالكية أي من خارج الأدلة ومصدرها، فالمصلحة أساس التشريع، بل من داخل الأدلة النصية عن طريق النسخ، أن يكون أحدها ناسخاً والآخر منسوخاً كما هو الحال في المدارس الفقهية التقليدية.

ويمكن حل التعارض عن طريق العموم والخصوص، أي أن يكون أحدهما عاماً والآخر خاصاً كما هو الحال في منطق الألفاظ التقليدي. ولا يأتي التخيير طريقاً للمصلحة العامة إلا بعد النسخ والتخصيص.

فإن استحال الجمع بين الدليلين على أي وجه من الوجوه يُعاد إلى البراءة الأصلية والفطرة من أجل بناء الحكم على الطبيعة البشرية ومجرى العادات، وهو أقرب إلى الفقه الظاهري عند داود وابن حزم.

ويظل الغالب على ابن رشد هو حل التعارض بين الأدلة عن طريق منطق اللغة ومباحث الألفاظ: الحقيقة والمجاز، الظاهر والمؤول، المحكم والمتشابه، المجمل والمبين، المطلق والمقيد، المستثنى والمستثنى منه.

وقد يرجع الاختلاف بين المذاهب إلى اللغة خاصة اشتراك الاسم. ومن أصناف الألفاظ الأربع تستنبط الأحكام وهي العام والخاص، والعموم يراد به الخصوص، والخصوص يراد به العموم.

وتتحدد أقوال الأحكام بصيغ الكلام، خبر أم استخبار، أمر أو نهي، تساؤل أو تمني أو تعجب. ولا تفهم الألفاظ إلا بالعودة إلى كلام العرب وعادات لسانهم.

كما يلخص ابن رشد كتاب «المستصفى» للغزالي في أصول الفقه في كتاب «الضروري في أصول الفقه» راداً الأركان الأربعة: المستثمَر، المستثمِر، والثمرة وطرق الاستثمار إلى طرق الاستثمار وحدها إلى مباحث الألفاظ.

* د. حسن حنفي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة

المصدر | الاتحاد الظبيانية