أعلن المسؤولون المصريون مؤخرًا أن بناء أول محطة للطاقة النووية في البلاد في الضبعة سيمضي كما هو مخطط له، بالرغم من أن فيروس "كورونا" تسبب في تأخير مشاريع أخرى.

إن الهدف المعلن من محطة توليد الكهرباء هو تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة وسط طلب متزايد من عدد السكان المتزايد (يقدر بنحو 100 مليون شخص). حاز المشروع النووي المصري على أهمية استراتيجية من قبل الحكومة، مما أدى إلى تصوره وتنفيذه بطريقة من أعلى إلى أسفل. يستثني هذا النهج إلى حد كبير رأي شعب مصر في حلم بلادهم النووي.

في عام 2015، وقعت مصر اتفاقية مع روسيا لبناء محطة للطاقة النووية. بالإضافة إلى بناء 4 مفاعلات في الضبعة، ستقوم شركة الطاقة الذرية الروسية "روساتوم" بتزويد المحطة بالوقود النووي طوال عمرها.

ستشارك "روساتوم" أيضًا في تشغيل وصيانة المحطة، بالإضافة إلى تدريب الموظفين المصريين خلال السنوات العشر الأولى من التشغيل. كما ستساعد الشركة مصر في التخلص من الوقود النووي المستهلك. سيتم تمويل حوالي 85% من تكلفة محطة كهرباء الضبعة بقرض روسي بقيمة 25 مليار دولار أمريكي. ستبدأ مصر سداد القرض في أكتوبر/تشرين الأول 2029 على أساس نصف سنوي على مدار 22 عامًا ، بفائدة 3%. وستقوم الحكومة المصرية برفع النسبة المتبقية البالغة 15% من تكلفة المحطة، لكن ليس من الواضح ما إذا كان ذلك سيأتي من القطاع العام أو الخاص.

لا يزال المشروع مثيرًا للجدل لعدة أسباب. في حين لا يوجد لوبي منظم معروف مناهض للطاقة النووية في مصر، أبدت الجماعات البيئية والمنظمات الحقوقية تحفظات على محطة الطاقة.

 وتتعلق هذه التحفظات باستهلاك المحطات للمياه - وهو مورد نادر في مصر بسبب قلة هطول الأمطار، واحتمال وقوع حوادث تنطوي على نفايات سامة، والتكاليف الكبيرة المرتبطة بالمشروع.

كما يرى محللو الطاقة أن طموحات مصر النووية توفر حلاً لمشكلة غير موجودة، بسبب الاكتشافات الغازية الكبيرة التي تمت في البحر الأبيض المتوسط​​، والتي نتج عنها فائض في الطاقة.

ما هي خيارات الطاقة غير النووية الحالية لمصر؟ كجزء من محاولتها للاستثمار في الطاقة المتجددة، تقوم حكومتها ببناء منشأة للطاقة الشمسية في أسوان، والتي لديها القدرة على إنتاج نفس كمية الطاقة مثل الضبعة. ومع ذلك، من المتوقع أن تكلف 10 مليارات دولار -ثلث محطة الطاقة النووية- ولا تحمل نفس المخاطر البيئية المدمرة المحتملة.

كما أن هناك مخاوف بشأن انعدام الشفافية والمعلومات حول المشروع النووي. بالرغم من أن العمل جار بحزم، إلا أن العديد من التفاصيل وشروط الاتفاقيات المختلفة لا تزال غامضة. والجدير بالذكر أنه من غير الواضح كيف قامت الحكومة المصرية بتقييم العطاءات واختيار روسيا كشريك نووي لها. نظرًا لأن تفاصيل العروض الأخرى لم تكن علنية أيضًا، فإن المقارنة والتحليل حول ما إذا كانت الصفقة الروسية تمثل قيمة مقابل المال غير ممكن.

علاوة على ذلك، هناك غموض يحيط بالمؤسسات والجهات التي تدير المشروع. انتقد محللون مستقلون غموض هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية، التي أُنشئت عام 2010 لمراقبة جميع المنشآت والأنشطة والممارسات النووية والإشعاعية. بالرغم من كونها هيئة مستقلة من الناحية الفنية، تقدم تقاريرها مباشرة إلى رئيس الوزراء، إلا أن المعلومات العامة قليلة حول هيكلها المؤسسي، ومجلس إدارتها وإدارتها، وقدرتها العلمية وخبراتها.

وهذا يثير تساؤلات حول وضعها واستقلاليتها. كما أن المعلومات العامة عن ميزانيتها غير متوفرة أيضا. في الواقع، لا يتم الإفصاح عن أموال المؤسسات والأنشطة النووية بشكل عام في مصر، باستثناء هيئة محطات الطاقة النووية، التي تخضع ميزانيتها للرقابة البرلمانية.

يرجع قدر كبير من الغموض وعدم اليقين إلى نقص المدخلات من المجتمع المدني في تخطيط سياسة الطاقة النووية في البلاد. من نواح عديدة، تم استبعاد الجمهور إلى حد كبير من تطوير إطار التشريع النووي في مصر. يعد الافتقار إلى الشمول العام لافتًا للنظر نظرًا لضخامة الالتزام المالي للحكومة المصرية بهذا المشروع ومدى إجراءات التقشف المفروضة خلال السنوات الخمس الماضية نتيجة الاضطرابات السياسية.

في الواقع، ظهر الشعب المصري فقط في المناقشات حول كيفية "زيادة القبول العام" - وهو هدف رئيسي تبناه المسؤولون المصريون والروس. أكدت الحكومتان على طرق دفع القبول العام لمحطة الطاقة، وخصصت مائدة مستديرة لهذا الموضوع، على سبيل المثال، في مؤتمر نووي في القاهرة في ديسمبر/كانون الأول 2019. ومع ذلك، لم يكن هناك تقريبًا أي مساهمة عامة أو مشاورات مع المواطنين.

يتحول مستقبل مصر النووي إلى حقيقة معقولة من خلال عمليات صنع القرار الهرمية هذه. إن الإصرار على أن المشروع هو مصدر طاقة قابل للتطبيق وصديق للبيئة هو محاولة لإخفاء نقاط الضعف الكامنة في المشروع. لا يعامل هذا النهج من أعلى إلى أسفل الشعب المصري في نهاية المطاف على أنه صاحب مصلحة في مستقبل البلاد ولكن كمتلقي سلبي له. ستسهم المشاركة العامة الأقوى في تحقيق إطار حوكمة نووي أكثر مصداقية وفاعلية في مصر.

المصدر | هبة طه - أوراسيافيو- ترجمة وتحرير الخليج الجديد