الأربعاء 11 نوفمبر 2020 05:01 م

ما هو المؤشر الذي يقدمه الإعلان عن اتفاق لتعميق التعاون العراقي السعودي، شاملا بنودا استخباراتية وأمنية وعسكرية؟ وما هي دوافع كل من الرياض وبغداد لإبرامه؟ وإلى أي مدى تبدو الفرصة سانحة لتطبيقه؟

الأسئلة السابقة وغيرها باتت مدار نقاشات المراقبين خلال الساعات الماضية، بعد أن أعلنت اللجنة السياسية والأمنية والعسكرية العراقية-السعودية، عقب اجتماع لها الثلاثاء، عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، أن الطرفين اتفقا على إقامة تمارين مشتركة، وافتتاح ملحقية عسكرية في كلا البلدين، وتبادل الدورات التدريبية والخبرات في مجال الدراسات والتخطيط الاستراتيجي، وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي في ما يتعلق بمكافحة الجريمة والتهريب.

وعزز من الأهمية الاستراتيجية لمقاربة الإجابة أن الاجتماع عقد برئاسة وزيري خارجية البلدين، ولم يقتصر على الجوانب الأمنية والعسكرية، بل شمل أيضا افتتاح الملحقية التجارية السعودية ببغداد، والاتفاق على تسريع فتح منفذ عرعر الحدودي؛ وتسهيل إجراءات منح تأشيرات الدخول لرجال الأعمال في كلا البلدين، بما قدم تصورا شموليا لتعميق التعاون بين الرياض وبغداد.

من هذا المنطلق يمكن قراءة وصول وفد سعودي، ضم مسؤولين بارزين في قطاعات الاقتصاد والأمن والدفاع إلى بغداد، الأحد الماضي،  في إطار انعقاد جلسات المجلس التنسيقي بين البلدين، والذي أنشئ في 2018 في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق "حيدر العبادي".

وأسفرت الاجتماعات التي عقدت طوال اليومين، على توقيع 13 اتفاقية تعاون في مجالات وقطاعات حيوية هامة، بخلاف تلك التي تم الإعلان عنها الثلاثاء.

ويعد الدافع الاستراتيجي قاسما مشتركا بين السعودية والولايات المتحدة في القفز بمحاولة تعزيز نفوذ الرياض في العراق لمستويات عميقة، باعتبار أن تقويض النفوذ الإيراني في البلد النفطي يمثل هدفا مشتركا.

أما العراق، فدافعه الأول هو دعم اقتصاده المتردي، خاصة أنه يستورد ما يزيد عن 75% من احتياجاته الغذائية، و91% من السلع الأخرى، وهو ما يشكل ضغطاً كبيراً على ميزانيته التي تغطيها إيرادات بيع النفط.

استثمارات سخية

من هنا بدت اتفاقات الاستثمار السعودية في العراق سخية وغير مشروطة سياسيا، كما يجري في لبنان مثلا، إذ من شأن ذلك تسريع تجسير العلاقات التي انقطعت تماماً بين بغداد والرياض في أعقاب غزو نظام الرئيس الراحل "صدام حسين" للكويت، مطلع تسعينيات القرن الماضي.

ورغم أن العلاقات بين البلدين استؤنفت في أعقاب إسقاط نظام "صدام" عام 2003، لكنها ظلت خجولة جراء تحفظ السعودية على دور إيران المتصاعد في العراق، وذلك قبل أن تتحسن تدريجياً في عهد "العبادي".

وفي إطار ضوء أمريكي أخضر، حاولت الرياض تحسين مكانتها بين عامة العراقيين مع التركيز بشكل خاص على السكان الشيعة في البلاد، عبر اجتماع عقده ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، في يوليو/تموز 2017، بمدينة جدة مع الزعيم الشيعي المؤثر "مقتدى الصدر".

لكن رهان "بن سلمان" على "الصدر" لم يسفر عن قفز تياره إلى سده الحكم، ولا عن تأثير استراتيجي نوعي، يمكنه موازنة النفوذ الإيراني داخل العراق، حسبما يرى "أنتونينو أوكيوتو"، الباحث بالمعهد الإيطالي لدراسة السياسات الدولية.

ومن هذه الزاوية، يشير "أوكيوتو" إلى اتجاه السعودية لإقامة شبكة مصالح اقتصادية كبرى في العراق؛ بهدف ربط متطلبات الحياة هناك بالرياض، وقلب ميزان صناعة القرار في بغداد، عبر التأثير على الدوافع البراجماتية لأي حكومة، بدلا من الرهان على أشخاص أو تيارات.

ولذا ركزت اتفاقات المجلس التنسيقي السعودي العراقي على ربط الشبكة الكهربائية للعراق بالسعودية، باعتباره إضعافا لرابطة الطاقة الإيرانية العراقية، إضافة إلى إبرام 16 مذكرة تفاهم، بينها تسيير رحلات جوية وخط نقل بحري.

كما تتجه السعودية إلى استثمار مليون هكتار (الهكتار 10 آلاف متر مربع) من الأراضي العراقية بهدف تحويلها إلى حقول ومزارع لتربية الأبقار والماشية والدواجن؛ ليكون بذلك أكبر مشروع استثماري زراعي في العراق على الإطلاق، مستفيدة من تجارب شركاتها مثل "المراعي" وغيرها.

وعلى التوازي، تعمل الدبلوماسية السعودية على تحسين المكانة الاجتماعية للمملكة في العراق عبر "هدايا ومنح" ذات طابع جماهيري، ومنها ما أعلنه الملك "سلمان بن عبدالعزيز"، في مارس/آذار 2018، بشأن التبرع بملعب كرة قدم جديد ليتم بناؤه في بغداد، تزامنا مع سفر فريق الرياض الوطني لكرة القدم إلى البصرة للمشاركة بمباراة ودية مع المنتخب العراقي المحلي.

موازنة براجماتية

ووفق حسابات الرياض، فإن الاتجاه البراجماتي لـ"الكاظمي" من شأنه خدمة الأهداف الاستراتيجية للسعودية، إذ يسعى رئيس الوزراء العراقي لعلاقات متوازنة للعراق مع كل من السعودية وإيران.

فالدور المتعاظم لإيران في العراق أثار مخاوف سعودية كبيرة، لشعور الرياض بتمدد النفوذ الإيراني على حدودها الشمالية؛ ما يجعل من اتفاق التعاون مع بغداد فرصة للحد من هذا النفوذ، وفقا لما نقلته شبكة العين الإخبارية عن المحلل السياسي العراقي "نشوان العيسى".

ويقرأ "العيسى" قرارات "الكاظمي" بشأن استهداف الموارد المالية للميليشيات المسلحة منذ سنوات ما بعد 2003، من خلال التحرك العسكري نحو المنافذ الحدودية، واستردادها من قبضة تلك الفصائل، في إطار استمالة السعودية، واصفا إياها بأنها "سياسة جريئة".

أما الخبير الاقتصادي "ميثم المشهداني"، فيرى أن تقارب بغداد من الرياض يشكل "إشعارا بحالة خطر لإيران بعد أن تجاوز الأمر مجرد كونه قضية وشائج وعلاقات تقارب دبلوماسية بين بلدين، لينسحب على مشاريع كبيرة ومهمة في مجال الاستثمار داخل الأراضي العراقية".

ويتوقع الخبير الاقتصادي "نبيل المرسومي" أن تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من التعاون العراقي مع السعودية "كونها استراتيجية أمريكية واضحة ولن تتغير بتغير الرؤساء، فالزمن القادم للعراق هو الزمن العربي"، وفقا لما أوردته وكالة "سبوتنيك" الروسية.

سيطرة إيرانية

 لكن ذلك لا يعني هذا أن النفوذ الإيراني يتراجع، أو في طريقه إلى الزوال، خاصة في ظل سيطرة إيران على أهم مفاصل الدولة العراقية، الأمنية والاستخباراتية والعسكرية، وتأثيرها الأكبر على كتلها السياسية.

وكان لهذا النفوذ العامل الأكبر في الشرخ الذي اتسمت به العلاقة بين العراق والسعودية بعد استئناف النشاط الدبلوماسي بينهما في عام 2015.

فإيران لا تزال هي اللاعب الإقليمي الأبرز في العراق بحكم صلاتها الوثيقة مع حكام العراق "الشيعة"، الذين كانوا يحظون بدعم طهران منذ إسقاط نظام "صدام حسين".

ومن هذا المنطلق، كان موقف الكتل السياسية الموالية لإيران في العراق من اتفاقات التعاون مع السعودية، وعلى رأسها ائتلاف "دولة القانون"، الذي يتزعمه رئيس الوزراء العراقي الأسبق "نوري المالكي"، حيث اعتبر، في بيان أصدره في 31 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن مشروع منح السعودية أراضي للاستثمار في "بادية العراق" خطوة نحو "استعمار جديد تحت عنوان الاستثمار".

وأضاف أن هذا المشروع له "تداعيات خطيرة على أمن وسيادة البلاد، فضلاً عن أنه يسهم في الإضرار بمخزون العراق الاستراتيجي من المياه الجوفية".

وشدد الائتلاف على ضرورة "إيقاف رخصة المشروع الذي يمنح السعودية 150 ألف دونم في بادية العراق"، داعياً "العشائر العراقية الأصيلة وكل القوى الوطنية إلى رفض المشروع وإيقافه".

ويعتقد المحلل السياسي العراقي "إياد الدليمي" أن خطاب الائتلاف الموالي لإيران "رسالة للسعودية مفادها أن: العراق ملعبنا ونحن من يحدد من ينزل إلى هذا الملعب وبشروطنا"، وفقا لما أورده موقع الخليج أون لاين.

وأضاف أن السعودية تلقي بثقل كبير إلى العراق اعتقاداً منها بأن "الكاظمي" يمكن أن يضمن لها موطئ القدم الذي تريده، لكن الأخير "أضعف من أن يفعل ذلك" حسب رأيه.

 وبحسب تحليل "الديلمي"، فإن السعودية عليها "أن تقدم شيئاً لإيران إن كانت فعلاً تريد أن تدخل الساحة العراقية"، وهو ما أكدته مصادر مقربة من صحيبة الأخبار اللبنانية، المقربة من حزب الله، المدعوم من إيران، إذ أفادت بأن إيران تعتبر تكتيك "الكاظمي" في موازنة العلاقة مع السعودية مناسباً في هذا التوقيت الدقيق الذي تمرّ به المنطقة، لأنه يحرر طهران من أعباء اقتصادية، ولا يخدش هيمنتها الاستراتيجية في الوقت ذاته.

فالمسيطر الأول على مقاليد الأمور في العراق هي مليشيات الحشد الشعبي، التي تعد دولة داخل الدولة، وتعمل خارج القانون، ولا تستطيع الحكومة مواجهتها.

ولذا يرى "أوكيوتو" أن استمرار الاستفادة من التعاون مع السعودية على المدى الطويل يستلزم من القيادة العراقية تجنب تنفير إيران، مشيرا إلى أن طهران مستمرة في الاحتفاظ بالمصالح الاستراتيجية العليا في البلاد، ويمكنها الانتقام عسكريًا واقتصاديًا في حالة تهديد تلك المصالح.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات