أثارت وفاة أمير الكويت الشيخ "صباح الأحمد الجابر الصباح"، في سبتمبر/أيلول، تساؤلات حول ما إذا كانت الكويت ستواصل سياستها الخارجية المستقلة. وبصفته وزير خارجية الكويت لمدة 4 عقود، بين عامي 1963 و2003، وأمير البلاد لما يقرب من 20 عاما، من عام 2006 إلى 2020، شكل الشيخ "صباح" دور الكويت في الشرق الأوسط كوسيط نشط وشريك إنساني.

وعلى وجه الخصوص، في ما يتعلق بالخلاف المستمر بين البحرين والسعودية والإمارات من جهة وقطر من جهة أخرى منذ عام 2017، ظلت الكويت بقيادة الشيخ "صباح" محايدة، وقادت جهود المصالحة الحثيثة، واستضافت أيضا مؤتمرا كبيرا للمانحين في فبراير/شباط 2018 تم فيه التعهد بنحو 30 مليار دولار لمساعدة العراق، العدو السابق للكويت، ما يوضح التزام الدولة بقيادة المساعدات الإنسانية في الخليج. كما أظهرت الكويت في الآونة الأخيرة ولاءها المستمر للقضية الفلسطينية بالرغم من تطبيع البحرين والإمارات للعلاقات مع إسرائيل.

فهل يواصل الأمير الجديد، الشيخ "نواف الأحمد الصباح"، سياسة الكويت الخارجية المستقلة؟ حسنا، حتى الآن، تبدو الأمور مستقرة؛ حيث طلب الشيخ "نواف"، بعد فترة وجيزة من توليه العرش، بقاء الحكومة الحالية في مكانها إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية في 5 ديسمبر/كانون الأول، ما يشير إلى رغبته في استمرار الأمور على ما هي عليه خلال الفترة الانتقالية وما بعدها. ومن المرجح أن تكون السياسة الخارجية كذلك كون السياسات المحلية والخارجية للكويت مرتبطة ببعضها البعض.

وساعدت البيئة السياسية المحلية التعددية في الكويت، التي يحميها دستورها لعام 1962، الذي يمنح البرلمان سلطة استجواب الوزراء، واقتراح التشريعات ومنعها، في الحفاظ على موقفها التعددي في السياسة الخارجية.

ولم تُصنف الكويت، على عكس جيرانها السعودية والإمارات، جماعة "الإخوان المسلمون" منظمة إرهابية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن جماعة الإخوان كانت جزءا من البيئة السياسية الكويتية منذ الخمسينيات.

وبالرغم من أن جماعة "الإخوان المسلمون" الكويتية كانت في بعض الأحيان جزءا من معارضة سياسية واسعة النطاق، إلا أنها لم يُنظر إليها على أنها تهديد جوهري للنظام أو الحكومة الكويتية.

علاوة على ذلك، لم تشيطن الكويت إيران بنفس قدر ما فعلته السعودية. وتضم الكويت أقلية شيعية نشطة سياسيا، وإن لم تكن معارضة، شاركت في البرلمان لعقود، وتشكل جزءا مهما من مجتمع التجار في البلاد.

وفي الواقع، بين عامي 2012 و2016، خلال مقاطعة المعارضة، مثلت الكتل الإسلامية الشيعية، التي كانت موالية إلى حد كبير في الأعوام الأخيرة، أكبر كتلة في البرلمان.

ونظرا لأهميتها في تعزيز الوضع السياسي الراهن، لا يمكن للنظام الملكي أن يعزل شيعة الكويت أو يصنفها كطابور خامس بالطريقة التي فعلتها السعودية.

وبالرغم من الانفتاح السياسي العام في الكويت، إلا أن الخطوط الحمراء موجودة. وتعد إهانة الأمير جريمة جنائية أسفرت في السابق عن عقوبات بالسجن لأعوام طويلة لأعضاء المعارضة.

ويملك الأمير سلطة حل المجلس التشريعي، وبالرغم من أن الدستور يتطلب إعادة التصويت عليه في غضون شهرين، فقد شهدت الكويت فترتين طويلتين بدون حياة برلمانية، الأولى من عام 1976 إلى 1981 والثانية من عام 1986 إلى 1992.

وأثار تطبيق قانون انتخابي جديد في عام 2012، والذي منح كل مواطن كويتي صوتا واحدا بدلا من 4، احتجاجات المعارضة ومقاطعة الانتخابات لمدة 4 أعوام، لأنه كان يُنظر إلى النظام الجديد على أنه وسيلة للحد من تمثيل الكتل السياسية المنظمة التي تشكل العمود الفقري للمعارضة.

مجلس التعاون الخليجي الأوسع

ويبدو أن السياسات الخارجية تجاه الإسلاميين عبر مجلس التعاون الخليجي لها نتائج محلية واضحة، حيث تُعتبر جماعة "الإخوان المسلمون" أو الجماعات الإسلامية الشيعية معارضة أو تهدد بطريقة ما شرعية الحكومة، ويتم قمعهم.

وليس من قبيل المصادفة أن السعودية والإمارات اختارتا عزل المجموعتين، بعد أن صنفت جماعة الإخوان حركة إرهابية في عام 2014.

ولا تملك الإمارات عددا كبيرا من السكان الشيعة النشطين سياسيا، إلا أن السعودية قامت بشكل فعال بقمع سكانها الشيعة، بعد أن شنت حملة على معاقل الشيعة في المنطقة الشرقية واتهمتها بالإرهاب لضمان عدم قدرتها على التأثير سياسيا.

وبالرغم من أن البعض يجادل بأن التعددية المحلية للكويت قد قيدت السياسة الخارجية للدولة بسبب تدخل البرلمان في بعض قرارات السياسة الخارجية، إلا أنني أجادل بأن العكس هو الصحيح، على الأقل في ما يتعلق بمعاملة الحركات الإسلامية.

ولأن الإسلاميين السنة والشيعة يشكلون جزءا من النظام السياسي المحلي، ويُنظر إليهم على أنهم من بين مكونات الحياة السياسية وليسوا منافسين، فقد كان للكويت مساحة أكبر للإبداع في السياسة الخارجية والتعددية.

وينطبق هذا أيضا على قطر، حيث اختار فرع "الإخوان المسلمون" المحلي حل نفسه عام 1999، ويُنظر الآن إلى الحركات الإسلامية السنية كشركاء محتملين وليس معارضين سياسيين.

وانعكس هذا الموقف بشكل واضح في السياسات الخارجية لقطر خلال الربيع العربي، ولا سيما دعمها لحكومة "محمد مرسي" المنتخبة في مصر في عامي 2013 و2014.

علاوة على ذلك، يوجد في قطر أقلية شيعية صغيرة جدا، ولا توجد كتل سياسية إسلامية شيعية، ما يعني أنها لا تنظر إلى هذه الشريحة من السكان على أنها تهديد سياسي، ما يجعل العلاقات مع إيران أقل إشكالية محليا.

وفي الوقت نفسه، في المجال السياسي الداخلي الكويتي، لا توجد جهة فاعلة تعمل على حظر أو تقييد جماعة "الإخوان المسلمون" أو الحركات الإسلامية الشيعية.

وبالمثل، لا يوجد أي اعتبار جدي للانضمام إلى الحصار المفروض على قطر، التي يُنظر إليها على أنها نصير خليجي للإسلام السياسي السني، أو قطع العلاقات مع إيران تماما.

وبسبب انتشار الحركات الإسلامية في الكويت، والمساحة المتوفرة لها داخل المؤسسات الحكومية، فإن صوتها المحلي مهم في السياسة الخارجية. ولعل أفضل ما يتضح من ذلك هو موقف الكويت ضد التطبيع مع (إسرائيل)، وهي القضية التي كان الإسلاميون الكويتيون صريحين بشأنها بشكل خاص وعارضوها بشكل علني عبر تصويت 37 من بين 50 عضوا في البرلمان مؤخرا ضد التطبيع.

وأصرت الحكومة الكويتية على أنها ستكون "آخر من يطبع" العلاقات مع (إسرائيل)، موضحة إلى أي مدى ترتبط السياسة الخارجية بالسياسة الداخلية والرأي العام.

التحرك للأمام

وتعد الكويت فريدة من نوعها بين جيرانها في شبه الجزيرة العربية من حيث أنها تضم ​​برلمانا نشطا سياسيا يضم مجموعة من الجهات الفاعلة، من بينها تكتلات إسلامية شيعية وسنية مختلفة.

وبينما يمكن القول إن السياسة الخارجية الكويتية استندت إلى رؤية الأمير الراحل لدور الكويت في الشرق الأوسط، فقد أصبحت سياستها الخارجية الآن مرتبطة بالكويت نفسها.

وجدير بالذكر أن السياسة الخارجية الكويتية لا تتشكل فقط من القمة، كما هو الحال في أي مكان آخر في مجلس التعاون الخليجي. بل الرأي العام والسياسة الداخلية مهمان بنفس القدر. لقد سمحت التعددية السياسية في الداخل بسياسة خارجية مستقلة وتعددية في الخارج.

وفي غضون ذلك، تواصل القيادتان السعودية والإماراتية تركيزهما على احتواء القوى الإقليمية التي تعتبرها تهديدات وجودية لسيطرتهما على السلطة. ويفعل كل منهما ذلك في الداخل من خلال قمع كل من الإسلاميين الشيعة والسنة، وفي الخارج من خلال دعم القادة في مصر وليبيا والسودان واليمن الذين يمكن القول إنهم يشاركونهما نفس تصورات التهديد.

بمعنى آخر، أصبح الاستبداد في ما يتعلق بالحركات الإسلامية عابرا للحدود الوطنية بالفعل، حيث ترى العديد من الحكومات في المنطقة أن المكاسب المحلية مرتبطة باستراتيجية إقليمية أوسع للحفاظ على قوتها وتوسيعها.

ومع ذلك، فإن رؤية السياسة الخارجية الكويتية، التي تدعو إلى إشراك الإسلاميين، تعكس مفاهيم أهمية المنافسة السياسية في الداخل، وبالتالي من غير المرجح أن تتغير حتى في ظل القيادة الجديدة.

ومن المرجح أن تظل علاقة الكويت بالولايات المتحدة مستقرة، ويمكن أن تصبح أقوى دون ضغوط إدارة "ترامب" لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

وبعد أن قال الرئيس المنتخب "جو بايدن" في الماضي إنه يعتزم عزل السعودية واعتبارها "منبوذة"، فإن التغييرات في السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الخليج يمكن أن تغير علاقة الكويت بالسعودية، وتجعل الكويت، بدلا من السعودية أو الإمارات، الشريك المفضل للولايات المتحدة في المنطقة بسبب سياستها الخارجية المعتدلة ومتعددة الأطراف.

المصدر | كورتني فرير- لوفير - ترجمة وتحرير الخليج الجديد