الجمعة 20 نوفمبر 2020 07:59 ص

في صحافة الفرد .. تحية لهؤلاء

ظهور الإنترنت أتاح إمكاناتٍ هائلة أمام الفرد بكل مكان في سبيل صناعة بيئة مناسبة له للتعبير عن نفسه وآرائه وأخباره.

اكتشف الصحفيون إمكان العمل خارج الإطار التقليدي لبيئات عملهم بل وجد بعض غير العاملين بالإعلام أنفسهم منخرطين فيه دون قصد أو تدريب.

*     *     *

الظاهرة الصحفية الأكثر بروزا بالنسبة لي في إطار متابعة الانتخابات الأميركية، أخيرا، هي ما يمكن تسميتها صحافة الفرد، والتي اعتبرها كثيرون، وأنا منهم، البديل الأفضل والأكثر ثقة في معرفة ما يجري في كواليس الانتخابات الأكثر إثارة في التاريخ الأميركي الحديث.

فهي المرة الأولى التي يصبح فيها بعض الإعلاميين، العرب تحديدا، مصدرا رئيسا للأخبار التي يبثونها بأنفسهم في حساباتهم الشخصية على وسائل التواصل المختلفة، خصوصا منصة تويتر، من دون أن يعتمدوا على منصاتٍ رسميةٍ لهم أو سياقاتٍ تمر من خلالها أخبارهم وتحليلاتهم إلى المتابع.

وإذا كانت الصحافة هي المهنة التي تُعنى بالبحث عن الأخبار وتمحيصها، والتحقق من مصداقيتها قبل تحليلها ونشرها بما يمكّن القرّاء من الحصول عليها، فإنها تخرج، في هذا التعريف، من الارتباط بنوعية معينة من المنصّات أو المنابر التقليدية التي اعتاد القارئ عليها منذ ظهور تلك المهنة.

سواء أكانت الصحافة مقروءة أم مسموعة أم مرئية، فمنذ ظهور الإنترنت، وما أتاحه من إمكاناتٍ هائلة أمام الفرد في كل مكان، في سبيل صناعة البيئة المناسبة له للتعبير عن نفسه وآرائه وأخباره، ونشرها بالطريقة السريعة والمباشرة وشبه المجانية، اكتشف الصحفيون أن بمكنتهم العمل أحيانا خارج الإطار التقليدي لبيئات عملهم.

بل وجد كثيرون من غير العاملين في المجال الصحفي، أو الإعلامي عموما، وجدوا أنفسهم منخرطين في هذه المهنة الجميلة، من دون أن يقصدوا ذلك، ومن دون تحضير أو تدريب مسبق يقودهم الشغف وحده.

وقد مرّت علينا استحقاقات إخبارية كثيرة على صعيد العالم كله، برزت فيها صحافة الفرد بعيدا عن الاشتراطات الرقابية، بمستوياتها المختلفة، والتي تحكم المنظومة الإعلامية التقليدية.

لكن السباق الانتخابي الأميركي الراهن أبرز لنا، نحن المتابعين والقرّاء العرب، للنتائج كمن يتابع مباراة شائقة تهمنا نتائجها المباشرة، مدوّنين استخدموا منصّاتهم في "تويتر" لنشر أخبار الانتخابات الأميركية، اعتمادا على مجهوداتهم الشخصية المباشرة، في متابعتها على الأرض أحيانا.

ومن خلال رصدهم المحموم وسائل الإعلام الأميركية المحلية، والعابرة كل الحدود أحيانا أخرى، بعد ترجمتها وفهمها في سياقاتها في الثقافة السياسية الأميركية، وخصوصياتها التي غالبا ما تخفى على المشاهد العربي البعيد عنها.

كنت أتابع تلك الانتخابات عبر حسابات شخصية، انتقيتها بعناية وحرص شديدين، وعبر سنوات من الرصد في "تويتر"، فكانت تلك الحسابات الفردية خير مصدر لي. وعلى الرغم من أنها، في البداية، كانت مصدرا إضافيا بوجود قنوات عالمية كبرى كنت أتابعها، مثل "سي إن إن"، و"بي بي سي") و"الجزيرة".

إلا أن تلك الحسابات الفردية سرعان ما اتخذت مكانة متقدّمة في الترتيب الشخصي لمصادري الإخبارية، نتيجة دقتها اللافتة، وإيجازها اللغوي البليغ، ولأنها تعرف كيف تنتقي من الأخبار ما يهمني كما بدا لي.

منها حساب المدون، زيد بنيامين، الذي تجاوز، في إخبارياته السريعة، عبر "تويتر"، كثيرا من أخبار القنوات المعروفة. وما كان يبثه هو نفسه في رسائله عبر قناة "العربي الجديد" التي يعمل مراسلا لها.

أما المدون أحمد اليهري الذي تخصص بمتابعة السياسة الأميركية بشكل دقيق، فقد أبلى بلاء مذهلا بتغطيته التي لم تترك شاردة ولا واردة. وكان في بعض الأوقات يستمر في التغطية طوال اليوم، ولم يكتف بالأخبار المهمة، بل غالبا ما كان يرافقها بملاحظاتٍ تحليليةٍ شارحة بشكل جامع ومانع.

ومن الحسابات الأخرى التي لاحقت تلك الانتخابات، وتفوقت أحيانا على القنوات التقليدية، حساب الإعلامية ميساء العمودي في تغطياتها المصوّرة مع زوجها الإعلامي ياسر الغسلان، وتحليلاتهما المهمة ما وراء الكواليس.

كما تميزت المدونة ريم الحرمي بشرح مميز ووافٍ لتعليقات وأخبار كثيرة ذات طبيعة خاصة بالثقافة الأميركية، وبلغة جميلة جدا. وغير هؤلاء كثيرون فعلا صنعوا من حساباتهم الشخصية منصّات منافسة، وبامتياز لافت للإعلام التقليدي الذي لم يكن في أفضل أحواله هذه المرة!

* سعدية مفرح كاتبة وصحفية وشاعرة كويتية.

المصدر | العربي الجديد