الجمعة 20 نوفمبر 2020 04:28 م

وعد الرئيس الأمريكي المنتخب "جو بايدن" بالتحرك بسرعة من أجل العودة للاتفاق النووي مع إيران طالما عادت طهران أيضًا إلى الامتثال به. لكن القول هنا أسهل من الفعل. وفي حين أن تعهده يعتبر مصدر ارتياح للموقعين الآخرين على الاتفاق، الذين كانوا غاضبين من انسحاب "دونالد ترامب" منه قبل عامين، فإن العودة إلى الطريقة التي كانت بها الأمور قد تكون مستحيلة بسبب كل من السياستين الإيرانية والأمريكية.

ويتحرك "ترامب" حاليا بسرعة لزيادة العقوبات الأمريكية ضد إيران، ويقوم ببيع أسلحة متطورة لأعدائها الإقليميين، وهي سياسات يصعب على الرئيس الجديد التراجع عنها. وقد سأل "ترامب" في الأسبوع الماضي، مستشاريه عن خيارات شن ضربة عسكرية ضد إيران، لكن يبدو أنه تم استبعاد ذلك. ورأى مساعدوه أن الهجوم يمكن أن يؤدي بسرعة إلى حرب أكبر.

ونظرا لأن الرئيس الإيراني "حسن روحاني" يواجه معارضة شديدة من المحافظين في الانتخابات المقرر إجراؤها في يونيو/حزيران 2021، فمن المتوقع أن تطالب إيران بثمن باهظ للعودة إلى الاتفاق، بما في ذلك الرفع الفوري للعقوبات التي فرضتها إدارة "ترامب" وبتعويضات بمليارات الدولارات.

وقد رحب "روحاني" باقتراح "بايدن"، واصفا إياه بأنه فرصة للولايات المتحدة للتعويض عن أخطائها السابقة. وحاول نائب وزير الخارجية الإيراني "عباس عراقجي" أن يمرر إلى مستشاري "بايدن" عبر وسطاء إصرار طهران على عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق الإيراني دون قيد أو شرط قبل استئناف أي محادثات، بحسب دبلوماسيين إيرانيين.

ويقول دبلوماسيون إن إيران ليست معنية بالتجميد المؤقت لنشاطها، ولن تتوقف في الوقت نفسه عن تخصيب اليورانيوم أو تقوم بتقليص مخزونها الضخم. كما أكدوا أن إيران ستعود إلى الامتثال الكامل للاتفاق عندما تفعل الولايات المتحدة ذلك. ولم يؤكد مستشارو "بايدن" تلقيهم أي رسائل من إيران ويقولون إنهم سيتعاملون مع القضية بعد التنصيب فقط.

وبمرور الوقت، يتزايد نفوذ إيران في أي مفاوضات مستقبلية. فعندما تولى "ترامب" منصبه، كان لدى إيران ما يقرب من 102 كيلوجراما، من اليورانيوم المخصب، والذي كان إنتاجه محدودًا بموجب اتفاقية 2015. ولكن بعد انسحاب الولايات المتحدة، أعلنت إيران أنها لم تعد ملزمة بالاتفاق واستأنفت تخصيب اليورانيوم على مستويات أعلى.

وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الأسبوع الماضي، إن لدى إيران الآن أكثر من 2440 كيلوجرامًا، وهو ما يزيد عن 8 أضعاف الحد الذي حدده الاتفاق النووي لعام 2015. إن وقت "الاختراق" بالنسبة لإيران لصنع سلاح نووي - وهو طموح تنكره - أصبح الآن أقصر بكثير من عام واحد.

وقد وصف "بايدن"، خلال حملته الانتخابية، قرار "ترامب" بالتخلي عن الصفقة بأنه قرار "متهور"، وقال إنه انتهى بعزل الولايات المتحدة، وليس إيران. كما كتب "بايدن" في مقال رأي لشبكة "سي إن إن" في سبتمبر/أيلول: "سأقدم لطهران طريقًا موثوقًا به للعودة إلى الدبلوماسية.. إذا عادت إيران إلى الامتثال الصارم للاتفاق النووي، فإن الولايات المتحدة ستعود إلى الاتفاقية كنقطة انطلاق لمفاوضات المتابعة".

وبعد فوز "بايدن"، رحب "روحاني" بالمبادرة، واصفا إياها بأنها "فرصة للولايات المتحدة "للتعويض عن أخطائها السابقة والعودة إلى طريق الامتثال للالتزامات الدولية". وقال "روبرت أينهورن"، من معهد "بروكينجز"، إن اختيار كلمة "تعويض" لم يكن عرضيًا.

وتقول إيران إنها تريد من واشنطن دفع مليارات الدولارات من الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها عندما سحب "ترامب" الولايات المتحدة من الاتفاق في 2018 وأعاد فرض العقوبات.

ومنذ ذلك الحين، زاد "ترامب" من العقوبات. ودمرت حملة "أقصى ضغط" الاقتصاد الإيراني، لكنها فشلت في دفع إيران إلى الخضوع إلى طاولة المفاوضات أو تقليص مشاركتها في العراق أو سوريا أو لبنان.

وتحاول الإدارة الأمريكية أيضًا الحد من دعم إيران لوكلائها في تلك البلدان، حيث تبيع أسلحة أكثر تطوراً لدول الخليج العربية التي ترى إيران على أنها عدو ولديها طموحاتها الإقليمية الخاصة. ويجري الآن تسريع نقل الطائرات المقاتلة "إف35" إلى الإمارات.

ويعتقد البعض أن "ترامب" سيتخذ المزيد من الإجراءات، بما في ذلك المزيد من التخريب والهجمات الإلكترونية على برامج إيران النووية أو الصاروخية وصولا حتى إلى العمل العسكري، والذي من المرجح أن تدعمه (إسرائيل) ومصر وحلفاء الخليج.

وقال "مارك دوبويتز"، الرئيس التنفيذي لمؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" والمؤيد منذ فترة طويلة لسياسة صارمة تجاه إيران: "لا أعتقد أن الإدارة انتهت من قضية إيران.. أعتقد أن الناس سوف يعملون بقوة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة ضد إيران، مع العلم أنه بعد يناير/كانون الثاني قد تكون هناك سياسة مختلفة تجاه إيران".

وقال "أينهورن" إن المفاوضين الإيرانيين يعرفون أن الولايات المتحدة لن تقدم تعويضات مالية، لكنهم قد يخوضون موقفًا تفاوضيًا صعبًا خاصة بالنظر إلى ديناميكيات انتخاباتهم المقبلة". 

وأشار إلى أن "إيران لن تطالب فقط بإزالة العقوبات المتعلقة بالمجال النووي، ولكن أيضًا تلك المفروضة على انتهاكات حقوق الإنسان، وتطوير الصواريخ الباليستية ودعم الجماعات الإرهابية، وهو ما قد تجده إدارة بايدن صعبًا من الناحية السياسية والفنية".

وأضاف "أينهورن" أنه في حالة عدم العودة السريعة إلى الاتفاق النووي، يجب على الأطراف الاتجاه نحو اتفاق مؤقت، تتراجع فيه إيران عن جزء من تعزيزها النووي الحالي مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، لا سيما منح إيران الوصول إلى بعض عائداتها النفطية المحظورة في حسابات مصرفية خارجية.

وقد ترحب إيران بمثل هذا الترتيب المؤقت إذا أعطى الاقتصاد دفعة سريعة، خاصة قبل انتخابات منتصف يونيو/حزيران. ولكن نظرًا لتعقيدات انتقال السلطة الأمريكية، مع تباطؤ متطلبات الموافقات الأمنية وتثبيت مجلس الشيوخ بسبب رفض "ترامب" الاعتراف بالهزيمة والتعاون مع "بايدن"، فقد لا يتواجد كبار المسؤولين في مناصبهم قريبًا.

ومن المرجح أن تكون الفترة العملية بين التنصيب في 20 يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران شهرين أو ثلاثة أشهر فقط، وهو ما يدعو إلى إنشاء "قناة خلفية" سريعًا بين واشنطن وطهران بعد تولي "بايدن" منصبه.

وبالرغم من حملة الضغط التي شنها "ترامب"، فإن المرشد الأعلى لإيران "علي خامنئي" أبقى الباب مفتوحًا أمام عودة أمريكية، رافضًا التخلي تمامًا عن الاتفاق النووي، وذلك وفقا لما قالته "إيلي كيرانمايه"، الخبيرة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

ويرى الإيرانيون المعارضون للاتفاق النووي أن الولايات المتحدة أثبتت أنه لا يمكن الوثوق بها. ولكن "كيرانمايه" قالت: "خامنئي منح روحاني الضوء الأخضر، والهامش السياسي لإيصال رسائل إلى إدارة بايدن حول رغبة إيران في عودة واشنطن إلى الصفقة".

وأشارت "كيرانمايه" إلى أن خصوم "روحاني" المتشددين لا يريدونه أن يحصل على هذا الفوز قبل الانتخابات في يونيو/حزيران، وسوف يتطلعون إلى تشويش هذا الجهد في الوقت الذي يحاول فيه الجمهوريون التشويش على "بايدن". 

ورأت أنه يمكن لـ"بايدن" أن يرفع بسرعة عددًا من العقوبات المرتبطة بالأنشطة النووية الإيرانية، بما في ذلك الموافقة على المزيد من الإعفاءات التي تسمح لإيران ببيع النفط. كما يمكنه تخفيف القيود المفروضة على سفر المواطنين الإيرانيين وعلى التجارة من خلال تخفيف العوائق المصرفية ورفع العقوبات عن بعض المسؤولين الرئيسيين، مثل وزير الخارجية "محمد جواد ظريف"، المفاوض النووي الرئيسي.

لكن سيكون من الصعب إلغاء العقوبات المفروضة ضمن فئة مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان، مثل تلك المفروضة على الحرس الثوري، خاصة وأن العديد من الديمقراطيين يدعمونها أيضًا.

وحسب "كيرانمايه"، فإن إيران ستصر على أن ترفع الولايات المتحدة العقوبات المفروضة على البنك المركزي الإيراني، المتهم بتمويل جماعات إرهابية، حتى تتمكن من استخدام النظام المصرفي العالمي مرة أخرى.

وترفض إيران، حتى الآن، أن تضع على طاولة النقاش برنامجها الصاروخي الذي يخضع بالفعل لعقوبات منفصلة من جانب الولايات المتحدة والأمم المتحدة.

ويشار إلى أن مفتاح جميع السياسات الرئيسية في إيران، هو "خامنئي" وهو يعتبر أمريكا بلدًا محكوم عليه بالفشل، وفي حالة "تدهور سياسي ومدني وأخلاقي". لكنه وافق على الاتفاق النووي لأنه وعد بمنافع اقتصادية كبيرة منها رفع العقوبات، ويبدو الآن أنه ينظر بتشكك أكبر بشأن الولايات المتحدة، وهو ما أكده انسحاب "ترامب" من الاتفاق. لكن مع التغيير في القيادة الأمريكية، فإنه يرى مرة أخرى إمكانية تخفيف القيود الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة.

وقد كتب "كريم سجادبور" من "كارنيجي": "بالرغم من غطرسة خامنئي، فإن رئاسة بايدن تمثل فرصة وتحديًا لطهران... الفرصة هي لتحسين اقتصاد البلاد المحتضر، والتحدي هو أن طهران لن تكون قادرة بعد الآن على استخدام ترامب بشكل فعال كذريعة أو إلهاء لقمعها الداخلي وإخفاقاتها الاقتصادية وعدوانها الإقليمي".

المصدر | ستيفن إرلانجر/نيويورك تايمز – ترجمة وتحرير الخليج الجديد