السبت 21 نوفمبر 2020 06:30 ص

العلاقات الفرنسية الخليجية: مُقاطعة شعبية وعلاقات مرتبكة

سوق الخليج محورية لفرنسا فالتعاون بينهما يتجاوز الأغذية إلى الدفاع والتكنولوجيا والصناعات الكيميائية.

يبلغ حجم التبادل التجاري بين دول الخليج وفرنسا 59 مليار دولار واالاستثمارات الخليجية بفرنسا 300 مليار دولار.

تجسّدت حملات مقاطعة المنتوجات الفرنسية خليجيا على أرض الواقع ردّا على تعنّت فرنسا واستمرار استفزازها للمسلمين.

*     *     *

يزدادا التوتر بين فرنسا ودول إسلامية حدة على خلفية تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي اعتبرتها دول عربية واسلامية مسيئة للإسلام بما يشمل  نشر الرسوم المسيئة للرسول ﷺ في استفزاز واضح للمسلمين في فرنسا وخارجها.

وفي دول مجلس التعاون الخليجي، تجسّدت حملات مقاطعة المنتوجات الفرنسية على أرض الواقع في ما اعتبر ردّا على التعنّت الفرنسي واستمراره في استفزاز المسلمين.

ولئن لم ترق حملات المقاطعة إلى مستوى المواقف الدبلوماسية والتصريحات الحكومية، وعلى الرّغم من كونها ما تزال مرتبطة بالقواعد الشعبية والجمعيات التعاونية والأسواق، إلا أنّ هؤلاء يؤمنون بقدرة هذه الحملات على مواجهة فرنسا واجبار رئيسها على احترام الإسلام وثوابته.

أغلب دول الخليج انخرطت في هذه الحملات بدرجات متفاوتة من الحدة ففي الكويت وقطر تم رفع المنتوجات الفرنسية من الأسواق، وبالتزامن مع ذلك، ضجّت منصات التواصل الإجتماعي بمطالبات وقف استيراد السلع والبضائع الفرنسية.

وفي المملكة العربية السعودية أيضا لوحظ رفع للمنتوجات الفرنسية من الأسواق وإن كان بصفة أقل حدة من الكويت وقطر، أما في البحرين وعمان والإمارات فقد بدت حملات المقاطعة أكثر خجلاً ولكن لا يمنع ذلك من أن مواقع التواصل الإجتماعي قد عجّت بقائمات المنتوجات الفرنسية التي ينبغي مقاطعتها.

أهمية السوق الخليجية لفرنسا

بلغ حجم الواردات الفرنسية إلى مختلف دول مجلس التعاون الخليجي خلال العام 2019، 12.633 مليار دولار. وتتصدر قطر قائمة الدول الخليجية الأكثر استيرادًا للمنتوجات الفرنسية بما يقدر بـ4.2 مليار دولار.

كما تأتي كل من دولة قطر والإمارات العربية المتّحدة والمملكة العربية السعودية ضمن قائمة الدول العربية السّت الأكثر استيرادا للبضائع الفرنسية.

وتعتبر السوق الخليجية سوقًا محورية بالنسبة إلى فرنسا خصوصًا وأن مجالات التعاون بينهما تتجاوز قطاعات الأغذية إلى قطاعات الدفاع والتكنولوجيا والصناعات الكيميائية. فبحسب البيانات الرسمية يبلغ حجم التبادل التجاري بين دول مجلس التعاون الخليجي وفرنسا 59 مليار دولار كما تبلغ القيمة الإجمالية للإستثمارات الخليجية في فرنسا ما يقرب الـ300 مليار دولار.

مما لاشك فيه أن دول مجلس التعاون تعتبر شريكًا تجاريًا واقتصاديًا استراتيجيًا، وعليه فإن حملات المقاطعة، التي ما تزال تدور رحاها على المستوى الشعبي ولم ترق إلى المستوى الدبلوماسي إلى حدّ الآن، ستكبّد فرنسا خسائر فادحة لن يكون في المقدور تعويضها خصوصًا وأنّ هذه الحملات تتزامن مع إعلان فرنسا إغلاقًا تامًّا ثانيًا بسبب ارتفاع عدد الإصابات بالكورونا.

يعلق كثير من المراقبين أن ماكرون الذي لم يتمكّن إلى الآن من تعويض الخسائر الإقتصادية التي خلّفتها جائحة كورونا، فتح على بلاده جبهة صراع إقتصادي لن يكون بقادر على مجابهتها، خصوصا، مع استبعاد حدوث ذلك، إذا ما تطوّرت الأمور إلى مقاطعة المنتوجات البترولية وعمليات التسليح التي تدفع دول الخليج أموالا طائلة في إطار الصفقات التي تبرمها مع فرنسا.

وتعتبر المملكة العربية السعودية ثالث مستورد للسلاح الفرنسي إذ بلغت قيمة الصفقات التي أبرمتها مع فرنسا عام 2018 نحو مليار يورو.

على أنه من الملفت أن الإعلام الفرنسي يحاول التقليل من تأثير حملات المقاطعة على الاقتصاد الفرنسي، فقد اعتبرت صحيفة "لاكروا انترناسيونال" مثلا أنه من غير المرجح أن يكون لدعوات المقاطعة تأثير كبير.

ومن المحتمل أن هذه الآراء تستند إلى تجارب سابقة قاطعت فيها الشعوب العربية والإسلامية منتوجات بعض الدول على غرار حملات مقاطعة البضائع الأمريكية أو الدنماركية والتي لم تستمر طويلًا وكانت تأثيراتها محدودة، خصوصا وأنها كما حملات المقاطعة التي تستهدف المنتوجات الفرنسية، اقتصرت على الطبقة الشعبية.

لماذا تراجع ماكرون؟

على أن مسارعة وزارة الخارجية الفرنسية إلى إصدار بيان تدعو فيه إلى التوقف عن الدعوة إلى مقاطعة البضائع الفرنسية وتراجع الرئيس الفرنسي عن تصريحاته السابقة في ما يتعلّق بالإسلام والمسلمين، فيما بدا أنه محاولة لإمتصاص غضب الشعوب المسلمة.

بالإضافة إلى توجّهه إليهم من خلال قناة "الجزيرة" القطرية، يؤكّد أن الحكومة الفرنسية وعلى عكس ما روّجته وسائل إعلامها، تخشى من تأثيرات هذه الحملات بل قد نذهب إلى حدّ القول بأنها أقلقتها وبأنها تعترف ضمنيّا بعجزها على شنّ حرب إقتصادية على جبهتين، جبهة المقاطعة وجبهة جائحة كورونا.

من جهة أخرى يبدو أن الحكومة الفرنسية تنبّهت إلى أن هذه الحملات التي تهدّد مصالحها الإقتصادية في منطقة الخليج، ستضرّ بسعيها منذ سنوات إلى تعزيز دورها الدبلوماسي وخططها من أجل الحفاظ على وجود فاعل في المنطقة.

فقد سبق لوزيرة الدفاع الفرنسية فلورانس بارلي أن أكّدت على أهمّية إقامة علاقات إقتصادية مع هذه الدول مشيرة إلى أنّ ذلك يعني الحفاظ على وجود فرنسا في مناطق مهمة لمصالحها الأمنية وإمداداتها من الطاقة، مشدّدة على أن الأمر يتعلّق كذلك بمكافحة الإرهاب وحماية المواطنين الفرنسيين في هذه المناطق.

من جهة أخرى لا يمكن التغاضي عن فرضية أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان له تأثير في محاولة ماكرون تلطيف الأجواء، فأردوغان الذي بدا متزعّما لحملات المقاطعة ومستمرًا في استهدافه فرنسا ورئيسها.

وهو الذي سبق أن وجّه انتقادات شديدة اللهجة للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، لن يوفّر جهدا في تعويض البضائع الفرنسية بأخرى تركية خصوصا في البلدان التي ترتبط معها بعلاقات جيدة، خاصة وأن أنقرة تواجه هي الأخرى حملات مقاطعة في السعودية والإمارات.

* سامية الجبالي كاتبة صحافية تونسية

المصدر | البيت الخليجي للدراسات والنشر