الجمعة 22 يناير 2021 05:59 ص

«بيعة» ماكرون الإسلامية والاعتذار عن الاستعمار!

حرب فرنسا ضد الجزائر وسكان مستعمراتها السابقة لم تنته بعد لكنها اتخذت أشكالا جديدة للتعبير عنها.

ضغوط قسرية تعامل بها ماكرون مع ممثلي المسلمين في فرنسا، تشبه جدا «البيعة» التي يستخدمها طغاة الحكام العرب مع مواطنيهم!

انزعاج وزير الداخلية الفرنسي دارمانان «بشكل شخصي» من وجود منتجات غذائية «حلال» كالكسكس والهريسة (وهي طبعا من مأكولات المغاربة عموما)!

وزير الداخلية الفرنسي قرر «طرد رجل توصيل الوجبات من الأراضي الفرنسية بعدما أعلن أنه لا يريد توصيل الطلبات للزبائن اليهود كما حكم بالسجن 4 أشهر».

*     *     *

أعلن مسؤولو «المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية» السبت الماضي، التوصل إلى اتفاق على «شرعة مبادئ» حول الإسلام في فرنسا، ضمن سياق ترتيب شؤون المسلمين في فرنسا، لإحداث «توافق» الشريعة الإسلامية مع «القيم الجمهورية» وكان من بنود الشرعة «رفض توظيف الإسلام لغايات سياسية» و«عدم تدخل» دول أجنبية في شؤون المسلمين.

وكان واضحا أن ذلك تم بضغوط مباشرة من الرئيس إيمانويل ماكرون الذي هدد ممثلي المسلمين في فرنسا بـ«عواقب» إذا لم يوقعوا الشرعة، وتصادى ذلك مع تصريح أحد قادة المجلس، إبراهيم ألسي، الذي قال إن الشرعة «يجب أن تفرض على جميع ممثلي الجالية الإسلامية».

من نافل القول إن الضغوط والقسرية التي تعامل بها ماكرون بإشهاره سيف وزير داخليته جيرالد دارمانان، مع ممثلي المسلمين في فرنسا، تشبه إلى حد كبير أسلوب «البيعة» التي يستخدمها بعض طغاة الحكام العرب مع مواطنيهم، فإما أن يقبلوا بأسلوب حكمه، وبطريقة تأويله لدينهم، وإلا فسوف يواجهون بالعقوبات.

يمكن ربط هذه «البيعة» والعقلية التي تقف وراءها، بحدث آخر مناظر، وهو إعلان الرئاسة الفرنسية، الأربعاء الماضي، أنها لن تعبر عن «أي ندم أو اعتذارات» بخصوص جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر.

وستكتفي بـ«خطوات رمزية» لمعالجة ملف استعمار وحرب الجزائر، وهي خطوة يمكن ربطها بسهولة، بموضوع «شرعة المبادئ» المذكورة سالفا، باعتبارها استمرارا تاريخيا للعقلية الاستعمارية، والحرب التي لم تنته بعد مع الجزائريين، خصوصا، ومع المسلمين ومواطني الدول التي استعمرتها فرنسا سابقا، عموما.

تظهر هذه المسألة بوضوح جليّ في الأحوال الحالية للفرنسيين من أصول جزائرية، وهم قرابة مليوني مواطن، وفي حين احتاجت المصالحة الفرنسية ـ الألمانية إلى قرابة عشر سنوات، كما يقول مهند بن شريف، وهو رجل أعمال فإن المصالحة الفرنسية ـ الجزائرية «لا تزال بعيدة» مشيرا إلى أن الجزائريين يطالبون فرنسا بمجرد اعتراف، وأن عليها «أن تقدم اعتذارا لأنها لم تكن بمستوى القيم الفرنسية»!

والد بن شريف، هو واحد من 60 ألف «حركيّ» قاتلوا مع الفرنسيين، ولكن فرنسا تخلت عنهم رافضة استقبالهم، أما الذين نقلوا إلى فرنسا فعاشوا في ظروف صعبة، وقد عرض فيلم شهير التمييز العنصريّ الذي تعرضوا له، ومن ضمنه حرمانهم من رواتب التقاعد كما حصل مع زملائهم الفرنسيين «الأصيلين» فإذا كان هذا هو حال من قاتلوا مع فرنسا ضد مواطنيهم الجزائريين، وهو ما يفيد في تفسير كيف تنظر فرنسا الرسميّة، مع التوطد المستمر لاتجاهات العنصرية واليمين المتطرف داخل مؤسساتها، إلى الجزائريين والمسلمين عموما.

إحدى المفارقات المثيرة للسخرية لهذه القضية تظهر في إعلان وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان انزعاجه «بشكل شخصي» من وجود منتجات غذائية «حلال» كالكسكس والهريسة (وهي طبعا من مأكولات المغاربة عموما)!

وهذا الوزير هو نفسه الذي أصدر مؤخرا قرارا بطرد جزائري رفض تزويد مطاعم يديرها يهود بمنتجات «كوشير» وغرد دارمانان قائلا: «قررت طرد رجل توصيل الوجبات من الأراضي الفرنسي بعدما أعلن أنه لا يريد توصيل الطلبات للزبائن اليهود كما حكم بالسجن 4 أشهر».

ما يحصل في فرنسا يكشف عمليا أن حرب فرنسا ضد الجزائر وسكان مستعمراتها السابقة لم تنته بعد، وكل ما في الأمر أنها اتخذت أشكالا جديدة للتعبير عنها.

المصدر | القدس العربي