الثلاثاء 26 يناير 2021 08:51 م

في محاولة لتنويع اقتصادها خارج النفط على غرار الإمارات، تعمل السعودية على تطوير قطاعات اقتصادية جديدة في الداخل بدلا من الاستثمار في الخارج.

ومع ذلك، لكي تصبح الرياض مركزا اقتصاديا إقليميا، سيتعين عليها سحب بعض الشركات من دبي، حيث يقع مقر معظم الشركات الدولية الكبيرة العاملة في منطقة الخليج بالفعل في أكبر مدينة في الإمارات.

وتعتبر دبي الوجهة المفضلة، حتى بالنسبة للشركات السعودية المتوجهة إلى الخارج، وهي المركز المالي والتجاري الأكثر ازدهارا في منطقة مجلس التعاون الخليجي.

مع ذلك، جاءت نقطة تحول في نهج السعودية عندما أطلق ولي العهد "محمد بن سلمان" مشروع مدينة "نيوم" المستقبلية، التي من المقرر أن تكلف ما يقدر بنحو 500 مليار دولار.

ونظرا لكونه جزءا محوريا من البرنامج الاقتصادي لرؤية المملكة لعام 2030، يمكن أن يصبح هذا المشروع الضخم بمثابة واجهة للتحول الاقتصادي السعودي إذا كان بإمكانه التنافس كمركز تجاري مع دبي.

وبالتالي، تحاول الرياض التفوق على دبي، بالرغم من أنه كان من الممكن أن تلعب كلتا المدينتين دورا مكملا.

وفي الآونة الأخيرة، بدأت الرياض حملة كجزء من مبادرة تسمى "بروجرام هاي كواليتي"، والتي بموجبها يتم تقديم حوافز للشركات الكبرى والشركات متعددة الجنسيات من "جوجل" إلى "سيمنز" لنقل مقارها الإقليمية من دبي إلى الرياض.

وظاهريا، يأتي هذا لجذب القيادة العليا للشركات الأجنبية الكبرى إلى الرياض لجعلها تبدو كأنها سوق أكبر من دبي، وكذلك لتسريع الاستثمار الأجنبي.

ووفقا لمسؤولين تنفيذيين مطلعين على الساحة، عرضت السلطات السعودية إعفاءات ضريبية، وحماية ضد اللوائح المستقبلية، والتنازل عن حصص السعودة.

ونظرا لأنه من المقرر عقد مؤتمر المستثمرين السنوي التابع لصندوق الاستثمار العام السعودي في 27 يناير/كانون الثاني الجاري، فقد تم الاتصال تقريبا بجميع الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات التي تعمل في المملكة.

وعلى ما يبدو، من المقرر إقامة هذه الشركات في حي الملك عبدالله المالي، وهو حي تجاري كبير يضم 59 ناطحة سحاب باتجاه شمال الرياض.

ومع ذلك، معظم الشركات مستقرة في دبي، وقد تنقل بعض وحدات الأعمال أو الفروع إلى الرياض، لكن نقل الإدارة العليا سيستغرق وقتا أطول.

وفي الأساس، لا تزال معظم الشركات متعددة الجنسيات تفضل أن يكون مقرها في دبي، ولكنها ترغب في الاستيلاء على السوق السعودية الكبرى أيضا.

ومع ذلك، اتفقت "جوجل كلاود" مع "أرامكو" السعودية على تقديم البنية التحتية لخدمات الحوسبة السحابية، وقد تفتح أول مكان عمل لها في المملكة قريبا.

كذلك، استثمرت "ويسترن يونيون" 200 مليون دولار مقابل حصة 15% في شركة الاتصالات السعودية، وتم تقديم صفقة بقيمة 500 مليون دولار مع "علي بابا كلاود" من قبل شركة الاتصالات السعودية لخدمات مماثلة.

لكن مع هذا التواصل السعودي مع الشركات الأجنبية، ازداد التنافس بين دول مجلس التعاون الخليجي بسرعة.

ومن المثير للاهتمام، أن أبوظبي والرياض قامتا بأشياء مماثلة مثل التحول إلى التكنولوجيا المتقدمة، والاستثمار في الشركات الناشئة، وتخفيف الأعراف الاجتماعية المحافظة لجذب السياحة.

وأصبحت الإمارات أول دولة عربية ترسل بعثة إلى المريخ.

وبعد إقلاعها من جزيرة في اليابان بمساعدة الولايات المتحدة في يوليو/تموز 2020، تصل المركبة الفضائية "أمل"، التي تبلغ تكلفتها 200 مليون دولار، إلى الكوكب الأحمر في فبراير/شباط 2021، وسوف تنتج أول خريطة عالمية للغلاف الجوي للمريخ.

ووفقا لما قاله "عمران شرف"، مدير مشروع البعثة، فقد تم تصميم بعثة المريخ لإحداث "تحول كبير في العقلية" وتشجيع البحث وتقديم برامج للحصول على درجات علمية في العلوم الأساسية وإشراك الشباب من الدول العربية الأخرى.

ومع ذلك، وفقا لـ"شرف"، فإن المحرك الرئيسي وراء ذلك "ليس الفضاء، بل الاقتصاد".

وبعد فترة وجيزة، في 10 يناير/كانون الثاني الجاري، أطلق "محمد بن سلمان" "ذا لاين"، وهي "مدينة خطية" طموحة، مدعومة بالطاقة المتجددة، باستخدام الذكاء الاصطناعي مع انعدام لإنتاج الانبعاثات الكربونية، في حزام طويل يمتد من ساحل البحر الأحمر إلى الداخل عبر مشروع "نيوم" العملاق في شمال السعودية.

وفي ظل التخطيط لما يقرب من 3 أعوام، تقدر تكلفة المشروع بما يتراوح بين 100 و200 مليار دولار، سيتم اقتطاعها من صندوق دعم بقيمة 500 مليار دولار تم الإعلان عنه لـ"نيوم" ضمن صندوق الثروة السيادية للسعودية.

وسيبدأ البناء في عام 2021، ومن المتوقع أن تساهم المدينة عالية التقنية بمبلغ 48 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي السعودي وتخلق 380 ألف فرصة عمل.

وفي غضون ذلك، حتى فيما يتعلق بالشركات الناشئة، كانت هناك منافسة قوية بين الحليفين في مجلس التعاون الخليجي منذ العام الماضي، ولتوفير فرص جديدة بعد الوباء، أعلنت الإمارات عن حزمة تحفيز خاصة لإحياء النظام البيئي للشركات الناشئة مؤخرا.

وتبقى السعودية سوقا مزدهرة، بالرغم من أن الشركات الناشئة المحلية كافحت بشدة للبقاء على قيد الحياة قبل 5 أعوام فقط.

وفي الوقت الحاضر، يقول رجل الأعمال الألماني "روني فروليش": "إذا كنت تريد أن تكون كبيرا في الشرق الأوسط، فأنت بحاجة إلى أن تكون في السعودية".

بالإضافة إلى ذلك، كانت الإمارات أول من ركز على تقديم أسلوب الحياة الأكثر تحررا في مجلس التعاون الخليجي.

وفي وقت لاحق، أعلنت السعودية أيضا عن تغييرات مهمة لتشجيع السياحة، بما في ذلك السماح بالحفلات الموسيقية والأحداث الرياضية وعروض الأفلام، بل منحت النساء بعض الحريات المقيدة منذ فترة طويلة.

وفي خطوة أخرى، مضت أبوظبي إلى الأمام وسمحت للأجانب بامتلاك أعمالهم التجارية بالكامل ولم يعودوا بحاجة إلى شركاء محليين.

ووفقا لـ"خاتجة حق"، رئيس قسم أبحاث منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بنك الإمارات دبي الوطني، "تحتاج الإمارات إلى المواكبة أو البقاء في المقدمة إذا لم تكن تريد أن تفقد ميزتها التنافسية. عندما كان سعر النفط عند 100 دولار للبرميل لعدة أعوام، لم تكن هناك حاجة كبيرة لجذب الاستثمار الأجنبي. ومن الواضح أن هذا قد تغير".

ورفعت الإمارات المخاطر أمام دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى من خلال السماح للمغتربين والمستثمرين بالتأهل للحصول على تأشيرات إقامة لمدة 10 أعوام، وبالتالي، أجبر هذا السعودية على الإعلان عن برنامج تأشيرة إلكترونية لـ49 دولة.

ومع ذلك، تملك الرياض بعض العوامل التي تعمل لصالحها، ولا يزال بإمكانها الفوز بالسباق نظرا لحجمها الهائل وفرص النمو الأكبر.

أولا، يبلغ عدد سكانها 34 مليون نسمة، أي أكبر بـ3 مرات من سكان الإمارات، وبذلك تظل أكبر سوق في منطقة الخليج.

وقد يكون العيب الرئيسي في أبوظبي هو محدودية حجمها وسعتها، بالرغم من أنها فعالة ومبتكرة.

ثانيا، تغيرت طبيعة المنافسة مع وجود "نيوم"، حيث تغطي مساحة إجمالية قدرها 27 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل دولة صغيرة تقريبا.

وللارتقاء بالمنافسة إلى المستوى التالي، تمت إضافة "ذا لاين" بمفهوم جديد تماما، وبالمقارنة، لدى الإمارات في الغالب مشاريع أصغر حجما لتقدمها.

ثالثا، منذ تخفيف القيود المفروضة على بدء الشركات وإنفاذ العقود والحصول على التصاريح، احتلت السعودية المرتبة الأولى في تقرير ممارسة أنشطة الأعمال الصادر عن البنك الدولي لعام 2020.

ومع ذلك، لا تزال المملكة متأخرة عن شريكتها في مجلس التعاون الخليجي من حيث الأرقام الأولية، حيث تأتي في المركز 62 مقارنة بالإمارات التي تأتي في المركز 16.

لذلك، إذا سارت الأمور على ما يرام مع "نيوم" و"ذا لاين"، يمكن للشركات متعددة الجنسيات التوجه في النهاية إلى السعودية دون الحاجة إلى أي تشجيع.

وعلى مدار العام الماضي، بدأت بعض الشركات في تأسيس مقرات لها في السعودية.

وفي إشارة إلى هذا التغيير، قال "توم واتسون"، الشريك في "مايكل بيج" الشرق الأوسط، مؤخرا: "على مدار الـ18 شهرا الماضية، رأينا العديد من القادة البارزين في قطاع العقارات ينتقلون من جميع أنحاء العالم ويتطلعون إلى المشاركة في المشاريع في المملكة".

ولا بد أن تحدث الهجرة الجماعية المنشودة في نهاية المطاف، لأن جائحة الفيروس التاجي خلقت "تربة خصبة" للشركات في المملكة.

ويقول "سام بلاتيس"، الرئيس السابق للعلاقات الرئاسية الخليجية لشركة "جوجل"، الذي يقدم المشورة لشركات التكنولوجيا متعددة الجنسيات، إن شركات التكنولوجيا المتقدمة لديها بدت "حريصة على زيادة تواجدها في السعودية في الأسابيع القليلة الماضية".

المصدر | سابينا صديقي | المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد