طيّارة السيسي وطائرة الرئيس المكسيكي

كان حرياً بالسيسي بيع طائرة مبارك الرئاسية بدل أن ينفق مئات ملايين الدولارات الإضافية عليها ويشتري طائرات فخرية أخرى فضلاً عنها.

تزويد بلد كمصر يرزح ثلث سكانه تحت خط الفقر بمثل طائرات السيسي يشبه تزويد فلاحين في واحة بالصحراء لا ناقة لهم ولا جمل بسيّارة لامبرغيني!

*     *     *

في وسط الكآبة التي تحيط بالذكرى العاشرة للانتفاضة التي يسمّيها أهل مصر «ثورة 25 يناير» وهي كآبة ناجمة عن انتصار الحركة المضادة للثورة التي قادها عبد الفتّاح السيسي في الثالث من يوليو/ تموز 2013، دعنا نستبدل هنا البكاء على الأطلال بالتفاتة طريفة إلى قصة طيّارة الرئيس.

قلنا «طيّارة» بدل «طائرة» لأن التعبير الأول أنسب في هذا السياق لقربه من لغة الأطفال ولعَبهم، والحال أن الرئيس المصري يبدو وكأنه مولع بالطائرات على طريقة ولع الأطفال.

فبعد انتخابه رئيساً في عام 2014، تفاوض مع فرنسا على شراء 24 طائرة حربية من طراز «رافال» من شركة داسو الفرنسية بقيمة إجمالية بلغت 6 مليارات من الدولارات، في حين أن مصر لديها من الطائرات الحربية (منها 230 طائرة F-16) ما يفوق عدد الطيّارين المؤهلين في سلاح الجو المصري!

هذا فضلاً عن أن طائرة «رافال» باهظة الثمن بحيث أن تزوّد بلد كمصر، يرزح ثلث سكانه تحت خط الفقر، بمثل تلك الطائرات يشبه تزوّد فلاحين في واحة في الصحراء، لا ناقة لهم ولا جمل، بسيّارة لامبرغيني.

ثم كشفت صحيفة اقتصادية فرنسية في عام 2017 عن خبر أكّده موقع «مدى مصر» في نهاية السنة ذاتها، ومفاده أن مصر اشترت أربع طائرات فاخرة من طراز Falcon-7x من شركة داسو ذاتها بقيمة تزيد عن 350 مليون دولار.

وتقدَّر كلفة صيانة واستخدام كل طائرة من هذه الطائرات الأربع بما يناهز 1.3 مليون دولار سنوياً (حسب موقع «شربا ريبورت» المتخصص).

أما آخر هدية أهداها السيسي لنفسه فكانت شراءه في نهاية السنة الماضية، أي قبل شهر فقط، لجهاز دفاعي يعمل بالأشعة تحت الحمراء لحماية طائرة Airbus A340 الرئاسية التي كان حسني مبارك قد اشتراها والتي يستخدمها السيسي في رحلاته بعيدة المدى.

أما كلفة ذاك الجهاز الدفاعي الذي تصنعه شركة غرومان نورثروب الأمريكية، فتزيد عن 100 مليون دولار حسب تقرير وكالة الولايات المتحدة للتعاون الدفاعي والأمني.

وتجدر مقارنة سلوك السيسي بما فعله الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيس أوبرادور (يسمّيه المكسيكيون «أملو» اختصاراً، وهي الأحرف الأولى لمكوّنات اسمه الأربعة) في شأن الطائرة الرئاسية في بلاده، بعد تولّيه منصب رئيس الجمهورية في نهاية عام 2018.

وقد كان سلفه ما قبل الأخير في الرئاسة قد اشترى في عام 2012 طائرة Boeing 787 لتكون الطائرة الرئاسية بما أثار انتقادات شديدة نظراً لكلفة الطائرة المرتفعة، وقد غدت رمزاً لبذخ السلطة وفسادها.

كان "أملو" أحد أبرز الناقدين، فلمّا تولّى الرئاسة أعلن أن لا حاجة له لطائرة خاصة والتزم ركوب الخطوط الجوّية العادية مثله مثل سائر المواطنين، فقرّر بيع الطائرة الرئاسية، لاسيما أن كلفة صيانتها بالغة الارتفاع (بيد أن بيعها يواجه صعوبات جمّة بما يؤكد درجة التبذير التي يشكّلها شراء مثل هذه الطائرات).

وخلاصة الحديث أنه بينما بدأ حكم عبد الفتّاح السيسي بتصفية بعض أبرز أركان القطاع العام في مصر وطرح شركات عدّة في البورصة، بما فيها شركات تابعة للقوات المسلّحة، كان حرياً به أن يبيع الطائرة الرئاسية التي ورثها من حسني مبارك، بدل أن ينفق ملايين الدولارات الإضافية عليها ويشتري طائرات فخرية أخرى فضلاً عنها.

والحال أن مصر في عهد السيسي بلغت المرتبة العالمية الثالثة في استيراد الأسلحة بعد الهند والمملكة السعودية، وقبل الإمارات المتحدة والصين! هذا في حين أن نسبة ديون مصر لناتجها المحلّي الإجمالي شديدة الارتفاع (90 بالمئة) ويعاني سكانها من إفقار مستمر، فاقمته جائحة كوفيد-19 التي يُعدّ حكم السيسي بين الأسوأ في العالم في إدارة التصدّي لها.

ولم يبقَ للمصريين سوى أن يحلموا أن السيسي سوف يستقل قريباً إحدى الطائرات الفخرية التي يحوز عليها للهروب من مصر، على غرار هروب الملك فاروق على يخته بعد أن أطاح به «الضباط الأحرار» في «ثورة 23 يوليو» قبل ما يناهز سبعين عاماً، أو هروب زين العابدين بن علي إلى المملكة السعودية على متن إحدى طائرات الخطوط الجوّية التونسية قبل عشر سنين (كانت الطائرة الرئاسية التي اشتراها بن علي، وهي شبيهة بتلك التي اشتراها مبارك، موجودة في فرنسا آنذاك بداعي الصيانة).

* د. جلبير الأشقر كاتب وأكاديمي من لبنان

المصدر | القدس العربي