الجمعة 19 فبراير 2021 11:59 م

كان هناك ارتياح في باريس عندما تم انتخاب "جو بايدن" في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 ليكون الرئيس رقم 46 للولايات المتحدة.

ويأمل الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون"، الذي سارع لتهنئة نظيره الأمريكي الجديد، في إعادة بناء شراكة أكثر استقرارا بين واشنطن وباريس وخاصة في قضايا الشرق الأوسط.

ومع ذلك، سيواجه شهر العسل هذا اختبارا واقعيا عاجلا أو آجلا.

وكان من المتوقع تعزيز العلاقات الأمريكية الفرنسية بعد "دونالد ترامب".

وتحدث "ماكرون" و"بايدن" عبر الهاتف، في 10 نوفمبر؛ ليصبح رابع زعيم يتحدث مع الرئيس الأمريكي الجديد بعد تنصيبه في 20 يناير/كانون الثاني.

علاوة على ذلك، فإن مبعوث "بايدن" للمناخ "جون كيري"، ووزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكين"، ومبعوث إيران "روبرت مالي"، جميعهم يتكلم الفرنسية بطلاقة.

وأمضى "بلينكين" و"مالي" جزءا من طفولتهما في باريس، وحضرا معا في مدرسة "إيكول جينين مانويل".

ومن ثم، فإن التوقع هو أن التنسيق الأمريكي الفرنسي، ولا سيما في الشرق الأوسط، سيزدهر في عهد "بايدن". وهناك 3 أسباب وراء تباطؤ هذا الزخم في التقدم إلى الأمام.

  • ارتدادات عهد "ترامب"

وكانت العلاقات الأمريكية الفرنسية في عهد الرئيس السابق "دونالد ترامب" متذبذبة على أقل تقدير.

وقاد "ماكرون" في البداية تحركا دبلوماسيا لتأمين تعاون "ترامب" في القضايا الدولية.

 وروى دبلوماسي فرنسي أنه في أوائل عام 2017، شكلت كل من واشنطن وباريس مجموعات عمل، وكانتا على اتصال يومي بشأن قضايا الشرق الأوسط.

ومع ذلك، فإن التقارب الشخصي بين الزعيمين، الذي وُصف ذات مرة بأنه "صداقة"، تلاشى مع إجراءات "ترامب" الحمائية والانسحاب من الاتفاقيات متعددة الأطراف مثل اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني.

وأكد "ماكرون" مؤخرا في مقابلة أن إدارة "ترامب" عاقبت الشركات الفرنسية لخرقها العقوبات الأمريكية بشأن التعامل مع إيران.

وأضاف أن "هذا يعني أنه يمكن إدانة شركاتنا من قبل قوى أجنبية عندما تعمل في دولة ثالثة، وهذا انتهاك للسيادة، وحرمان من إمكانية اتخاذ القرار بأنفسنا، وهذا يضعف موقفنا بشكل كبير".

وترك نهج "ترامب" العدائي تجاه الحلفاء في أوروبا وحلف شمال الأطلسي ندبة في باريس، وشجع "ماكرون" على التمسك بخطته طويلة الأمد للحياد الفرنسي في العلاقات الدولية، وهي خطوة يمكن أن تعزز في الوقت نفسه مصالح بلاده في الخارج مع تحسين نتائج استطلاعات الرأي في الداخل.

ببساطة، لم تكن مغازلة "ترامب" أمرا شائعا في فرنسا، ولم يكن لها فوائد استراتيجية لـ"ماكرون".

وتميل آراء الرئيس الفرنسي إلى آراء "بايدن" أكثر من "ترامب".

ومن المتوقع أن تكون العلاقة بين "بايدن" و"ماكرون" ثابتة وقائمة على المصالح الاستراتيجية. وتظهر رسائل "ماكرون" إلى الإدارة الأمريكية الجديدة أن فرنسا لم تتجاوز بعد تداعيات القرارات الأمريكية خلال عهد "ترامب".

  • العقيدة الأوروبية في فرنسا

ومنذ انتخاب "بايدن"، عزز الرئيس الفرنسي على الأقل في مناسبتين عقيدة "ماكرون" وخطته الطموحة للحكم الذاتي الأوروبي، وروج صراحة لهذه الفكرة كمحاولة لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.

وابتعد "ماكرون" عن ميول التدخل الإنساني لسلفيه، "نيكولا ساركوزي" و"فرانسوا هولاند"، وأعاد السياسة الخارجية الفرنسية التقليدية لـ"شارل ديجول" و"فرانسوا ميتران" و"جاك شيراك".

وفي مقابلتين بتاريخ 12 نوفمبر و4 فبراير/شباط، نقل "ماكرون" 3 رسائل إلى "بايدن" حول العلاقات عبر الأطلسي، وهي الاستقلال الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي لتولي مسؤولية الدفاع عن نفسه، والحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم "الناتو"، والحياد النسبي لفرنسا في التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا.

وعندما أثار "ماكرون" هذه القضايا علنا في نوفمبر 2018، وصف "ترامب" تصريحاته بأنها "مهينة للغاية"، وبدأت العلاقة بين الاثنين في التدهور.

والآن، يختبر "ماكرون" علاقته مع "بايدن".

وأشار الرئيس الفرنسي في 5 فبراير إلى أن "الحكم الذاتي الاستراتيجي" لأوروبا "يصب بالتأكيد في مصلحة الولايات المتحدة"، وتساءل عن نشر القوات الأمريكية في أوروبا "بدون مصالح واضحة ومباشرة".

وفي اليوم نفسه، أوقف "بايدن" رسميا الانسحاب المخطط للقوات الأمريكية من ألمانيا، والذي أمرت به إدارة "ترامب" في عام 2020.

ولا يوجد إجماع في ألمانيا بشأن مسألة الانسحاب الأمريكي بالرغم أن وزيرة الدفاع الألمانية "أنجريت كرامب كارينباور" كتبت مقال رأي في نوفمبر انتقدت فيه "ماكرون"، قائلة إن "أوهام الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي يجب أن تنتهي، فلن يتمكن الأوروبيون من استبدال الدور الحاسم لأمريكا لحماية أمنهم".

وفي الواقع، تشكل أجندة "ماكرون" للحكم الذاتي الأوروبي بعد "ترامب" تحديا لإدارة "بايدن" ولـ"ماكرون" كذلك، الذي قد لا يجد حلفاء متحمسين في بروكسل لتحقيق هذا الهدف.

ويسعى "ماكرون" إلى إعادة تعريف مهمة "الناتو" واعتماد "قاعدة سلوك واضحة بين الدول الأعضاء"، وهو هدف كان مدفوعا بشكل أساسي بالتوغل التركي في سوريا عام 2019 وفي ليبيا عام 2020، وكلاهما حدث بموافقة ضمنية من "ترامب".

وفي يوليو/تموز 2020، علقت باريس مشاركتها في عملية "الناتو" البحرية في البحر الأبيض المتوسط ​​بعد أن فشل الحلف في تأييد مزاعم باريس بأن السفن الحربية التركية كانت عدوانية تجاه سفينة حربية فرنسية حاولت تفتيش سفينة تركية لاحتمال انتهاكها لحظر الأمم المتحدة على السلاح إلى ليبيا.

وحتى قبل هذا الحادث، وصف "ماكرون" الناتو بأنه "ميت دماغيا" بالنظر إلى ما اعتبره التزام "ترامب" الضعيف تجاه التحالف عبر الأطلسي. ويريد الرئيس الفرنسي أن يركز "الناتو" على الجهاديين في أفريقيا والشرق الأوسط بدلا من ردع روسيا.

ويهدف "ماكرون" إلى إبقاء فرنسا محايدة نسبيا في التنافس الأمريكي مع الصين وروسيا من خلال الاستمرار في الانخراط مع بكين وموسكو لمنع الصراعات في النظام الدولي.

وقال "ماكرون": "وجهة نظرنا هي أن الصين شريك ومنافس كما هي خصم منهجي، وأنه من المستحيل أن يكون هناك سلام واستقرار في أوروبا إذا لم نكن في وضع يسمح لنا بالتفاوض مع روسيا".

وضغط "ترامب" على أوروبا لمواجهة الصين وعدم منح عقود لعملاق الاتصالات الصيني "هواوي" لبناء بنية تحتية جديدة للجيل الخامس، وقد يتوقع "بايدن" أن تكون فرنسا وحلف شمال الأطلسي أكثر حزما تجاه روسيا.

وسيتعين على "بايدن" التوصل إلى تفاهم مع فرنسا في هذا السياق.

  • المصالح والأولويات المتباينة في الشرق الأوسط

يعد الشرق الأوسط مهما للسياسة الخارجية الفرنسية.

وقال "ماكرون" صراحة إن "الشرق الأوسط وأفريقيا جيراننا في حين أنه ليس جوارا أمريكيا".

وفي حين أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الأعوام الأربعة الماضية مكنت تركيا من زيادة نفوذها في المنطقة على حساب النفوذ الفرنسي، فقد استفاد "ماكرون" من نهج المواجهة الذي اتبعه "ترامب" تجاه إيران.

وقد مكن هذا من تقدم المصالح الفرنسية في لبنان والعراق، على سبيل المثال، بالرغم أن قدرة باريس على تحقيق النجاح لا تزال محدودة.

ويتمثل الاختلاف الشامل الأول بين الحكومة الفرنسية وإدارة "بايدن" في مدى مشاركة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

وبينما يأمل "ماكرون" أن تسحب الولايات المتحدة في نهاية المطاف قواتها من أوروبا، فإنه يطلب من إدارة "بايدن" زيادة وجودها العسكري في العراق وسوريا.

وألمح "ماكرون" إلى ما يتوقعه من إدارة "بايدن"؛ حيث قال: "تخلصوا من القوات التركية في ليبيا. تخلصوا من آلاف الجهاديين الذين صدرتهم تركيا من سوريا إلى ليبيا، في خرق تام لمؤتمر برلين. ولابد من إصلاح النهج في سوريا مع بقية التحالف".

ويعتقد "ماكرون" أن ردع تركيا يمكن تحقيقه من خلال تنشيط دور الولايات المتحدة وإشراك روسيا.

ومع ذلك، من المتوقع أن يواصل "بايدن" الحد من انتشار القوات الأمريكية في مناطق الحرب في الشرق الأوسط.

وفي حين أن هناك مزاجا معاديا لتركيا في إدارة "بايدن"، فمن المرجح ألا يختار البيت الأبيض عمدا المواجهة مع أنقرة.

وفي يناير/كانون الثاني 2020، أثناء زيارتها لواشنطن، قالت وزيرة الدفاع الفرنسية "فلورنس بارلي" إن "فرنسا تدعم دورا أوروبيا أكبر في الشرق الأوسط، بشرط أن يعني هذا التزاما أمريكيا دائما".

وكانت فرنسا نشطة بالفعل في عمليات "مكافحة الإرهاب" في الشرق الأوسط وأفريقيا، لكنها تواصل الاعتماد على الولايات المتحدة للحصول على الدعم الاستخباراتي واللوجستي.

ولم يتضح بعد ما إذا كان "بايدن" يتوقع من الحلفاء في فرنسا وأوروبا المشاركة أو حتى تحمل المزيد من العبء في الشرق الأوسط.

ثانيا، لدى واشنطن وباريس أولويات مختلفة فيما يتعلق بصراعات الشرق الأوسط والحلفاء التقليديين في المنطقة.

ويتحول "ماكرون" بعيدا عن الدور الفرنسي التقليدي المتمثل في دعم مبادئ حقوق الإنسان إلى نهج أكثر واقعية.

وقد استضاف "ماكرون" الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" في باريس في ديسمبر/كانون الأول 2020، ويخطط لزيارة الرياض في مارس/آذار المقبل، فيما يبتعد البيت الأبيض، في الوقت الحالي، عن ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان".

وقال الرئيس الفرنسي إنه يريد إيجاد طريقة لإشراك السعودية وإسرائيل في المفاوضات مع إيران، بينما قد تفضل إدارة "بايدن" آلية أقل تعقيدا في هذه المرحلة.

وتشير هذه التحركات إلى تناقض مع البيت الأبيض الذي يدعي علنا ​​تبني أجندة حقوق الإنسان.

ومع تركيز "ماكرون" أكثر على تركيا فإن ذلك يجعله يتماشى مع السعودية ومصر وإسرائيل؛ ما يجعله أقرب إلى "ترامب" منه إلى "بايدن" في هذه القضية، بالرغم أن الرئيس الأمريكي السابق كان مدفوعا بدلا من ذلك بهوس ردع إيران.

علاوة على ذلك، كان بيان البيت الأبيض بشأن مكالمة "بايدن" و"ماكرون" في 24 يناير أقل حماسا للتنسيق في الشرق الأوسط، دون الإشارة إلى أي قضية محددة.

ويبدو أن قراءة قصر الإليزيه للمكالمة تصور باريس على أنها أكثر حرصا على العمل مع واشنطن، وذكرت بالاسم الاتفاق النووي الإيراني ولبنان تحديدا.

ومع ذلك، لا يوجد الكثير مما يمكن لباريس فعله فيما يتعلق بطهران.

ولم يكن الدور الفرنسي كوسيط بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية ناجحا خلال إدارة "ترامب"، ولم يعد صالحا في عهد "بايدن".

وتجعل استعادة الاتصالات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران الدور الفرنسي أقل أهمية في المحادثات النووية.

ومع ذلك، يمكن لإدارة "بايدن" دعم المبادرة الفرنسية في لبنان؛ مما يجعل كل من واشنطن وطهران أكثر ميلا إلى التسوية ضمن هذه المبادرة بدلا من التعامل المباشر مع بعضهما البعض.

وكان البيان الأمريكي الفرنسي المشترك مع مرور 6 أشهر على انفجار ميناء "بيروت" في 4 أغسطس/آب جديرا بالملاحظة؛ لأنه أظهر أن الولايات المتحدة مستعدة لدعم المبادرة الفرنسية وترك باريس تقود قضية لا تراها إدارة "بايدن" أولوية.

وقلصت الولايات المتحدة من حدة خطابها بشأن لبنان في ظل إدارة "بايدن" واقتربت من النهج الفرنسي.

  • ماذا بعد؟

يمكن لـ"بايدن" و"ماكرون" العمل معا بشأن تغير المناخ، و"كورونا"، والانتعاش الاقتصادي العالمي، لكن جهودهما قد تكون أقل انسجاما مع الصين وروسيا. كما أن المصالح والأولويات الأمريكية والفرنسية في الشرق ليست متوافقة تماما.

وكانت التدخلات الأمريكية الفرنسية السابقة في ليبيا وغرب أفريقيا كارثية؛ لأن كلا الجانبين لديهما درجات مختلفة من الالتزام والرغبة في التدخل طويل الأمد.

وتتيح ميول "بايدن" للانسحاب فرصة لفرنسا لملء الفراغ والتنافس على الطاقة شرق البحر المتوسط.

​​وقد يكون الجواب بالنسبة للولايات المتحدة وفرنسا هو العمل معا عند الحاجة، بدلا من تحالف كامل؛ ما يقلل من تقاسم الأعباء والخيوط المرتبطة بكلا الجانبين.

ولم يتضح بعد كيف يمكن لـ"ماكرون" الجمع بين الاستقلال الأوروبي وحرصه على التعاون مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وكيف يمكن لفرنسا أن تكون محايدة نسبيا تجاه الصين وروسيا بينما تستفيد من تحالفها مع الولايات المتحدة في مناطق أخرى.

ولخص مصدر دبلوماسي أمريكي ما يمكن توقعه للعلاقة الأمريكية الفرنسية في عهد "بايدن"، حيث قال: "لا أعتقد أن كل شيء سيعود إلى طبيعته، ولكن سيكون لدينا المزيد من العلاقات الطبيعية في العلاقات عبر الأطلسي". وفي الواقع، هز "ترامب" الثقة في هذه الشراكة عبر الأطلسي لدرجة أنها قد لا تتعافى بسرعة وبشكل كامل.

المصدر | جوي ماكارون/المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد