الأحد 21 فبراير 2021 02:20 م

"رغم الأجواء السياسية الباردة بين تركيا وأرمينيا، بعد دعم الأولى لأذربيجان في حرب إقليم قره باغ الأخيرة، إلا أن العديد من التوقعات ترجح تعاون البلدين وفتح الحدود المغلقة بينهما منذ عام 1993"..

تقدم "إيكاترينا زولوتوفا" مقاربة تفسيرية لهذه المفارقة، في ظل معطيات وصفتها بأنها "تغير جيوساسي جذري" تشهده منطقة جنوب القوقاز، بعدما آلت الحرب إلى تحرير قره باغ وانتصار أذربيجان، حليفة تركيا.

وذكرت "إيكاترينا"، في تحليل نشره مركز "جيوبوليتيكال فيوتشرز" الأمريكي، أن أنقرة لم تعد فقط منخرطة عسكريا في قره باغ، حيث تشارك القوات التركية في عمليات حفظ السلام مع روسيا، وتجري مناورات مع أذربيجان، بل أصبحت منخرطة اقتصاديًا أيضا، عبر مشاريع البنية التحتية في المنطقة.

بالمقابل، وفي ضوء نتائج الحرب الأخيرة، فإن أرمينيا لم يعد بإمكانها اعتبار دعم حليفتها (روسيا) أمرًا مفروغًا منه، خاصة بعدما اضطرت الأخيرة للبقاء محايدة في الحرب حتى تتجنب خسارة علاقاتها ومصالحها مع أذربيجان وتركيا.

مكانة روسيا كحليف لم تعد كالسابق إذن، وعلى الرغم من أن أرمينيا تواصل طمأنة موسكو بشأن ولائها لتحالفهما، ولا تزال تستضيف قاعدة روسية في "جيومري" (ثاني أكبر مدن البلاد)، إلا أن مآلات الحرب الأخيرة أثارت العديد من الشكوك في "يريفان" حول هكذا تحالف.

وعلى المستوى الاقتصادي، عانت أرمينيا من حالة انكماش بلغت نسبة 8% في عام 2020، وفقًا لبيانات البنك المركزي، ووصل دينها العام حدودا قياسية بلغت 8 مليارات دولار في نهاية العام ذاته، وبات لزاما على "يريفان" التطلع إلى توسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية لتحفيز الاقتصاد، خاصة في وقت لا تتوقع فيه تمويلًا من روسيا، التي تواجه صعوبات اقتصادية خاصة بها.

وهنا تبرز تركيا كملاذ اقتتصادي وحيد تقريبا لأرمينيا بالمنطقة، إذ قد يدفع تطبيع العلاقات مع تركيا أنقرة إلى فتح الحدود؛ ما يسمح بالنقل البري والسكك الحديدية، ويمكن أرمينيا من الوصول إلى البحر الأسود، ويخلق فرصًا للتجارة مع الغرب، ليس فقط الاتحاد الأوروبي، بل ليبيا وسوريا أيضا، حيث تعتبرهما "يريفان" ضمن أسواق أخرى محتملة. 

ورغم أن فتح الحدود الأرمينية التركية يهدد بمزيد من التمكين الجيوستراتيجي لتركيا، العدو التاريخي لأرمينيا، في القوقاز، إلا أن "يريفان" تبدو بلا خيارات أمام الفرص الاقتصادية لفتح الحدود، خاصة في ظل غياب البديل الروسي.

وتمثل التجارة مع تركيا حوالي 5% من إجمالي التجارة الأرمينية، وفقًا للأرقام الرسمية، وبعض قطاعاتها متكاملة بين البلدين بشكل وثيق؛ لاسيما صناعة النسيج الأرمنية، التي تعتمد بشكل رئيسي على الأقمشة التركية.

وفي 31 ديسمبر/كانون الأول الماضي، فرضت الحكومة الأرمينية حظراً لمدة 6 أشهر على استيراد البضائع التركية رداً على دور أنقرة في حرب قره باغ، غير أن موقفها اليوم يبدو مختلفا، وهو ما عبر عنه بعض النواب الأرمن، الذين طالبوا الحكومة ببدء حوار وإقامة علاقات دبلوماسية مع أذربيجان، وصنع سلام مع تركيا، رغم أنهم لم يجدوا دعمًا واسعًا حتى اليوم.

وفي المقابل، يمكن لأنقرة أن تستفيد من تعاون يريفان أيضا؛ لأنه قد يقوي الموقف التركي في القوقاز من جانب، ويبسط نفوذها الاقتصادي في سوق أرمينيا.

كما يمكن أن يفيد فتح الحدود تركيا بمساعدتها على تطوير أراضيها الشمالية الشرقية، التي تظل أقل تطوراً نسبيًا من باقي أنحاء البلاد، وتشهد نزوح تدفقات سكانية منها إلى ولايات أخرى؛ الأمر الذي قد يعزز موقف الرئيس "رجب طيب أردوغان" في الانتخابات المقبلة عام 2023.

لكن يظل إرث الماضي الصعب بين البلدين العائق الأساس أمام ضرورات المصالح الاقتصادية بينهما، فلطالما كانت العلاقات الأرمنية التركية متوترة، منذ أصبحت أرمينيا جزءًا من الدولة العثمانية، خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر.

وفي وقت لاحق، استولت بلاد فارس على أرمينيا الشرقية - التي تشكل اليوم كامل أراضي أرمينيا - بينما ظلت أرمينيا الغربية تحت سيطرة العثمانيين، وبحلول بداية القرن العشرين، كان الأرمن، الذين تركزوا في المقاطعات الشرقية للدولة العثمانية، يشكلون حوالي 20% من سكان أرمينيا الغربية، لكن في عام 1915، قُتل أو طُرد جميع الأرمن منها.

تركيا ترفض الاعتراف بهذه الأحداث على أنها إبادة جماعية حتى اليوم، إذ تعتبرها الحكومة مأساة وتعترف بمقتل عدد كبير من الأرمن، لكنها ترفض توصيف "الإبادة"، وهو ما يعد أحد أكثر نقاط الانقسام حدة بين البلدين.

 في عام 1920، خاضت أرمينيا وتركيا حربًا انتهت بهزيمة أرمينيا والتوقيع في عام 1921 على معاهدة قارص، التي نصت على خسارة أرمينيا لما يقرب من 30% من أراضيها آنذاك، لصالح تركيا.

ورغم أن تركيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال أرمينيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، إلا أن التوترات السياسية بين الدولتين تصاعدت بعد ذلك بوقت قصير، لتقطع تركيا العلاقات الدبلوماسية وتغلق الحدود في عام 1993 خلال حرب قره باغ الأولى بين أرمينيا وأذربيجان.

وبعدما انحازت تركيا إلى أذربيجان خلال حرب قره باغ الثانية، العام الماضي، تراجعت العلاقات مع أرمينيا إلى الحضيض؛ ولذا فإن كثيرا من السياسيين في يريفان يرون مقترح النواب بتطبيع العلاقات الاقتصادية مع أنقرة وفتح الحدود، استسلاما ومحاولة لمحو قضية الإبادة الجماعية المزعومة عام 1915.

ضغط الحاجة الاقتصادية قد يدفع يريفان إلى تغليب لغة المصلحة، والفيصل في هكذا توجه سيكون موقف روسيا، خاصة في ظل ما يمثله من تقليل لاعتماد يريفان على موسكو وتعزيز لحضور تركيا ونفوذها في المنطقة، وفي ظل مكانة أرمينيا لدى روسيا كمفتاح لتوازن القوى الإقليمي.

المصدر | الخليج الجديد + جيوبوليتيكال فيوتشرز