السبت 27 فبراير 2021 12:16 م

بالكاد، مثل تقرير الاستخبارات الأمريكية حول جريمة قتل الصحفي "جمال خاشقجي" مرثية مناسبة لأحد أشهر الصحفيين في العالم العربي؛ حيث تضمن 3 صفحات من النثر الجاف والبيروقراطي، الذي لم يكشف شيئا جديدا.

ففي 26 فبراير/شباط الجاري، أصدرت الولايات المتحدة تقريرا استخباراتيا عن جريمة قتل "خاشقجي" على يد الحكومة السعودية في أكتوبر/تشرين الأول 2018، كان من المفترض نشر التقرير قبل ذلك بعامين، لكن إدارة "دونالد ترامب" عرقلت ذلك في مسعى فج منها لحماية السعودية من العواقب.

وأخيرا، ومع حلول الوقت للإفراج عن تقييم وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي أيه)، تبين أن استنتاجاته معروفة بالفعل: تعتقد أمريكا أن ولي عهد السعودية وحاكمها الفعلي "محمد بن سلمان" وافق على عملية خطف "خاشقجي" أو قتله.

وجاءت العواقب مخيبة للآمال أيضا، إذ أعلنت واشنطن عن عقوبات، تشمل تجميد أصول، المسؤول السعودي "أحمد العسيري" المتورط في مؤامرة القتل، كما فرضت حظر تأشيرات على عشرات السعوديين المتهمين باستهداف المعارضين.

لم تكن هناك عقوبات على ولي العهد، الذي نفى في السابق الأمر بالقتل، لكن كان هناك فقط وعدا بعلاقة صعبة لـ"بن سلمان" مع الرئيس "جو بايدن".

لقد استحوذت جريمة قتل "خاشقجي" على انتباه العالم كما تفعل جرائم قليلة، وكان ذلك جزئيا بسبب مكانته كصحفي مخضرم، ولكونه شخصية معروفة تقريبا لكل من عمل في الشرق الأوسط، سواء أكان دبلوماسيا أو صحفيا أو محللا.

وكانت تفاصيل الجريمة مروعة؛ فقد دخل "خاشقجي" إلى القنصلية السعودية في إسطنبول للحصول على أوراق مطلوبة لإتمام زفافه، لكنه لم يخرج بعدها أبدأ، ولعدة أيام بعد ذلك، أصر السعوديون على أنهم لا يعرفون شيئا عن مكان وجود "خاشقجي".

في الواقع، كان "خاشقجي" قُتل بالفعل داخل القنصلية، وخُنق، وتقطعت جثته إلى أشلاء على يد مجموعة من القتلة الذين استقلوا طائرات خاصة، حتى إن أحد أعضاء الفريق تنكر في هيئة "خاشقجي"، وارتدى ملابسه، وظهر أمام كاميرات المراقبة في شوارع إسطنبول، ليبدو الأمر وكأن الصحفي السعودي غادر مبنى القنصلية بأمان.

كل هذا كان معلوما للجميع منذ 2018، فسرعان ما ألقت الـ"سي آي أيه"، آنذاك، باللوم على "بن سلمان"، وتسرب هذا الاستنتاج، وبحماس، قدمت تركيا، وهي منافس إقليمي للسعودية، تفاصيل تحقيقاتها إلى الصحفيين.

لا يضيف التقرير الأمريكي الصادر عن مكتب مدير المخابرات الوطنية، الجمعة، أي معلومات جديدة، ولا يقدم، على سبيل المثال، أي دليل قاطع على جريمة "بن سلمان".

وبدلا من ذلك، يستشهد بتفاصيل ظرفية مثل سيطرة ولي العهد السعودي على الجهاز الأمني بالمملكة، وتورط مستشار مقرب منه في عملية قتل "خاشقجي"، ويخلص التقرير إلى أنه "من المستبعد للغاية أن يقوم المسؤولون السعوديون بعملية من هذا النوع دون إذن ولي العهد".

ربما يعرف عملاء أمريكا أكثر مما تم السماح بنشره؛ فما أفرجوا عنه كان مجرد نسخة منقحة من تقرير سري، لكن حتى ذلك كان، بالنسبة لـ"ترامب"، أكثر من المسموح بالكشف عنه، لقد تمتع "بن سلمان" بعلاقة وثيقة مع إدارته، لا سيما مع "جاريد كوشنر"، صهر الرئيس ومستشاره.

وفي عام 2019، أقر الكونجرس قانونا يلزم "ترامب" بالإفراج عن نسخة غير سرية من تقرير الاستخبارات الأمريكية يمكن نشرها على الملأ، لكن "ترامب" تجاهل ذلك، وفي مقابلة مع "بوب وودوارد"، وهو صحفي في صحيفة "واشنطن بوست" لاحقا، تفاخر "ترامب" بحماية الأمير، قائلا: "لقد أنقذت مؤخرته"، وحسب ما ورد قال "ترامب": "لقد تمكنت من إقناع الكونجرس بتركه وشأنه".

يبدو أن "بايدن"، الذي وصف السعودية أثناء حملته الانتخابيه بأنها "منبوذة"، مصمم على إنهاء هذا الاحتضان للمملكة. وبصرف النظر عن إصدار التقرير، رفض "بايدن" بشكل قاطع الاتصال بولي العهد السعودي، وقدم مساعدوه الأمر على أنه مسألة بروتوكولية بحته، إذ قالت السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض "جين بساكي" إن "نظير الرئيس هو الملك سلمان (تحدث الزعميان هاتفيا في 25 فبراير/شباط)".

وبدلا من ذلك، وقعت مهمة الاتصال بالأمير "بن سلمان"، وهو أيضا وزير الدفاع السعودي، على عاتق وزير الدفاع الأمريكي "لويد أوستن"، وهذه الحجة البروتوكولية ليست خاطئة، لكن لو كان "بايدن" يريد، فلن يكون من الصعب بالنسبه له التحدث مع ولي عهد دولة تعتبر شريكا قديما للولايات المتحدة.

إن صمت "بايدن"، وعمله السريع للإفراج عن التقرير، يعبران عن استياء الولايات المتحدة من "بن سلمان"، فهناك قائمة طويلة من المظالم التي تسبب فيها الأمير، هناك مثلا حرب اليمن، التي دخلت عامها السابع الآن، والتي تشهد فشلا استراتيجيا وكارثة إنسانية.

وفي 4 فبراير/شباط الجاري، أعلن "بايدن" أن أمريكا ستنهي دعمها العسكري للتحالف العربي، الذي تقوده السعودية في اليمن، كما يشعر العديد من الديمقراطيين بالغضب من الحملة القمعية الشاملة التي تمارسها المملكة بحق المنتقدين.

لقد جذبت قضية "خاشقجي" أكبر قدر من الاهتمام، لكن السلطات في المملكة استهدفت الجميع في حقيقة الأمر، من رجال الدين المحافظين، إلى ناشطي حقوق المرأة. (أفرجت محكمة سعودية عن الناشطة المعروفة "لجين الهذلول" في 10 فبراير/شباط الجاري، رغم أنها لا تزال تحت حظر السفر وقيود أخرى).

لا يجادل المدافعون عن ولي العهد في أنه كان قاسيا، وبدلا من ذلك، يجادلون بأنه ليس لديه خيار آخر، فمنذ عام 1953، يحكم المملكة أبناء الملك الراحل "عبدالعزيز آل سعود"، مؤسس الدولة السعودية الحديثة، ومثل صعود "بن سلمان" للسلطة تحولا طال انتظاره عن حكم الشيخوخة. لكن الأمير الشاب لديه أعداء أقوياء في المملكة، من أفراد العائلة المالكة الأقل شأنا، والذين يشعرون بالغيرة من صعوده، إلى رجال الدين، الذي كانوا في السابق في مكانة لا يُسمح بالمساس بها، والآن يتم تهميشهم، سيكون الكثيرون سعداء لرؤية "بن سلمان" يبتعد عن العرش.

لكن، كما يذهب النقاد، كان "خاشقجي" معتدلا، وعضوا من داخل المؤسسة السعودية أراد الإصلاح بدلا من الثورة عليها، كما طالبت "الهذلول" بالحق في قيادة السيارة، وهو حق مُنح لاحقا للمرأة السعودية.

لقد رسخ ولي العهد، الذي يبلغ من العمر 35 عاما فقط، سمعته كحاكم شرير ومتهور، ويبدو أن تقرير "سي آي إيه" يؤكد هذا الرأي، وبصرف النظر عن اتخاذ مسافة منه، لم يقرر "بايدن" بعد كيفية التعامل مع "بن سلمان"، وهو سؤال قد يربك العديد من الرؤساء الأمريكيين القادمين.

المصدر | إيكونوميست - ترجمة وتحرير الخليج الجديد