الخميس 4 مارس 2021 12:17 ص

خلال السنوات الأخيرة، سعت روسيا لاستكشاف فرص جديدة لاستعادة مكانتها العالمية المعرضة للخطر، مع تدهور علاقاتها مع أوروبا وتراجع شراكتها مع الصين بشكل واضح، وقد وجدت ضالتها في فرص لا بأس بها في الشرق الأوسط.

ولكن، بينما سعت موسكو إلى استغلال هذه الفرص لمتابعة ألعابها الجيوسياسية الكبرى، فإنها حُصرت في كثير من الأحيان في صراعات مع تركيا في أماكن مثل إدلب في سوريا أو سرت في ليبيا.

وحاليا، أدت سلسلة التحركات الاستباقية لإدارة "جو بايدن"، والتي بدأت في رسم مسارها عبر الصراعات المعقدة في الشرق الأوسط، إلى إثارة سعادة وحذر الكرملين في الوقت ذاته.

يرى صانعو السياسة في روسيا أن التطورات الأخيرة تحمل فرصا فيما يخص التنافس مع خصمهم الأكبر في هذه المنطقة المعقدة؛ لكنهم قلقون في الوقت نفسه، من احتمال انكشاف نقاط ضعف السياسة الروسية في خضم هذه العملية.

وكان أبرز ما قامت به الإدارة الأمريكية الجديدة هو الضربة الجوية في 25 فبراير/شباط الماضي على نقطة تفتيش تابعة لميليشيات موالية لإيران على الحدود الشرقية لسوريا، رداً على هجمات سابقة على منشآت أمريكية في العراق.

وقد أصدرت وزارة الخارجية الروسية على الفور إدانة شديدة ضخمها عدد من نواب مجلس الدوما؛ وفي غضون ذلك، اشتكى وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" من أن القيادة الروسية في سوريا تلقت تحذيرًا أمريكيًا قبل الضربة بـ5 دقائق فقط، بالرغم أن الهدف كان بعيدًا عن القواعد الروسية ومناطق الدوريات.

وفي حين أن الرئيس "بايدن" كان له دور مباشر وعلني في قرار تنفيذ قصف جوي (تمامًا مثل سلفه)، فإن الرئيس "فلاديمير بوتين" لم يتحمل أبدًا المسؤولية عن أي ضربات روسية وليس لديه خيار للرد بالمثل.

والأسوأ من ذلك بالنسبة لموسكو، أن الضربة الأمريكية عالية الدقة تزامنت مع حكم إدانة أصدرته محكمة ألمانية ضد ضابط سابق في أجهزة الأمن السورية، متهم بالتواطؤ في ممارسة التعذيب.

 ولطالما نظرت روسيا إلى الاتحاد الأوروبي على أنه لاعب لا علاقة له بسوريا، لكن هذه السابقة القانونية قد تشير إلى دور بروكسل المتنامي في نزع الشرعية عن نظام "بشار الأسد".

تقارب خائب مع إسرائيل

هناك خطوة أخرى مهمة من الولايات المتحدة، تمثلت في المكالمة الهاتفية التي أجراها "بايدن" في 17 فبراير/شباط الماضي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو".

وبالرغم أنه كان من المفترض أن تأتي هذه المحادثة الافتتاحية في وقت مبكر عن ذلك وفقا للعادة، إلا إن هذه المكالمة كانت كافية لتبديد بعض التكهنات حول القطيعة في هذه العلاقة الحاسمة.

فقد حاولت روسيا استغلال هذا التأخير للتأكيد على علاقاتها مع إسرائيل. وعلى وجه الخصوص، قام كل من "بوتين" ووزير الدفاع "سيرجي شويغو" بوساطة لإطلاق سراح مواطنة إسرائيلية تم احتجازها كرهينة في سوريا.

وتضمنت الصفقة غير التقليدية إلى حد ما قيام إسرائيل بدفع ثمن لقاحات "كورونا" الروسية "سبوتنيك-في" لتسليمها إلى سوريا، في حين امتنعت موسكو عن انتقادها المعتاد للضربات الجوية الإسرائيلية في سوريا.

ومع ذلك، فشلت المناورة في إبعاد إسرائيل عن الولايات المتحدة، بل يجادل المحللون في موسكو بأن الضربة الأمريكية في 25 فبراير/شباط الماضي كانت أكثر من مجرد انتقام مباشر، حيث كان من المفترض أيضًا أن تكون بمثابة إشارة لإسرائيل مفادها أن إدارة "بايدن" لن تلين مع إيران.

فشل إشراك إيران

سعت موسكو إلى إعادة إشراك طهران في المفاوضات السياسية بشأن سوريا، مع أنها فضلت العام الماضي التعامل مع أنقرة بشكل ثنائي، لكن الاجتماع الأخير في "صيغة أستانا" التي أعيد تأهيلها (تشمل روسيا وتركيا وإيران) كان غير مثمر كما هو متوقع.

ولطالما كانت القضية الرئيسية للشرق الأوسط بأكمله متمثلة في مصير الاتفاق النووي الإيراني، أو ما يسمى بخطة العمل الشاملة المشتركة؛ وفي هذا الإطار، تؤكد روسيا التزامها بالاتفاق لكنها لا تقدم أي مساعدة في إعادة إحيائه.

ومن خلال المراقبة الدقيقة للرسائل بين واشنطن وطهران، يبدو أن أفضل سيناريو بالنسبة لموسكو، هو أن تنهار محاولات التوصل إلى حل وسط مرة أخرى بين الطرفين، وتفضل روسيا أن يتمسك الخصمان بالمطالب غير المقبولة، لتستفيد موسكو من فشل فريق "بايدن" المحتمل، ما يسمح لها بمواصلة شجب "التناقض الأمريكي الخبيث" ومواصلة تحدي العقوبات.

قابلية روسية للاستغلال

هناك خطوة أخرى مهمة اتخذتها واشنطن، وتمثلت في المكالمة الهاتفية التي أجراها "بايدن" مع العاهل السعودي الملك "سلمان بن عبدالعزيز" يوم 25 فبراير/شباط الماضي، والتي استبقت إصدار تقرير المخابرات الأمريكية الذي يشير إلى تورط ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" في مقتل الصحفي "جمال خاشقجي" في أكتوبر/تشرين الأول 2018.

أوضح "بوتين" سابقًا للأمير القوي أنه لا يهتم بمثل هذه الأمور عندما التقيا في قمة مجموعة العشرين في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وأكد هذا الموقف في مكالمته الهاتفية قبل أسبوعين.

وتأمل موسكو في أن تكون التعقيدات في العلاقات الأمريكية السعودية في مصلحة روسيا وأن تجعل الرياض تلقي انتباهاً أكبر لمصالح روسيا الرئيسية بما في ذلك حصص إنتاج النفط والملف السوري.

ويفترض الكرملين أن أجندة "بايدن" الداعمة للديمقراطية لن يتقبلها حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، من مصر والأردن إلى تركيا، في حين أن الحلفاء الأوروبيين الذين يتبنون هذه الأجندة ليست لديهم النية ولا القدرة على التدخل في صراعات الشرق الأوسط.

ويمكن لروسيا أن تتجاهل بعض الاشتباكات الإقليمية في الشرق الأوسط، مثل الحرب في اليمن، وتتلاعب بأخرى، كما هو الحال في ليبيا، حيث تعلن موسكو دعمها لعملية السلام، بينما نشر مئات من مرتزقة مجموعة "فاجنر" الذين يفاقمون الانقسام في البلاد ويعيقون إنتاج النفط.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن روسيا تحرص على زيادة الصعوبات الأمريكية في التفاوض على إنهاء الصراع في أفغانستان وتواصل فتح قنواتها الخاصة للمحادثات مع طالبان، وعادة ما يكون من الأسهل والأرخص بكثير لعب دور المفسد في المناورات السياسية المتعلقة بالصراعات العميقة، والتي لن يساعد حلها في تعزيز المصالح الروسية.

وتكمن مشكلة هذه السياسة "الغادرة" في أن أصحاب المصلحة المحليين يمكن أن ينسجموا بسهولة مع ادعاءات موسكو، ويحرصوا على استغلال طموحات روسيا في أن تصبح قوة عظمى مثلما استغل أسلافهم العقائد الأيديولوجية السوفييتية لأغراضهم الضيقة.

وغالبًا ما يستخدم هؤلاء التقارب مع روسيا كوسيلة لابتزاز الولايات المتحدة، ما لم تذهب المؤامرات بعيدًا وتؤدي إلى نتائج عكسية، كما هو الحال في قرار تركيا شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية "S-400".

أما النقطة التي تتلاقى فيها مصالح الأطراف الإقليمية، وتلائم روسيا في الوقت ذاته، فهي الرغبة في جذب انتباه الولايات المتحدة بعيدًا عن تركيزها الاستراتيجي على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي تتسم بنمو مذهل وتوترات متصاعدة.

المصدر | بافل كي بايف | مركز جيمس تاون - ترجمة وتحرير الخليج الجديد