نموذج الغرب الحديث وآثاره

من آثار النموذج الغربي الحديث القائم على «صراع الحضارات» إبادة الثقافات الوطنية، واللغات المحلية، باسم التثاقف أو المثاقفة.

في الظاهر تحديث وتمدن وتفاعل الثقافي وحوار وأخذ وعطاء لكنها فعلا تغريب الثقافات المحلية ومسخها وفرض ثقافة المركز على حساب الأطراف!

انقسمت أفريقيا وآسيا إلى أنكلوفونية وفرانكفونية ولم يستطع الأفارقة الحديث بينهم إلا بلغات الرجل الأبيض أو التواصل جغرافيا إلا عبر عواصم «المتروبول».

باسم أسطورة «الثقافة العالمية» أصبح يتم ترويج الحضارة الغربية وكأنها آخر ما وصلت إليه البشرية من تقدم، وأن قيمها هي قيم لكل البشر.

باكتساح شامل تم القضاء على ممالك بخارى وسمرقند وطشقند ودلهي وكابل ولاهور وإحلال ثقافة غربية ليبرالية ثم ماركسية محل ثقافات تقليدية إسلامية وغيرها.

*     *     *

ما تم غرباً من انتشار الغرب الحديث عبر القارتين في نصف الكرة الغربي، وما تم جنوباً من التفاف الرجل الأبيض نحو القارة السمراء تم أيضاً باتجاه الشرق عبر الالتفاف نحو آسيا من خلال الهند وجزر الهند الشرقية حتى أواسط آسيا والصين.

وخلال ذلك تم القضاء على إمبراطورية المغول في الهند والاستيلاء على إندونيسيا والملايو والفلبين والهند الصينية وهونغ كونغ. وقد شاركت في ذلك الاكتساح معظم القوى الغربية، مثل فرنسا وانكلترا وهولندا والبرتغال وإسبانيا، هذا من الجنوب.

أما من الشمال فكانت هناك روسيا، مما وضع العالم الإسلامي في آسيا بين المطرقة والسندان، كما وُضعت أفريقيا في موقف مشابه من خلال استعمار فرنسا وإيطاليا لها من الشمال وإنجلترا لها من الجنوب، وشق طريق يربط بينهما «من كيب تاون إلى القاهرة».

وخلال هذا الاكتساح الشامل تم القضاء أيضاً على ممالك بخارى وسمرقند وطشقند ودلهي وكابل ولاهور.. وبدأت عملية إحلال الثقافة الغربية، ليبرالية أولا ثم ماركسية ثانياً، محل الثقافات التقليدية الإسلامية والبوذية والهندوكية والكونفوشيوسية.

ولما كانت أستراليا ونيوزيلاندا امتداداً لآسيا من الجنوب الشرقي فقد تم احتلال إنجلترا لهما والقضاء على السكان الأصليين، وتحويلهما من قارة صفراء إلى قارة بيضاء. وبسبب ذلك ما زالت أزمة الهوية مثارة في استراليا؛ أهي أوروبية أم آسيوية؟

وكان من آثار هذا النموذج الغربي الحديث، والقائم على مبدأ «صراع الحضارات»، محاولة القضاء على الثقافات الوطنية، واللغات المحلية، باسم التثاقف أو المثاقفة، وهي عملية تعني في الظاهر التحديث والتمدن والتفاعل الثقافي والحوار المتبادل والأخذ والعطاء..

لكنها في الحقيقة تعني تغريب الثقافات المحلية ومسخها وانتشار ثقافة المركز على حساب ثقافة الأطراف، ابتداءً من اللغة وباقي أشكال التعبير الثقافية الأخرى، حتى انقسمت أفريقيا وآسيا إلى أنكلوفونية وفرانكفونية. ولم يستطع الأفارقة الحديث فيما بنهم إلا عبر لغات الرجل الأبيض أو الاتصال جغرافيا بين مناطقهم إلا عبر عواصم «المتروبول».

وباسم أسطورة «الثقافة العالمية» أصبح يتم ترويج الحضارة الغربية وكأنها آخر ما وصلت إليه البشرية من تقدم، وأن قيمها هي قيم لكل البشر، بما في ذلك مبادئ الفردية والنسبية والشك واللاأدرية، وأن مراحل تاريخها هي مراحل تاريخ سائر شعوب المعمورة، القديم والوسيط والحديث، وأن لغاتها هي اللغات العالمية.

كل ذلك في الحقيقة تعبير عن لحظة واحدة في التاريخ هي لحظة الغرب الحديث، وكأن تاريخ البشرية الذي يمتد آلاف السنين ما هو إلا مقدمة لتاريخ الغرب الحديث.

وبعدها يتوقف التاريخ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها! التقدم التكنولوجي هو مقياس تقسيم الشعوب إلى متقدمة ومتخلفة أو نامية (أي في طريق النمو).

ونموذج الانقطاع بين القديم والجديد، بين التراث والحداثة، هو نموذج كل الحضارات.

فقد تقدم الغرب بهذا النموذج وأثبت نجاحه. ومع أن اليابان والصين وكوريا وكثير من البلاد الآسيوية، قد تقدمت بنموذج مخالف، هو نموذج التجاور، أي تجاور القديم والجديد، القديم للحياة الخاصة، والجديد للحياة العامة، في حالة من التجانس والوئام دون خلط بينهما أو تدخل أحدهما في الآخر، تماماً مثل وظيفة المرأة ووظيفة الرجل.

وتتبنى الحضارة العربية الإسلامية نموذجاً ثالثاً، هو نموذج التواصل، الجديد من القديم؛ استمراراً له وتجديداً فيه. لذا كان الاجتهاد مصدراً من مصادر التشريع، وظهور مجدد في كل عصر طبقاً لحديث المجددين الشهير.

* د. حسن حنفي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة

المصدر | الاتحاد