الخميس 15 أكتوبر 2015 06:10 ص

السؤال الذي تصعب إجابته في التاريخ السياسي والاقتصادي لدول الخليج العربي: لماذا لم تكن هذه الدول عُرضة للتغير السياسيّ في عاميّ 1986و1998؟

أو بصيغة أخرى، كيف نجحت هذه الدول في بناء استقرارها السياسي على عامل شديد التأرجح، كـ«رَيْع النفط»؟

تتلخّص علاقة النفط بالسياسة في الخليج العربيّ في ثلاث حقائق:

الأولى، أن ريع النفط هو عصب العلاقة بين المواطنين والحكومات التي يتمثل دورها الأساسي في النشاط الاستخراجي لريع النفط والتوزيعي على شكل رواتب لموظفي الحكومة والإنفاق على التعليم والصحة والإسكان وضخّ مبالغ طائلة في قطاعات تجارية، كالمقاولات والعقار، وعبر هذا الإنفاق بالذات، تتمكن هذه الحكومات من الاحتفاظ بولاء المواطنين.

الحقيقة الثانية أن النفط من أكثر السّلع تقلباً وتأرجحاً في العالم، فبرميل النفط الذي باعته هذه الحكومات في 2008 بـ147 دولاراً، كانت تبيعه قبل عشر سنواتٍ فقط عام 1998م بثماني دولارات. وبناءً عليه، يتأرجح إنفاق الدولة الريعية بحدّة، كان مُجمل ما أنفقته الدولة في السعودية على كل قطاعاتها عام 1998، لا يتجاوز 190 مليار ريال، بينما أنفقت الدولة على التعليم وحده عام 2012 أكثر من 200 مليار ريال. 

الحقيقة الثالثة: على الرغم من ارتباط المواطنين بالحكومات الخليجية في «علاقة نفطية»، وعلى الرغم من تراجع قدرة هذه الحكومات على الوفاء بمتطلبات هذه العلاقة عند انهيار أسعار النفط، فإن علاقة المواطنين بالحكومات تظل مستقرة وفق الأسس نفسها، ولا يطرأ عليها أيّ تغير حقيقي، وهو ما يشهد عليه تاريخ المنطقة.

فقد وصلت أسعار النفط إلى القاع في أعوامٍ سابقة، كعامي 1986و 1998، ولم تمثّل تلك الأعوام قاعدة لانطلاق حركات اجتماعية من أجل التغيير السياسي في الخليج، بل على العكس في حالة الكويت مثلاً التي ارتبط فيها، عام 1986 وما تلاه، بتغوّل السلطة وتعطيل الدستور الذي لم تعد إلى العمل به إلا مضطرة بعد تحرير الكويت.

أما أزمة الصحوة وشيوخها فلم تنفجر في السعودية إلا بعد غزو الكويت الذي صاحبه تحسّن سريع في أسعار النفط ومداخيل الدولة، وحركة البيانات والعرائض الإصلاحية في بداية الألفية جاءت عقب هزّة 11 سبتمبر.

كيف يمكن فهم هذه الحقيقة الثالثة؟ 

هناك فرضيّات لا تتوفر دراسات حولها، كافتراض مرونة الدولة الخليجية النفطية فيما يخصّ الاقتراض في أوقات الأزمات برسم السداد في وقت الخصب. وبهذا، تستمر في الإنفاق على رفاه المواطنين، والحفاظ على التزاماتها تجاههم بحدٍ أدنى، وقد بلغ الدين العام لدولةٍ، كالمملكة العربية السعودية، في نهاية عقد التسعينيات العصيب، أكثر من 600 مليار ريال.

أو يمكن افتراض نشوء حركات اجتماعية بالفعل عقب الأزمات النفطية وشُحّ الموارد، لكنها حركات محدودة، يمكن للسلطة تطويقها أمنياً، وعزلها اجتماعياً. لكن، ثمة فرضية أخرى، تمتّ دراستها بالفعل، لا تعزو الاستقرار السياسي في الدولة النفطية الريعية إلى سيطرة السلطة، بقدر ما تعزوه إلى تصورات المواطنين. 

في كتاب نقمة النفط، يخصص أستاذ العلوم السياسية، مايكل روس، فصلاً بعنوان «بترول أكثر، ديمقراطية أقل»، لمناقشة أثر النفط في إعاقة تحول الدول نحو الديمقراطية، يستنتج فيه أن مواطن دولة الرفاه النفطية يجري حساباته الخاصة التي يقارن فيها بين ما يدفعه رسوماً أو ضرائب للحكومة، وما يتلقّاه منها، كما يقارن بين ريع النفط الذي تعلن عنه الحكومة رسمياً، ونصيبه من هذا الريع.

إذا كانت الحصيلة النهائية لحسابات المواطن تُشير إلى أنه يأخذ أكثر مما يدفع، وإلى أن نصيبه من ريع النفط في حدود المقبول، فإن المواطن سيتمسّك بهذه «الصفقة السياسية» القائمة بينه والحكومة، وستبقى ميوله نحو التغيير السياسي منخفضة. الجميع في هذا النموذج يكون مدمناً على ريع النفط، حكوماتٍ ومواطنين.

فالحصّة المضمونة من الريع التي تأتي على شكل رواتب وخدمات ودعم للسلع الأساسية، تظل أكثر إغراءً بكثير للمواطن من عروض الخيال السياسي التي تتحدث عن حكومات وبرلمانات منتخبة وحرية التعبير والتجمع ورقابة على المال العام، لكنها تعجز عن تقديم بديل مقنع للصفقة السياسية التي تحكم الخليج. بل من الواضح أن هذه الصفقة السياسية تظلّ محبّذة ومفضلة عند المواطنين، حتى في مراحل انهيار أسعار النفط وسيادة سياسات التقشّف وشدّ الحزام، إذ يبدو أن القليل المضمون الذي تقدمه دولة الريع النفطي يظل، في أسوأ حالاته، قادراً على إرضاء المواطنين، وملاقاة الحدّ الأدنى من توقعاتهم. 

والآن: مَن يخشى انخفاض أسعار النفط في الخليج؟ 

تبارت التوقعات، هذا الصيف، في التنبؤ بحقبة جديدة من شدّ الأحزمة في الخليج، بعد مرحلة غرقت فيها المنطقة في الريع والتّضخم وتحول المليون ريال في الحسابات الحكومية إلى مجرّد «فكّة فلوس»، كالتي يتركها الزبون للنادل على الطاولات مع الفواتير.

تنبأت صحف أجنبية بانهيار أسعار النفط أسوأ من انهيار عام 1986، وانتشرت حالة هلع عامة استعادت المذاق المرّ سنوات التّقشف.

في جميع الأحوال، سيخشى رجال الأعمال والتجار انخفاض أسعار النفط، كون الريع هو المضخة الرئيسة للسيولة التي تُبقي أعمالهم مزدهرة.

ولن تخشى الحكوماتِ شيئاً في المدى المنظور، طالما كان مخزون النفط آمناً والاقتراض ممكناً والريع متوفراً لإبقاء دولة الرفاه تعمل، ولو بطاقتها الدنيا التي تكفي لتأمين تماسك الحكومات.

لا أحد، فيما يبدو، يخشى انخفاض أسعار النفط، بقدر ما يخشاه المواطن الخليجي، فهو يعلم أنهُ سيواجه البطالة، وتقلص فرص التعليم الجامعي، وتراجع الخدمات، إلخ، وذروة الطرافة في هذا المشهد تتمثل في أن المواطن الخليجي هو من سيتحمّل فاتورة تأرجح أسعار النفط، لأنهُ هو مَن يختار التمسك بأصول التعاقد السياسي القائم.

إذا حلّت لعنة التقشّف على الخليج، في الأعوام المقبلة، سيكون المشهد باختصار كالتالي:

جميع المواطنين مُستاؤون. لكن، لا أحد مُستاءٌ حقاً بما يكفي للعمل من أجل إصلاح سياسي واقتصادي. 

دورات تأرجح أسعار النفط بما فيها من غَرَق في فيض الريع أو في قسوة التقشف، وحتى لحظات التحول السياسي في الربيع العربي والدور الذي لعبه الريع في تسكين المجتمعات، كلها تشرح الدرس نفسه للمهتّمين بالإصلاح في الخليج:

وِجهة الإصلاح الأولى لا تتمثّل في الأنظمة السياسية والحكومات، بقدر ما توجد في «عتبة الرضا السياسي» عند المواطنين، والتي توجد في مكانٍ خفيض للغاية.

* إيمان القويفلي كاتبة سعودية وباحثة في علم الاجتماع.