النموذج العربي القديم

لا توجد ثقافة أو حضارة غالبة عظّمت ثقافات الشعوب قدر الثقافة والحضارة العربية الإسلامية.

قام النصارى العرب في الشام وفي «بيت الحكمة» الذي أسسه المأمون في ببغداد بأكبر حركة ترجمة عرفها التاريخ القديم.

رأى فلاسفة مسلمون مثل الكندي والفارابي وإخوان الصفا وابن سينا وابن رشد اتفاقًا بين الفلسفة والدين، بين الحكمة والشريعة.

كان المترجمون عرباً لغة ونصارى دينا ومسلمين ثقافة وكان ولاؤهم للثقافة العربية فنقلوا لها تراث اليونان في العلم والحكمة مباشرة أو عبر السريانية لغة الأديرة.

*     *     *

في مقابل نموذج «صراع الحضارات» الذي تبناه الغرب (أو بعض نخبه السياسية والثقافية على الأقل)، هناك نموذج «حوار الثقافات» الذي تبناه الشرق القديم حتى ظهور الحضارة العربية الإسلامية. وهو نموذج يقوم على الأخذ والعطاء بنوع من الندية والتكافؤ بين طرفيه.

وقد بدأ هذا النموذج في الصين القديمة عندما انفتحت على البوذية الوافدة من الهند جنباً إلى جنب مع الكونفوشيوسية والطاوية. كما عرفته اليابان القديمة عندما انفتحت هي أيضاً على البوذية جنباً إلى جنب مع الشنتوية ثم المسيحية فالإسلام فيما بعد.

وتتجاور الديانات الأربعة في الأسرة الواحدة للصلاة في نفس الحجرة. وانفتحت فارس القديمة على ديانات الشرق، المانوية والمزدكية والزرادشتية أولا، ثم على ديانات الوحي ثانياً، أي اليهودية والمسيحية والإسلام.

كما ظهر هذا النموذج في حضارات ما بين النهرين وكنعان ومصر القديمة، في علاقاتها بحضارات اليونان والرومان غرباً، والهند وفارس شرقاً، والنبط جنوباً. وحدث تداخل حضاري بين مصر والشام، بين العبرانيين والكنعانيين، بين مصر وبين اليونان وبابل، وبين فارس وبابل.

وقد تأكد هذا النموذج وبلغ ذروته مع الحضارة العربية الإسلامية، حيث نزل الوحي بلسان عربي مبين، مؤكداً البلاغة العربية ومتجاوزاً الشعر العربي وأساليب بيانه، معطياً إعجازاً أدبياً بطريقة العرب.

ولم يقض الوحي على الثقافات الموجودة في شبه الجزيرة العربية، مثل اليهودية والنصرانية والحنيفية إلى جانب بعض الديانات الوثنية.. بل حاورها ووصف تطورها التاريخي ومذاهبها وانحراف بعضها عن أصوله الأولى.

لقد أكد الإسلام بعض القيم العربية القديمة، مثل الشجاعة، والكرم، والشهامة، ونجدة الغريب، والصدق في القول، والإحساس بالطبيعة. وفي نفس الوقت غيّر قيماً أخرى وعادات جاهلية، مثل وأد البنات، وعلاقة الرجل بالمرأة، والتمايز بين العبيد والأشراف.

ولما بدأ عصر الفتوحات، وانتشر الإسلام كدين لدى الشعوب المفتوحة، حدث أكبر حوار حضاري بين الحضارة الإسلامية الناشئة والحضارات القديمة، يونانية ورومانية غرباً، وفارسية وهندية شرقاً.

وقام النصارى العرب في الشام (في الرها ونصيبين)، وفي «بيت الحكمة» الذي أسسه المأمون في بغداد، بأكبر حركة ترجمة عرفها التاريخ القديم.

لقد كان المترجمون عرباً لغة، ونصارى ديناً، ومسلمين ثقافة. كان ولاؤهم للثقافة العربية، فنقلوا إليها التراث اليوناني في العلم والحكمة، وذلك بشكل مباشر أو من خلال السريانية، لغة الأديرة.

ولا توجد ثقافة غالبة عظّمت ثقافات الشعوب قدر الثقافة العربية الإسلامية. فأرسطو هو المعلم الأول، والفارابي المعلم الثاني، وأفلاطون صاحب الأيد والنور، وسقراط أحكم البشر، وأفلوطين الشيخ اليوناني، وجالينوس أفضل المتقدمين والمتأخرين، وأبقراط فاضل الأطباء، وهرمس الحكيم، وابن الهيثم بطليموس الثاني.. وهذه كلها ألقاب أطلقها العرب على فلاسفة اليونان القدماء وعلمائهم.

وقد تمت ترجمة كتب اليونان بناءً على حلم المأمون، فقد ظهر أرسطو له في المنام يسأله عن الحسن والقبح، وبان اتفاق العقل والشرع، منطق اليونان وأساليب القرآن. فاستيقظ المأمون، وأسس ديوان الحكمة برياسة حنين بن اسحق وبدأ بترجمة كتب أرسطو.

ولقد بلغ من إعجاب الحضارة العربية الإسلامية به أن وضع البعض أحاديث في تعظيمه مثل: «والله لو كان أرسطو حياً لكان أخلص أتباعي»، كما نسبوا لأرسطو القول: «لو كنت حياً أيام الرسول لكنت أحد أتباعه».. مما يرمز إلى الاتفاق التام بين الفلسفة والدين، بين الحكمة والشريعة.

وهو ما يتفق عليه الفلاسفة المسلمون جميعاً، مثل الكندي والفارابي وإخوان الصفا وابن سينا وابن رشد. وترمز قصة «حي بن بقطان» لهذا الاتفاق. وقد جعل إخوان الصفا حكمة اليونان شرط صحة تفسير الإسلام.

* د. حسن حنفي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة

المصدر | الاتحاد