الخميس 25 مارس 2021 05:09 ص

بعد ما يقرب من 30 عاما من العلاقات المتوترة، شهدت العلاقات السعودية العراقية تحسنا خلال الأعوام الأخيرة فقط.

وتجلى مسار هذا التحسن، الذي ظهر منذ عام 2016، في عدد من التطورات السياسية والاقتصادية من أبرزها فتح معبر "عرعر" الحدودي في نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

وتسعى السعودية من خلال ذلك إلى زيادة نفوذها في العراق لتكون قادرة على منافسة لاعبين إقليميين أكثر رسوخا مثل إيران وتركيا اللتين تعملان منذ فترة طويلة على تنمية العلاقات مع العراق.

وكانت علاقة السعودية بالعراق ضعيفة منذ عام 1990 عندما قطع البلدان العلاقات الدبلوماسية بينهما بعد غزو "صدام حسين" للكويت.

وأدى الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003، وكذلك تعيين "نوري المالكي" رئيسا للوزراء عام 2006، إلى زيادة الانقسام بين الرياض وبغداد.

واتهمت حكومة "المالكي" السعودية بدعم تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق والشام وزيادة العنف في العراق، بينما اتهمت السعودية الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة في العراق بالتمييز ضد السنة، وأصرت على أن قيادة "المالكي" الطائفية عزلت العراق، الأمر الذي زاد من نفوذ إيران.

وتسببت هذه التطورات في فجوة كبيرة في التعاملات الرسمية، وهو الأمر الذي بدأ يتغير فقط عام 2014، عندما تم تعيين "حيدر العبادي" رئيسا لوزراء العراق.

واعتبرت السعودية "العبادي" سياسيا أكثر انفتاحا ورأت في هذا التطور السياسي فرصة لاكتساب نفوذ أكبر في العراق.

وفي عام 2017، زار "العبادي" الرياض والتقى بالملك "سلمان بن عبد العزيز".

وساعد القرار السعودي عام 2016 بإعادة فتح سفارة المملكة في بغداد على تمهيد الطريق لزيارة "العبادي".

وكثفت السعودية من محاولاتها لإصلاح العلاقات مع العراق في محاولة لمواجهة النفوذ الإيراني، وتعزيز اقتصادها وموقعها الإقليمي.

وبالإضافة إلى الزيارات الرسمية بين البلدين، عمل القادة السعوديون على إنشاء مجلس التنسيق العراقي السعودي المشترك عام 2017، وتعهدوا بمبلغ مليار دولار لبناء مدينة رياضية في بغداد عام 2018، ووقعوا 13 مذكرة تفاهم واتفاقية ثنائية عام 2019.

وفي تطور رئيسي عام 2020، تم فتح معبر "عرعر" الحدودي بين السعودية والعراق.

ويتكون مشروع "عرعر"، الذي تبلغ تكلفته 69 مليون دولار، من طريق يبلغ طوله حوالي 150 ميلا يساعد في تنمية الاتصال والتنقل بين البلدين، ويوفر فرص عمل، ويساهم في تعظيم التجارة والاستثمار في المستقبل.

وبالرغم من هذه الجهود، فإن النفوذ الاقتصادي السعودي في العراق متواضع مقارنة بتركيا وإيران.

وفي حين نمت قيمة صادرات المملكة إلى العراق من 23 مليون دولار في عام 2000 إلى 651 مليون دولار في عام 2018، إلا أن هذا لا يزال أقل بكثير مقارنة بالبلدين الآخرين.

وبعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003 وإزاحة "صدام حسين" من السلطة، نما النفوذ الاقتصادي الإيراني في العراق بشكل ملحوظ.

وزادت التجارة بين العراق وإيران من 96 مليون دولار في عام 2000 إلى 8.9 مليار دولار في عام 2018، وفقا لبيانات "كومتريد" التابعة للأمم المتحدة. ويجعل التقارب الجغرافي العراق سوقا مثاليا بالنسبة لإيران.

وحتى عندما أعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات على إيران عام 2018 بعد انسحاب إدارة الرئيس السابق "دونالد ترامب" من الاتفاق النووي، ظل العراق أحد أكبر الشركاء التجاريين لإيران، بعد أن حصل على إعفاءات من العقوبات.

وفي عام 2018، كان العراق ثاني أكبر عميل لإيران بعد الصين، وذهبت 9.3% من إجمالي صادرات إيران إلى العراق.

وكذلك أنشأت إيران منطقة تجارة حرة على حدودها مع العراق عام 2018.

ويعتمد العراق بشكل كبير على إيران في مجال الطاقة، حيث تأتي 30% إلى 40% من إمدادات الطاقة من الغاز الطبيعي والكهرباء من إيران.

وأصدرت الولايات المتحدة إعفاء للعراق للسماح له باستيراد الكهرباء من إيران حتى أبريل/نيسان 2021.

وعادة ما يتم تجاهل تركيا كلاعب اقتصادي عند التفكير في المنافسة التجارية السعودية الإيرانية في العراق.

وكان للعراق دور حاسم في التنمية الاقتصادية لتركيا، وهو حاليا ثالث أكبر سوق تصدير لأنقرة، حيث بلغ إجمالي قيمة الصادرات التركية إلى العراق 9.13 مليار دولار في عام 2020.

وتهتم تركيا بالحفاظ على عراق مستقر وآمن لتوسيع العلاقات الاقتصادية وكذلك لعلاج تخوفاتها بشأن حكومة إقليم كردستان.

وينبع التوتر السياسي بين الحكومتين من إصرار تركيا على أن الحديث عن  استقلال الإقليم يعد تهديدا وطنيا لأنه قد يؤثر على الأكراد داخل الأراضي التركية.

ومع ذلك، كانت حكومة إقليم كردستان سادس أكبر سوق تصدير لتركيا في عام 2011 بقيمة صادرات بلغت 5.1 مليار دولار وثالث أكبر سوق تصدير لها في عام 2013.

وتعد الصادرات التركية الرئيسية إلى العراق هي السلع المصنعة، مثل الآلات ومعدات النقل التي شكلت 31% من إجمالي الصادرات في عام 2017.

وأنشأ البلدان مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى في عام 2008 لتطوير العلاقات الاقتصادية، وخلال الاجتماع الأول في عام 2009، تم توقيع 48 مذكرة تفاهم بين تركيا والعراق.

ويبدو الارتباط الاقتصادي بين السعودية والعراق واعدا لكلا البلدين، وترحب حكومة رئيس الوزراء "مصطفى الكاظمي" بهذا الارتباط بأذرع مفتوحة.

ومع ذلك، فإن الجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى، مثل إيران وتركيا، متأصلة بعمق في الاقتصاد العراقي وتظل منافسة قوية للسعودية.

وبالنظر إلى تلك المنافسة الاقتصادية، التي تغذيها المنافسات من أجل النفوذ السياسي على مستوى المنطقة بين هذه القوى الإقليمية الثلاث، فسوف يستغرق الأمر المزيد من الوقت لزيادة الاستثمار والمشاركة الدبلوماسية، حتى تصبح السعودية أهم لاعب في السوق العراقي.

ومع ذلك، فإن افتتاح معبر "عرعر" الحدودي يعد تطورا مهما ويمهد الطريق لمزيد من التعاون السعودي العراقي في التجارة والاستثمار في المستقبل.

المصدر | سيما الدردري/معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد