الاثنين 5 أبريل 2021 01:37 م

وقعت الصين وإيران مؤخرا اتفاقية استراتيجية من المفترض أن تستمر لربع قرن. ويعتقد بعض المراقبين أن هذا يمكن أن يغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط ويوفر للصين موطئ قدم قوي في المنطقة على حساب الولايات المتحدة.

ومن المتوقع أيضا أن الاتفاقية ستزيد من نفوذ إيران في مفاوضاتها مع الإدارة الأمريكية حول إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة. ويُقال إن الاتفاقية ستوفر أيضا على المدى الطويل لإيران فرصة لتحرير نفسها من القبضة الاقتصادية والاستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها، التي خنقت اقتصادها وقيّدت انتشار نفوذها السياسي في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وكان الاتفاق قيد المناقشة منذ عام 2016، لكن تم تأجيل توقيعه بسبب مخاوف إيران من أنه قد يكون له تأثير سلبي على العلاقات الأمريكية الإيرانية ويؤثر سلبا على تنفيذ أحكام خطة العمل الشاملة المشتركة التي تدعو إلى رفع العقوبات عن إيران.

وأقنع انسحاب الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب" من الاتفاق النووي وإعادة فرض عقوبات أمريكية أشد على إيران، بالإضافة إلى تباطؤ إدارة الرئيس الحالي "جو بايدن" في العودة إلى الاتفاق، إيران بأن الوقت قد حان لإرسال رسالة إلى واشنطن مفادها أن لديها خيارات استراتيجية واقتصادية أخرى لم يعد من الممكن تأخيرها.

وفي حين لم يتم الإعلان عن تفاصيل الاتفاقية الصينية الإيرانية، يُفترض عموما أنها لم تتغير إلى حد كبير عن مشروع مكون من 18 صفحة حصلت عليها صحيفة "نيويورك تايمز" العام الماضي. ووفق هذا المشروع تستثمر الصين 400 مليار دولار على مدار 25 عاما في عشرات المجالات، بما في ذلك البنوك والاتصالات والموانئ والسكك الحديدية والرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات، وفي المقابل تضمن إمدادات منتظمة من النفط الإيراني بشروط مخفضة للغاية خلال تلك الفترة. بالإضافة إلى ذلك، في صحيفة "نيويورك تايمز"، تضمنت المسودة أحكاما تتعلق بتوسيع التعاون العسكري والبحوث المشتركة وتطوير الأسلحة بالإضافة إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية.

وفي حين يعد بيان النوايا قويا وأداة جيدة لإرسال رسالة قوية، يبقى أن نرى مقدار تنفيذ هذه الأجندة الطموحة على مدار الـ25 عاما القادمة، خاصة وأن السياسات في كل من بكين وطهران ليست مستقرة وتخضع لضغوط متعددة.

ومن الواضح أن الاتفاقية بالنسبة للصين مرتبطة بمبادرة "الحزام والطريق" الخاصة بها وتوفر لها الفرصة لإدخال إيران بقوة في نطاق المبادرة الصينية. كما أنها أداة لإبلاغ واشنطن بأن بكين لا تخشى اقتحام المجالات التي تعتبرها أمريكا محمياتها الاستراتيجية.

وبالنسبة لإيران، هي طريقة للهروب من محاولة أمريكا تحطيمها اقتصاديا واستراتيجيا. وهذا مهم بشكل خاص لإيران في هذا المنعطف فيما تنخرط كل من طهران وواشنطن في رقصة معقدة حول إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة وينتظر كلاهما معرفة من "يرمش" أولا.

وتقول إيران، بدعم من الصين وروسيا، وكلاهما من الموقعين على خطة العمل الشاملة المشتركة، إنه منذ أن ألغت الولايات المتحدة التزامها بالاتفاق من جانب واحد، فيجب عليها أولا العودة إلى الاتفاقية ورفع جميع العقوبات قبل أن يُتوقع من إيران العودة إلى القيود المفروضة على برنامجها النووي.

وتصر الولايات المتحدة على أنه يجب على إيران أولا تنفيذ القيود التي فرضتها خطة العمل المشتركة الشاملة قبل أن تفكر واشنطن في رفع العقوبات. ويزيد الضغط الداخلي من داخل الكونجرس وخارجه من إحجام إدارة "بايدن" عن اتخاذ الخطوة الأولى.

وترى طهران في الاتفاقية الاستراتيجية مع الصين وسيلة لتعزيز موقفها التفاوضي مع الولايات المتحدة حول هذه القضية من خلال إظهار أن إيران لديها خيارات اقتصادية واستراتيجية أخرى ولا تحتاج إلى الاعتماد على حسن النية الأمريكية والأوروبية على حسابها مصالحها الوطنية والنظامية.

ومع ذلك، توجد قيود كبيرة على تطوير علاقتهما لا يمكن أن تتجاهلها الصين ولا إيران. وبالرغم من التوترات مع الولايات المتحدة بشأن القضايا الاستراتيجية، لا سيما فيما يتعلق بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن الصين عالقة في شبكة من الترابط الاقتصادي مع الولايات المتحدة وستكون غير راغبة في دعم إيران إلى ما بعد نقطة معينة إذا كانت ستضر مصالحها الاقتصادية.

علاوة على ذلك، ستكون بكين مترددة في الدخول في مواجهة استراتيجية مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بالشكل الذي يؤدي إلى تصعيد التوترات الثنائية في جميع أنحاء العالم وخاصة في بحر الصين الجنوبي.

علاوة على ذلك، للصين مصالح اقتصادية كبيرة في دول الخليج، خاصة الخصمان الرئيسيان لإيران في المنطقة، السعودية والإمارات، وهما أكبر موردي النفط في الخليج للصين، ولن ترغب بكين في بناء علاقة مع إيران على حساب علاقاتها معهما. وجدير بالذكر أن وزير الخارجية الصيني زار الرياض وأبوظبي خلال الرحلة التي أدت إلى توقيع الاتفاقية الاستراتيجية مع طهران.

وتهتم إيران بإحياء خطة العمل الشاملة المشتركة ودفع واشنطن وحلفائها الأوروبيين إلى رفع العقوبات الاقتصادية لأنها بحاجة إلى بناء علاقات اقتصادية معهم، لا سيما في مجالات التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر ونقل التكنولوجيا، من أجل تحقيق أهداف تعافي الاقتصاد وازدهاره. ولا يمكن للسخاء الصيني، الذي سيأتي أيضا بتكاليف طويلة الأجل بما في ذلك عائدات النفط المفقودة، أن يحل محل ما يمكن أن تقدمه العلاقات الجيدة مع القوى الغربية لإيران على المدى الطويل.

وتهتم كل من الصين وإيران ببناء علاقتهما الثنائية من أجل الحصول على نفوذ أكبر مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن هذه الاعتبارات لها قيود متأصلة ولا يمكن أن تكون في حد ذاتها بمثابة أساس لعلاقة استراتيجية دائمة.

ومع ذلك، من الممكن أن تؤدي الاعتبارات قصيرة الأجل إلى نتائج طويلة الأجل، ويمكن للتعاون أن يأخذ شكلا أكثر استدامة. لهذا من المهم أن تنتبه واشنطن للاتفاقية الاستراتيجية بين الصين وإيران، وتدرك مدى الخطأ الذي وقعت فيه حين انسحبت من الاتفاق النووي عندما كانت إيران في حالة امتثال كامل له، وأن تعود إلى خطة العمل الشاملة المشتركة دون تأخير ودون الإصرار على شروط مسبقة.

المصدر | محمد أيوب - ناشونال إنترست - ترجمة وتحرير الخليج الجديد