الأربعاء 7 أبريل 2021 11:42 ص

مقدمات تراجع العصر الأمريكي

يتوقع كيسنجر أن تكون أمريكا قوة متساوية مع دول أخرى على قمة النظام الدولي القادم.

تراجعت أحلام الأمريكيين في المستقبل ومقومات الحلم الأمريكي وتصاعد قوى دولية كمنافس جديد لأمريكا.

التنبؤ بتراجع عصر القوة الأمريكية في العالم يزامن أحداثاً استجدت بأمريكا دفعت البعض لإعادة طرح هذا التوقع مرة أخرى.

تيارات سياسية في أمريكا تنادي بضرورة التواؤم مع عالم يتغير وتقبل فكرة أن أمريكا لن تظل القوة الإمبراطورية المهيمنة على العالم.

الخيال السياسي المسيطر على العقل الأمريكي يصعب عليه رؤية العالم بصورة أخرى سوى أن تكون أمريكا القوة العظمى المهيمنة على العالم.

تعكف مراكز البحوث على تحليل ظاهرة صعود الصين إلى مرتبة القوة الكبرى وتوقعت أن تكون المنافس للقوة العظمى الوحيدة الآن في العالم.

اتهامات ترامب للنظام الانتخابي الأمريكي بالفساد والتزوير وانقسامات حادة بين أنصاره ومعارضيه كشفت ضخامة انقسام داخلي يؤدي لانفراط التوافق التاريخي!

*     *     *

قراءة التاريخ تنبئ بأن الإمبراطوريات الكبرى يمكن أن تصاب بالشيخوخة، وإن كان غروب شمسها قد يستغرق وقتاً ومراحل زمنية.

وإذا كان مؤرخون أمريكيون قد سبق لهم منذ سنوات، التنبؤ بتراجع عصر القوة الأمريكية في العالم، فإن أحداثاً جدت في أمريكا، دفعت البعض منهم لأن يعيد طرح هذا التوقع مرة أخرى.

وربما تكون اتهامات ترامب للنظام الانتخابي في بلاده بالفساد والتزوير، في أجواء انقسامات حادة بين أنصاره ومعارضيه، قد كشفت عن ضخامة الانقسام الداخلي، بشكل جعل عقد التوافق التاريخي ينفرط!

حيث انقسمت الأمة إلى جماعات تتهم بعضها البعض بصورة عدائية. وكل فريق يصف الآخر بالخروج على تاريخ الدولة وتراثها وقيمها.

 إن مقدمات الانهيار في الإمبراطوريات الكبرى تتجسد في تضعضع تماسكها الداخلي، وظهور علامات رفض من قطاعات كبيرة لطريقة إدارة الدولة. وهو ما ظهر في اللهجة العدائية لأنصار ترامب، تجاه المؤسسات التقليدية للدولة، خاصة مؤسسات صناعة السياسة الخارجية. .

 عنصر آخر يضاف إلى أسباب الانقسام المجتمعي، وهو تراجع أحلام الأمريكيين في المستقبل، والذى كان يشدهم إليها ما عرف بالحلم الأمريكي. ويلحق بذلك عنصر مهم هو تصاعد قوى دولية كمنافس جديد لأمريكا.

 إن التحولات الكبرى فى تاريخ الدول والشعوب، لها خصائص تميزها، حين تكون وراءها قوة دفع من مجموعة عوامل متنوعة، كل منها يتحرك في مسار يخصه. وفي النهاية تتجمع كلها عند نقطة التقاء، تأخذ بها معاً في تشكيل جماعى متناسق يصنع هذه التحولات.

 ولعل الظاهرة الأقوى تأثيراً في القرن العشرين، كانت صعود الصين، التي تصدر صعودها قائمة أولويات القادة والزعماء السياسيين في الغرب.

وقد عكفت مراكز البحوث السياسية والاستراتيجية على تحليلها لظاهرة صعود الصين إلى مرتبة القوة الكبرى وتوقعت أن تكون هي المنافس للقوة العظمى الوحيدة الآن في العالم.

ولعل هذا هو ما جعل كثير من الساسة فى الغرب يشيرون إلى أن العالم يوشك أن ينتقل إلى القرن الآسيوي، بنفس الطريقة التي جعلت المفكرين السياسيين، يصفون القرن العشرين بالقرن الأمريكي.

وهو ما دفع أحد أبرز المفكرين الاستراتيجيين في أمريكا، وهو هنرى كيسنجر، لأن يقول إنه يتوقع أن تكون أمريكا قوة متساوية مع دول أخرى، على قمة النظام الدولي القادم.

 والآن، الكثير من السياسيين والخبراء والمثقفين فى كل من أوروبا والصين، وأمريكا، يشعرون بأن ميزان القوى يتحول بسرعة ملحوظة لصالح الصين.

فى عملية الاتجاه نحو آسيا، وكان المؤرخ البريطانى أرنولد توينبى قد أخذ بهذا الاتجاه، وأصبح مصدر إلهام لكتاب آخرين تأثروا به فى كتاباتهم عن مصير الحضارة الغربية، وتوقعهم تقلص دور الغرب في العالم.

وحين نقف أمام المشهد الراهن، سنجد أن رؤساء أمريكا تيقنوا من القدرة التنافسية لصعود الصين، لكن ردود أفعالهم اختلفت، فقد وجد الرئيس بوش الابن، أن ميزان القوى العالمى يتجه نحو آسيا، وأن التفاهم مع الصين له جدواه.

ومن بعده اعترف أوباما بأن آسيا ستصير قاطرة مسار الاستراتيجيات العالمية، واتجه إلى تعزيز موقف بلاده هناك. ثم جاء ترامب ليقلب مائدة التفاهم رأساً على عقب بإعلانه حرباً تجارية مع الصين.

 ولم تكن الصين اللاعب الوحيد، فإن بوتين اتخذ نهجاً قومياً لاستعادة وضع روسيا قوة كبرى، وراح يرتب للتواجد في ملفات دولية، وجذب قوى إقليمية لعلاقات متنوعة مع روسيا.

الخلاصة من ذلك كله أن هناك تيارات سياسية في أمريكا تنادي بضرورة التواؤم مع عالم يتغير وتقبل فكرة أن أمريكا لن تظل القوة الإمبراطورية المهيمنة على العالم، ويقول البروفيسور ديفيد كاليو الأستاذ بجامعة جون هوبكنز، إن الخيال السياسي المسيطر على العقل الأمريكي، يجعل من الصعب عليه أن يرى للعالم صورة أخرى سوى أن تكون أمريكا القوة العظمى المهيمنة على العالم.

* عاطف الغمري كاتب صحفي مصري

المصدر | الخليج