الخميس 22 أبريل 2021 03:04 ص

ستؤدي وفاة رئيس تشاد غير المتوقعة لعرقلة انخراط البلاد في عمليات مكافحة التمرد الإقليمية، وقد تجبر فرنسا على التدخل من أجل تجنب انتقال عنيف للسلطة يؤدي إلى تفاقم الأزمات الأمنية في أماكن أخرى من أفريقيا.

وأعلن الجيش التشادي أن الرئيس "إدريس ديبي" قد قُتل في 19 أبريل/نيسان أثناء زيارة جبهات القتال ضد جماعة متمردة غزت تشاد في 11 أبريل/نيسان.

كما أعلن الجيش أيضا تعليق دستور تشاد، وحل الحكومة والجمعية الوطنية، وإنشاء مجلس عسكري انتقالي، وسوف يرأس المجلس "محمد إدريس ديبي"، أحد أبناء الرئيس الراحل (والمعروف بمحمد كاكا) خلال فترة انتقالية مدتها 18 شهرا.

انقلاب المجلس العسكري

تولى "ديبي" السلطة منذ عام 1990 وكان قد فاز للتو بإعادة انتخابه في 11 أبريل/نيسان.

وقبيل وفاته، حثت عدد من الدول الغربية مواطنيها وموظفيها غير الدبلوماسيين على مغادرة العاصمة التشادية نجامينا باعتبارها على وشك التعرض لهجوم من المجموعة المتمردة "جبهة التغيير والوفاق في تشاد"، والمعروفة بالاسم المختصر "فاكت".

ويبدو أن الهجوم انتهي في 19 أبريل/نيسان بعد أن قال الجيش التشادي إنه أوقف التوغل، مع إعلان قائد المجموعة المتمردة أيضا أن قواته قامت بـ "انسحاب استراتيجي"، لكن المتمردين أعلنوا أنهم سيواصلون الهجوم بعد الإعلان عن وفاة "ديبي".

ويمكن أن تحاول الجماعات المتمردة الأخرى أيضا استغلال حالة الاضطراب المحيطة بوفاة "ديبي"، بما في ذلك "مجلس القيادة العسكرية لخلاص الجمهورية" و"اتحاد قوات المقاومة"، اللتان شنتا خلال السنوات الأخيرة توغلات في تشاد انطلاقا من ليبيا.

يشير تحرك الجيش نحو تنفيذ انقلاب عبر تعطيل عملية الخلافة الدستورية إلى أنه يستعد لاقتتال محلي كبير.

ومع استمرار هجوم مجموعة "فاكت"، يحاول المجلس العسكري الجديد أن يصوّر أن هناك استمرارية لنظام "ديبي" على أمل الحصول على الدعم من فرنسا، التي تدخلت في عدة مناسبات لدعمه ضد التمرد المسلح.

ويؤدي إنشاء مجلس عسكري انتقالي وتعليق الدستور إلى وضع بنجامينا تحت القانون العسكري (أيّ انقلاب بحكم الأمر الواقع)، مما يمنح الجيش مساحة أكبر في التعامل مع التهديدات التي تواجه العاصمة مباشرة، إذا وصلت إليها جماعة "فاكت".

أما بالنسبة لحقيقة تكوُّن المجلس من مسؤولين عسكريين رفيعي المستوى، كانوا معينين من قبل "ديبي" ومتحالفين مع جماعة زغاوة العرقية، فهي تشير أيضا إلى وجود نية لحماية مصالح الجيش التي يمكن استهدافها إذا لم يعودوا في السلطة.

خيارات فرنسا

من المرجح أن تنحاز فرنسا للمجلس العسكري الانتقالي الجديد في تشاد، وتحاول حمايته من الجماعات المتمردة بسبب مخاوف انهيار كلّي للحكومة، لكن المخاوف الأوسع نطاقا بشأن قضايا حقوق الإنسان وتعليق الدستور ستحد من دعم الدول الغربية الأخرى.

وكان رد فعل فرنسا على هجوم جماعة "فاكت" ووفاة "ديبي" خافتًا نسبيًا حتى الآن، كما لم يطلق الجيش الفرنسي غارات جوية ضد قافلة "فاكت"، كما فعل في عام 2019 ضد مجموعة أخرى.

وتحاول فرنسا تعزيز الدعم الأوروبي في المنطقة لتقاسم بعض العبء، كجزء من استراتيجيتها لـ"مكافحة الإرهاب" في الساحل، ولكن في حين أظهرت باريس استعدادا لدعم الحكومات الاستبدادية في أفريقيا لحماية المصالح الأمنية الفرنسية، فإن الدول الأوروبية الأخرى تعتبر العواقب الإنسانية أولوية لها بشكل أكبر.

وبما أن فرنسا مستمرة في محاولة إقناع الدول الأوروبية الأخرى بالانخراط عسكريا في الساحل، فمن المرجح أن تحاول الضغط على المجلس العسكري لتشاد للحفاظ على الجدول الزمني الذي حدده بـ18 شهرا لإجراء الانتخابات من أجل إرضاء حلفائها الأوروبيين الذين يرغب الكثير منهم في احترام العملية الدستورية في البلاد.

ومن شأن صراع طويل مع متمردي "فاكت" أن يجبر الجيش التشادي، وهو أحد أكثر الجيوش نشاطا واحترافًا، على تقليل تواجده في مبادرة "ساحل 5-جي"، مما سيدفع فرنسا على الأرجح لإعادة تقييم استراتيجيتها في المنطقة.

وعلى الأقل، سيحتاج المجلس العسكري الانتقالي إلى إعادة نشر بعض قواته بعيدا عن مهمة "ساحل 5-جي" المدعومة من فرنسا، من أجل التعامل مع التطورات الأمنية الداخلية والأزمة الوجودية التي يتعرض لها.

كانت تشاد واحدة من أكبر المساهمين في قوة "ساحل 5-جي" وأعلنت في فبراير/شباط أنها ستزيد من عمليات النشر بمقدار 1200 عسكري إلى المنطقة ثلاثية الحدود بين بوركينا فاسو ومالي والنيجر.

لكن تخفيض قوات تشاد وتعطيل العمليات العسكرية ضد الجماعات المسلحة سيعقد هدف الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" المتمثل في تقليل البصمة الفرنسية في الساحل بحلول عام 2022، وربما تجبره على المزيد من التأخير.

عواقب خطيرة على أفريقيا

كما سيؤدي تخفيض القوات التشادية إلى توسيع مساحة عمليات تنظيم "الدولة الإسلامية" في النيجر ونيجيريا والكاميرون.

وقد نشط فصيلان رئيسيان في تنظيم "الدولة الإسلامية" في غرب أفريقيا بشكل خاص في عام 2021، وتفوقا على معسكرات الجيش في شمال غرب نيجيريا.

وكانت هناك عدة مناسبات عملت فيها تشاد مع نيجيريا والكاميرون على عمليات نشر مشتركة على الحدود من أجل تحقيق الاستقرار في منطقة بحيرة تشاد.

ولكن مع وجود أزمة أكثر خطورة في نجامينا نفسها، فمن غير المرجح أن تعطي تشاد الأولوية للجهود ضد تنظيم "الدولة الإسلامية"، الذي ما زال يشكل تهديدًا وجوديًا لنيجيريا.

ومع تفاقم الأزمة الداخلية في تشاد، تتزايد مخاطر انتشار العنف في السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى، نظرًا لتدخل "ديبي" التاريخي في المنطقة، في وقت تواجه فيه السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى تحولات محلية أو انتقالات سياسية هشة.

وتاريخيا، ترتبط جماعة زغاوة العرقية الخاصة بـ"ديبي" ارتباطًا وثيقًا بنزاع دارفور، حيث يمتد موطن الزغاوة التاريخي بين الجماعات العرقية في المنطقة، والتي كانت تُستغل كبيادق بين "ديبي" والرئيس السوداني السابق "عمر البشير".

يشار إلى أن بعض الشخصيات السودانية المرتبطة بـ"ديبي" تلعب أدوارًا بارزة في العملية الانتقالية الهشة في السودان والتي يمكن أن تتأثر بالأزمات السياسية الجارية.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد