الاثنين 3 مايو 2021 02:48 م

اتخذت الإمارات في الأشهر الأخيرة، عددًا من المواقف المناوئة للطموحات التركية في البحر المتوسط، وقد تجلى هذا في علاقات أوثق بين الإمارات واليونان وقبرص اليونانية، والمزيد من التدريبات العسكرية المشتركة، وزيادة التعاون مع إسرائيل في مجال الطاقة عبر اتفاقيات أبراهام، لكن تولّي الرئيس "جو بايدن"، دفع الإمارات للتخفيف من موقفها العسكري العلني واستكملت استراتيجيتها بوسائل اقتصادية.

ويعتمد هذا التحول على مقترح بخط أنابيب للهيدروكربونات يستبعد تركيا بهدف التقليل من أهميتها الجيوسياسية لأوروبا.

تنظر الإمارات إلى تركيا على أنها تهديد لسببين، الأول هو دعم أنقرة لجماعة "الإخوان المسلمون"، التي صنّفتها الإمارات منظمة إرهابية، والثاني، أن تركيا تنشط عسكريًا واقتصاديًا في شمال أفريقيا وسوريا والقرن الأفريقي.

وفي عامي 2019 و2020، اشتعلت المنافسة بين أبوظبي وأنقرة، حيث قامت كلتاهما بتوجيه المقاتلين والأموال مباشرة نحو ليبيا، مما أدى إلى تصعيد المنافسة في الصومال وانتقاد بعضهما البعض في البيانات الدبلوماسية.

كما تحالفت الإمارات أيضًا مع قبرص اليونانية واليونان وفرنسا ومصر ضد تركيا مع تقديم الدعم المالي وربما العسكري في شكل مرتزقة للجهات المناهضة لتركيا في المنطقة.

صراعات الطاقة

لكن خلال الأشهر الأولى لـ"بايدن" في منصبه، اتخذت الإمارات إجراءين رئيسيين يشيران إلى نهج أكثر ليونة تجاه أنقرة.

فأولًا، أعلنت أبوظبي في 29 يناير/كانون الثاني، أنها مستعدة للعمل عن كثب مع الأمم المتحدة بشأن ليبيا، وثانيًا، بدأت الإمارات في تفكيك قاعدتها في عصب بإريتريا.

وعلى الرغم من أن هذه الخطوة تأتي إلى حد كبير في محاولة لتخليص نفسها من الحرب في اليمن، إلا أنها تعني أيضًا فقدان موقع مهم لإظهار النفوذ، والذي كان بمثابة ثقل موازن لوجود تركيا وقطر في سواكن في السودان.

لكن هذا لا يعني أن أبوظبي أصبحت تعتبر تركيا أقل خطورة، وإنما على العكس من ذلك، فالإجراءات الإماراتية الأخيرة تنذر بتغيير تركيزها ليتحول إلى الاستثمار في خطوط الأنابيب والبنية التحتية في شرق البحر المتوسط ​​لتقويض طموحات أنقرة في مجال الطاقة، لا سيما فيما يتعلق بدور تركيا في أمن الطاقة في أوروبا.

أصبح نفوذ موسكو على أسواق الطاقة الأوروبية مصدر قلق للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، حيث تمثل الإمدادات الروسية 40% من استهلاك الغاز الأوروبي، وعادة ما يتم طرح تركيا كحل لأنها يمكن أن تربط خطوط أنابيب بديلة من بحر قزوين وآسيا الوسطى.

وإذا أصبحت تركيا مركزًا مهمًا لنقل الطاقة، فمن شأن ذلك أن يمنحها نفوذًا على الاتحاد الأوروبي ويسمح لها بتحريك الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وروسيا ضد بعضها البعض بشكل أفضل.

ومع ذلك، فإن محاولات الإمارات لاستبعاد تركيا من خطوط أنابيب الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​تهدد أهداف أنقرة في أن تصبح لاعباً أكبر في سوق الطاقة في الاتحاد الأوروبي.

محاولة تجاوز تركيا

تحاول الإمارات القيام بذلك من خلال الانضمام بصفة مراقب إلى "منتدى غاز شرق المتوسط"؛ المؤلف من قبرص ومصر واليونان وإسرائيل والأردن وفلسطين.

وعلى الرغم من أن "منتدى غاز شرق المتوسط" يدعي أنه مفتوح لأي طرف، إلا أن هدفه الظاهر هو إبعاد تركيا عن سوق الهيدروكربونات في البحر الأبيض المتوسط، خاصة مع مشروع خط أنابيب "أيست ميد".

سينقل هذا الخط  الغاز من قبرص وإسرائيل إلى اليونان ثم إلى أوروبا؛ وهو سبب رئيسي لتدخل تركيا في ليبيا، ويواجه صراعات مالية وسياسية معينة، ولكن، يمكن أن يؤدي تعزيز الإمارات للمشروع إلى تحفيز المبادرة وإحداث نقلة في حشد تحالف لتجاوز تركيا في سوق الطاقة.

وعلاوة على ذلك، فإن تحسن علاقات أبوظبي مع إسرائيل يوفر لها بدائل أكثر في تشكيل تحالف مناهض لتركيا، كما تعزز اتفاقيات أبراهام قدرة الإمارات على تقييد تركيا من خلال السماح لأبوظبي بالتعاون مع إسرائيل في مشاريع خطوط الأنابيب المشتركة.

وإذا تمكنت الإمارات من ربط نفسها بخط أنابيب "إيست ميد"، أو أي خط أنابيب آخر، فإن مكانة تركيا كبديل لروسيا في الطاقة سوف تتضاءل في عيون أوروبا والولايات المتحدة.

ويبدو أن الإمارات قد اتخذت بالفعل مبادرة في هذا الصدد؛ ففي 22 أكتوبر/تشرين الأول 2020، وقعت شركة "خطوط الأنابيب الأوروبية الآسيوية" المملوكة للدولة الإسرائيلية مذكرة تفاهم ملزمة مع شركة "MED-RED" ، التي يمتلكها ملاك إسرائيليون وإماراتيون، لنقل النفط من الامارات الى اوروبا.

وسيعتمد المشروع المشترك على خط أنابيب "إيلات-أشكلون"، الذي بنته إسرائيل وإيران في الستينيات، والذي من شأنه أن يرسل الهيدروكربونات الإماراتية من إيلات، على ساحل البحر الأحمر الإسرائيلي، إلى عسقلان، على البحر الأبيض المتوسط.

وعلى الرغم من أن هذا خط أنابيب نفط، إلا أن هذا ينذر بمبادرات مستقبلية يمكن أن تشهد نقل الغاز الإماراتي عبر إسرائيل إلى اليونان، من خلال ارتباط بخط "ايست ميد".

وعلاوة على ذلك، فإن ناقلات النفط الإماراتية التي ستُفرغ في إيلات ستُرفَق بتواجد أمني متزايد في المنطقة، وعلى الرغم من أنه ليس قاعدة عسكرية، إلا أن المشروع يمكن أن يعوض خسارة نفوذ القاعدة التي تم تفكيكها في عصب.

موطئ قدم اقتصادي

تمثل المحاولة الإماراتية لإدارة ميناء إسرائيلي في حيفا محاولة إماراتية أخرى لترسيخ موطئ قدم اقتصادي في شرق البحر الأبيض المتوسط.

ويقع ميناء حيفا أيضا على مقربة من مناطق نفطية متنازع عليها بين لبنان وإسرائيل، والتي منحت بعض تراخيص التنقيب فيها لشركة "توتال" الفرنسية.

وكما أشار "عاموس هوشستين"، المنسق السابق لشؤون الطاقة الدولية في وزارة الخارجية الأمريكية، فإنه يمكن للإمارات أن تلعب دورًا أكبر في حل هذا النزاع، مما سيحرر المزيد من احتياطيات الغاز التي يمكن تصديرها حول تركيا.

كما أن الوساطة الإماراتية ستقربها اقتصاديًا من فرنسا، التي واجهت تركيا في شرق البحر المتوسط، وإذا تلقت "توتال" كتلًا نفطية جديدة، فإن البعد الاقتصادي الفرنسي يمكن أن يقوّض تركيا في المنطقة، مما يعزز مبادرات الإمارات.

وتأتي المحاولة الإماراتية لإدارة ميناء حيفا بعد أن أكملت "موانئ دبي العالمية"، وهي شركة مهمة للشحن والعمليات في أبوظبي، ميناء ليماسول في قبرص في عام 2018.

ويتجلى في كلا التحركين محاولة الإمارات تعزيز بنيتها التحتية في المنطقة، والتي ستكمل مبادرات خطوط الأنابيب المستقبلية.

كما وقعت الإمارات اتفاقية تعاون عسكري مع قبرص في 12 يناير/كانون الثاني، مما يدل على تعميق هذه العلاقة، وجاء ذلك في أعقاب شراكة عسكرية إماراتية يونانية واجتماع ثلاثي بين الإمارات واليونان وقبرص اليونانية، مما يدل على أن أبوظبي تحاول استكمال الإجراءات العسكرية بتحالفات دبلوماسية.

تعد قبرص أيضًا حاسمة بالنسبة لطموحات الإمارات في مجال الطاقة، حيث لا تعتبر الجزيرة نقطة اتصال حيوية لخط أنابيب "ايست ميد" فحسب، بل إنها اكتشفت أيضًا الغاز مؤخرًا، وكلاهما يوفر لأوروبا بديلاً لإمدادات الطاقة التركية.

وسيتدفق هذا الغاز إلى القاهرة عبر خط أنابيب تم الاتفاق عليه عام 2018، حيث سيتم تسييله وتصديره إلى أوروبا. وقد لا تغير خطوط الأنابيب هذه بشكل حاسم دور تركيا في أمن طاقة أوروبا، لكنها مع ذلك تهدد طموحات أنقرة في مجال الطاقة وتشير إلى أن الإمارات تنتهج استراتيجية متعددة الأوجه لتقويض منافستها.

وعلى الرغم من أن كلاً من تركيا والإمارات يفضلان رؤية تقلص الأهمية الجيوسياسية لبعضهما البعض في أعين أوروبا الغربية والولايات المتحدة، إلا أنه سيكون من الأفضل لأوروبا أن يعمل الطرفان معًا، وقد تواجه أوروبا أزمة إذا قطعت روسيا إمدادات الغاز إلى القارة، حيث هددت موسكو بالفعل إمدادات الطاقة في أوكرانيا.

يجادل الكثيرون أن المنافسة الإماراتية التركية اندلعت بسبب فراغ النفوذ الذي خلفه الانسحاب الأمريكي المتزايد من المنطقة.

ومع ذلك، إذا تمكنت الولايات المتحدة والدول غير المهتمة الأخرى من محاولة التوسط في انفراجة في أعقاب رفع الحصار عن قطر، فقد يصبح التعاون بين أنقرة وأبوظبي تعزيزًا لأمن الطاقة في أوروبا.

المصدر | ديلان ياشيشين - فاير أوبزفر