الخميس 6 مايو 2021 11:45 ص

تثير صفقة الرافال الضخمة لمصر، بكلفة 4.8 مليار دولار (قرابة 80 مليار جنيه مصري)، تساؤلات عدة، حول توقيت الصفقة، ودلالاتها، وأبرز الرابحين من ورائها، ومدى حاجة الجيش المصري إليها.

ويأتي الإعلان عن إبرام الصفقة بين مصر وفرنسا، في وقت حساس يواجه فيه نظام الرئيس "عبدالفتاح السيسي" انتقادات دولية واسعة لاستمرار انتهاكاته لحقوق الإنسان، وحبس آلاف المعارضين السياسيين، ما يثير شكوكا حول جدية باريس في دعم الملف الحقوقي في البلاد.

ومن آن لآخر، يبرم نظام "السيسي" صفقات سلاح ضخمة، خاصة مع فرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا والولايات المتحدة، الأمر الذي جعل مصر ضمن قائمة أكبر 10 دول مستوردة للسلاح في العالم، بين عامي 2016 و2020، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

وتحتل مصر المرتبة الثالثة عالميا، بواردات سلاح تبلغ 5.8% من حجم واردات السلاح العالمية، وزيادة في وتيرة التسليح في السنوات الخمس الماضية بـ136% مقارنة بالفترة بين عامي 2011 و2015، وتعد روسيا أكبر مزود لمصر بالسلاح بنسبة 41%، تلتها فرنسا (28%)، ثم أمريكا (8.7%).

   تفاصيل الصفقة

وفق بيان صادر عن وزارة الدفاع الفرنسية، فإن قيمة الصفقة الخاصة ببيع 30 مقاتلة من طراز "رافال" إلى مصر تبلغ 4 مليارات يورو (4.80 مليار دولار)، ومن المقرر بدء تسليمها العام 2024.

لكن بيان الجيش المصري الذي أعلن عن الصفقة، أفصح عن أنها ستتم عبر قرض تمويلي مدته 10 سنوات كحد أدنى، دون الكشف عن تفاصيل القرض، أو معدل الفائدة عليه.

وذكر مسؤول فرنسي، أن عقد ترتيبات التمويل، يشمل ضمانات من الحكومة الفرنسية، ومعها بنوك "بي.إن.بي باريبا" و"كريدي أجريكول" و"سوسيتيه جنرال" و"سي.آي.سي"، ستضمن 85% من تمويل الصفقة، بحسب موقع "ديسكلوز" الفرنسي.

ويبلغ مجموع واردات مصر من الأسلحة الفرنسية بين عامي 2010 و2019، 7.7 مليارات يورو، ما يجعل مصر رابع دولة من حيث شراء الأسلحة من فرنسا، وفقا للتقرير السنوي للبرلمان الفرنسي.

مكاسب فرنسية

اللافت أن باريس، أظهرت ابتهاجها بالصفقة الضخمة، التي تأتي في ظل ركود عالمي، وتضرر قطاعات واسعة من الاقتصاد الفرنسي، جراء تداعيات تفشي فيروس "كورونا"، واستمرار حملة المقاطعة العربية والإسلامية للمنتجات والبضائع الفرنسية على خلفية أزمة الرسوم المسيئة للنبي "محمد" صلى الله عليه وسلم.

والأسبوع الجاري، قالت وزيرة الدفاع الفرنسية "فلورنس بارلي" إن الصفقة ستوفر 7 آلاف فرصة عمل في فرنسا على مدى 3 سنوات.

كذلك ارتفعت أسهم شركة "داسو أفياسيون" الفرنسية، بنحو 4.8% في التعاملات المبكرة، بفضل الصفقة المصرية السخية التي دفعت بأسهم الشركة لتكون من أفضل الأسهم أداء على مؤشر الأسهم إس.بي.إف-120 في باريس، بحسب "أ ف ب".

وتفيد تقارير فرنسية، بأن شركة "داسو" الفرنسية المصنعة للطائرات، ألحت على إتمام الصفقة، خصوصاً أن مبيعاتها واجهت تراجعاً في الفترة بين 2018 و2020، كما أن رئيسها التنفيذي "إيريك ترابييه"، زار القاهرة، والتقى "السيسي" للغرض ذاته، في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

ومن شأن الصفقة، إنعاش مصانع السلاح الفرنسية، ومنح المقاتلة الفرنسية رواجا جديدا في منطقة الشرق الأوسط، وتعزيز موقع فرنسا في سوق السلاح العالمي، إضافة إلى رغبة باريس في ترسية مناقصات عليها في قطاعات مصرية خدمية ومرفقية عديدة، بحسب "العربي الجديد".

خسائر مصرية

على الجانب الآخر، يهلل الإعلام المصري للصفقة باعتبارها تعزيزا لقوة الردع المصرية، ورفع قدرات القوات الجوية المصرية، بما يغير من موازين القوى في المنطقة، ويبعث برسالة تهديد لإثيوبيا، على خلفية أزمة "سد النهضة".

لكن قراءة بنود الصفقة التي سيتم بموجبها تسليم تلك الطائرات بين عامي 2024 و2026، يؤكد أن المقاتلات الفرنسية لن تدخل الخدمة في الجيش المصري، على الأقل قبل 3 سنوات، بينما تخوض مصر نزاعا دبلوماسيا مع أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق ملزم حول السد، قبل إتمام الملء الثاني، يوليو/تموز المقبل.

ويضاعف من فاتورة الخسائر المصرية، فرض المزيد من القروض ذات الفائدة العالية، والتي تضغط على الاقتصاد المصري المنهك من الأساس، بدل توجيهها لملفات ذات أولوية مثل الصحة والنقل والتعليم.

وربما يقلل من أهمية الصفقة، أن مصر لديها بالفعل 24 طائرة من الطراز ذاته، بموجب اتفاق وقعته مع باريس في فبراير/شباط 2015 لشراء 24 طائرة، مقابل نحو 6 مليارات دولار، وشملت الصفقة أيضا الفرقاطة "فريم" وصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى.

الخطير واللافت، أن الصفقة الضخمة تخالف توجهات زبائن سوق السلاح العالمي، الذين يفضلون حيازة الطائرات بدون طيار، والمزودة بصواريخ، خاصة الطرازات التركية منها، التي كان لها دور الحسم في ليبيا وسوريا وعلى الحدود بين أرمينيا وأذربيجان.

ويرى مراقبون، أن الصفقة الكبيرة التي سترفع العدد النهائي لطائرات "رافال" لدى القوات الجوية المصرية إلى 54، لتصبح ثاني أكبر دولة في العالم اعتماداً عليها بعد فرنسا، تهدف إلى تخفيف الضغوط الفرنسة والأوروبية على مصر خاصة في مجال الأوضاع الحقوقية والسياسية.

وتمنح المشتريات بالمليارات والفوائد الاقتصادية المترتبة لشركات التصنيع والبنوك الممولة للقروض، النظام المصري، دوائر ضغط في عواصم أوروبية عدة، ما يمكنه من تمرير سياساته ضد المعارضة بشكل عام، وحركات الإسلام السياسي خاصة، كما يخدم أجنداته الخارجية في ليبيا وغيرها.

وكان الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" منح "السيسي" وسام جوقة الشرف، خلال استقباله له، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، كما صرح بأنه لن يجعل بيع الأسلحة لمصر مشروطاً بحقوق الإنسان لأنه لا يريد إضعاف قدرة القاهرة على مكافحة الإرهاب في المنطقة، على حد قوله.

ربما يحقق نظام "السيسي" مكاسب سياسية ودبلوماسية من وراء الصفقة، لكن بلغة المال، فإن الصفقة تمثل عبئا كبيرا على المحفظة المالية المصرية المثقلة بدين خارجي يصل إلى 130 مليار دولار، مقابل مكاسب ضخمة للباريسيين.

المصدر | الخليج الجديد