السبت 8 مايو 2021 07:30 ص

داخل الكنيست الإسرائيلي وفي شوارع القدس، تتحرك قوى العنصرية اليهودية، في الوقت الذي تشعر فيه شرائح متزايدة من الشباب الإسرائيلي بالملل من القومية اليهودية ذات الوجهين التي سيطرت على السياسة الإسرائيلية منذ عقود.

والأسبوع الماضي، أصدر "بتسلئيل سموتريتش"، زعيم حزب "الصهيونية الدينية" اليمينية المتطرفة والشريك الحيوي لـ"بنيامين نتنياهو"، تهديدا للأقلية الفلسطينية الكبيرة في إسرائيل.

وأشار "سموتريتش" إلى أن الطرد يلوح في الأفق بالنسبة لـ 1.8 مليون فلسطيني، أي خمس سكان إسرائيل. وأشار إلى النواب العرب الممثلين للأقلية الفلسطينية في إسرائيل، على أنهم "أعداؤنا في الكنيست".

ويبدو أن هذا النوع من العنصرية اليهودية الوقحة آخذ في الازدياد، بعد أن فاز حزب "سموتريتش" بـ 6 مقاعد في الكنيست في مارس/آذار الماضي. منها مقعد لـ "إيتامار بن جفير"، رئيس حزب القوة اليهودية الفاشي الجديد.

ويشعر أنصار "بن جفير" الآن بالتفاؤل. وفي الشهر الماضي، نزلوا إلى الشوارع المحيطة بالبلدة القديمة من القدس القديمة، وهم يهتفون "الموت للعرب". وجاءت هذه التحركات بعد محادثات "واتساب" اتفقوا خلالها على مهاجمة الفلسطينيين و"تحطيم وجوههم".

وعلى مدى أيام، جلبت هذه العصابات اليهودية، التي تتكون في الغالب من الشباب، أعمال العنف التي كانت بعيدة عن الأنظار إلى حد كبير في تلال الضفة الغربية المحتلة، إلى وسط القدس. وهذه المرة، لم يتم تصوير هجماتهم ونشرها في مقاطع فيديو مهتزة وبجودة ضعيفة على "يوتيوب"؛ بل تم عرضها على التلفزيون الإسرائيلي في أوقات الذروة.

ومن المثير للانتباه أن هؤلاء الغوغاء قاموا بهيجاتهم خلال شهر رمضان الذي يحظى بخصوصية لدى المسلمين.

  • هجمات الحرق العمد

شعر عدد من الإسرائليين بالحرج والارتباك نتيجة عنف هذه العصابات الذي يتسم بالجرأة والتحدي ويُرتكب بشكل متعمد. ولكن ما يجري أتاح لعموم الإسرائيليين معرفة مدى جاذبية الأفكار العنيفة المعادية للعرب لدى قطاع كبير من الشباب اليهود في إسرائيل، وهي الأفكار التي ترتبط الراحل بالحاخام الراحل " مائير كاهانه" الأب الروحي لفصيل القوة اليهودية. 

وكانت إحدى اللافتات مع فتاة من هؤلاء  تقول: "كاهانا كان على حق"، وقد تحدثت نيابة عن أقرانها أثناء حديث معها في التلفزيون الإسرائيلي حول الهتافات الصاخبة التي تقول: "نتمنى أن تحترق قريتكم"، في إشارة إلى هجمات الحرق المتعمد تحت مسمى "بطاقة الثمن"، والتي ينفذها اليمين الإسرائيلي المتطرف ضد التجمعات الفلسطينية في الأراضي المحتلة وداخل إسرائيل.

ويتم حرق بساتين الزيتون والمساجد والسيارات والمنازل بشكل منتظم من قبل هؤلاء المتطرفين اليهود، الذين يدعون أن الأراضي الفلسطينية هي حقوقهم الإنجيلية الحصرية.

وردت الفتاة بعبارات أقل صخبا، قائلة: "أنا لا أقول إنها يجب أن تحترق (القرية الفلسطينية)، لكن يجب أن يغادروا القرية وسنعيش فيها".

وتعتبر هذه الفتاة مثالا على شريحة واسعة من الشباب الإسرائيلي تعتقد أنه حان الوقت الذي يجب أن "يغادر" فيه الفلسطينيون.

  • آليات القهر

ولم تخرج هذه المشاعر (في البرلمان والشوارع) من العدم؛ بل هي قديمة قدم الصهيونية نفسها، عندما أشرف قادة إسرائيل الأوائل على التطهير العرقي ضد الفلسطينيين عام 1948، أطلق عليها الفلسطينيون "النكبة". ومنذ ذلك الحين،استمر العنف لإبعاد الفلسطينيين باعتباره أداة رئيسية في صميم مشروع بناء الدولة اليهودية.

وفي الأسبوع الماضي،سلط تقرير لـ"هيومن رايتس ووتش" من 213 صفحة الضوء على الجرائم الإسرائيلية. وأكدت المنظمة الحقوقية أن إسرائيل ترتكب جريمة الفصل العنصري، على النحو المنصوص عليه في القانون الدولي.

ورأت المنظمة أن إسرائيل استوفت الشروط الثلاثة لتعريف الفصل العنصري طبقا لنظام روما الأساسي، وهي هيمنة مجموعة عرقية على أخرى، والقمع المنهجي للمجموعة المهمشة، والأعمال اللاإنسانية. وتشمل هذه الأعمال النقل القسري، ومصادرة ملكية الأرض، وإنشاء كانتونات معزولة، وإنكار حق العودة، وإنكار الحق في المواطنة.

وبالرغم أن الأمر كان يحتاج ارتكاب عمل واحد فقط من هذه الأعمال لاتهامها بارتكاب جريمة الفصل العنصري، لكن إسرائيل قامت بارتكابها جميعا، بحسب "هيومن رايتس ووتش".

  • الأمر لا يحتاج إلى توضيح

ما وثقته منظمة "هيومان راتيس واتش" وغيرها من المنظمات الحقوقية يمكن رؤيته بوضوح في ممارسات العصابات التي تجول في أنحاء القدس.

وتشترك الإجراءات الإسرائيلية الرسمية في هدف واحد يبعث برسالة واضحة إلى هؤلاء الشباب حول ما تهدف الدولة إلى تحقيقه.

ويرى هؤلاء الشباب الأراضي الفلسطينية بينما يعاد تصنيفها لتصبح "أرض دولة" يهودية مع التوسع المستمر للمستوطنات التي تنتهك القانون الدولي. كما يرون الفلسطينيين محرومين من تصاريح بناء منازل في قراهم، ويرون أوامر صدرت بهدم منازل فلسطينية، أو حتى مجتمعات فلسطينية بأكملها. ويرون العائلات الفلسطينية ممزقة حيث يُحرم الأزواج أو أطفالهم من الحق في العيش معا.

وفي غضون ذلك، يطلق الجنود الإسرائيليون النار على الفلسطينيين دون عقاب، ويسحبون الأطفال الفلسطينيين من فراشهم في منتصف الليل، ويقيمون نقاط تفتيش في جميع أنحاء الضفة الغربية المحتلة، ويطلقون النار أو "يعتقلون" الفلسطينيين الذين يحاولون البحث عن عمل خارج الكانتونات المغلقة التي فرضتها إسرائيل عليهم. ويحمي الجنود الإسرائيليون المستوطنين خلال هجومهم على الفلسطينيين في منازلهم وحقولهم.

ويتم شرعنة كل هذه الممارسات وإضفاء الصبغة القانونية عليها من قبل المحاكم الإسرائيلية. لذلك ليس من المستغرب أن يتساءل عدد متزايد من المراهقين الإسرائيليين عن ضرورة الالتزام بالإجراءات البيروقراطية الرسمية؟ ولماذا لا يقوم الإسرائيليون بضرب الفلسطينيين و"تحطيم وجوههم" حتى تصلهم الرسالة التي مفادها أنه يجب عليهم المغادرة؟

  • السكان الأصليون

وخلال الأيام الأخيرة، كانت جبهة القتال، التي وُصفت بشكل مضلل في معظم وسائل الإعلام بأنها "اشتباكات"، هي الساحة المقابلة لباب العامود، والتي تعتبر مدخلا رئيسيا للبلدة القديمة المسورة والأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية الواقعة داخلها.

وربما تكون هذه المنطقة هي آخر مكان عام لا يزال بإمكان الفلسطينيين المطالبة به في وسط القدس، بعد عقود قامت خلالها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بتطويق أحيائهم تدريجيا ومحاصرتها، وفصلها عن البلدة القديمة. وخلال شهر رمضان، تعتبر ساحة باب العامود مكانا لتجمع الفلسطينيين بعد الإفطار.

وكانت الشرطة الإسرائيلية هي التي فجرت الأجواء الحالية في القدس من خلال إقامة حواجز عند باب العامود لإغلاق المنطقة في بداية شهر رمضان. وكانت الذريعة هي منع الاكتظاظ. ولكن بالنظر إلى خبرتهم الطويلة مع الاحتلال، فهم الفلسطينيون الحواجز على أنها إجراء "مؤقت" سرعان ما سيصبح دائما، ما يجعل من الصعب عليهم الوصول إلى البلدة القديمة وأماكنهم المقدسة. وقد تم بالفعل "تهويد" بوابات رئيسية أخرى للبلدة القديمة المحتلة.

ولا يمكن للفلسطينيين فصل قرار الشرطة الإسرائيلية بإقامة الحواجز عن سياق أكبر، وهو الجهود المستمرة التي تبذلها السلطات الإسرائيلية لطردهم من المناطق المحيطة بالبلدة القديمة. وفي الأسابيع الأخيرة، تحركت موجات جديدة من المستوطنين اليهود المسلحين إلى "سلوان"، وهي بلدة فلسطينية في كنف المسجد الأقصى. وقد فعلوا ذلك بينما تستعد إسرائيل لهدم حي فلسطيني كامل هناك، مستخدمة تحكمها المطلق ومتحججة بمسائل لها علاقة بالتنظيم والتخطيط. 

وبالمثل، وافقت المحاكم الإسرائيلية على إخلاء الفلسطينيين في "حي الشيخ جراح"، وهو حي آخر خاضع للاحتلال بالقرب من البلدة القديمة تعرض لحملة طويلة من قبل المستوطنين اليهود للاستيلاء عليه، وذلك بدعم من الدولة. وفي الشهر الماضي، ساهم مسؤولون في القدس في إشعال المشاعر الملتهبة بالفعل عبر الموافقة على خطة لبناء نصب تذكاري في وسط الحي، تخليدا لجنود إسرائيليين سقطوا في معارك.

لذلك كان من الطبيعي أن يثير قرار إغلاق باب العامود مقاومة من الفلسطينيين، الذين حاربوا الشرطة لإزالة الحواجز. وردت الشرطة بالغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية وخراطيم المياه.

وكانت تلك المشاهد للفلسطينيين الرافضين التخلي عن منازلهم جزءا من الدافع الذي أخرج العصابات اليهودية إلى الشوارع في استعراض للقوة. وسمحت الشرطة للجماهير الإسرائيلية بمهاجمة الفلسطينيين ومنازلهم.

  • أنصاف إجراءات

ووصفت بعض الجماعات اليهودية الأمريكية التقدمية مشهد العصابات اليهودية التي تجوب وسط القدس لإيذاء الفلسطينيين بأنه "مذبحة". لكن الفرق بين اليمين المتطرف والدولة الإسرائيلية في تنفيذ أجندتهما العنيفة ليس كبيرا.

لقد سئم "سموتريتش" و"بن جفير" و تلك العصابات من أنصاف الإجراءات ومماطلة النخب الإسرائيلية التي عطلت "إنجاز المهمة"، ألا وهي طرد السكان الفلسطينيين الأصليين من أراضيهم مرة واحدة وإلى الأبد.

وفي حين أن السياسيين الإسرائيليين من اليسار واليمين يحاولون عقلنة إجراءاتهم القبيحة والعنصرية ضد الفلسطينيين من منطلق الضرورات الأمنية، فإن اليمين المتطرف ليس بحاجة إلى موافقة المجتمع الدولي. لقد نفد صبرهم وهم ينتظرون إنجاز مهمة التطهير العرقي المستمرة منذ 7 عقود. 

ومن المرجح أن تتضخم صفوف اليمين المتطرف أكثر لأنها تجتذب أعدادا متزايدة من جيل جديد من المجتمع الأرثوذكسي المتطرف، وهو القسم الأسرع نموا بين سكان إسرائيل من اليهود. وللمرة الأولى، يدير الشباب القومي من مجتمع "الحريديم" ظهورهم للقيادة الحاخامية التقليدية التي تتسم بالحذر.

ويبدو أن الأسوأ لم يأت بعد، حيث أن الأيام الأخيرة من شهر رمضان تتزامن هذا العام مع مسيرة يوم القدس سيئة السمعة، وهو طقس سنوي يسير فيه القوميون اليهود المتطرفون عبر الشوارع الفلسطينية المحاصرة في البلدة القديمة وهم يهتفون بالتهديدات للفلسطينيين ويهاجمون أي شخص يجرؤ على الخروج.

  • غض الطرف

وخلص تقرير "هيومن رايتس ووتش" المفصل إلى أن الدول الغربية سمحت للفصل العنصري بالانتشار والتوغل، من خلال غض الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية طويلة الأمد بحق الفلسطينيين والتركيز بدلا من ذلك على عملية سلام غير موجودة.

وتتقاطع نتائج التقرير مع ما خلصت إليه منظمة "بتسيلم"، أبرز منظمات حقوق الإنسان في إسرائيل، والتي أعلنت في يناير/كانون الثاني الماضي أن إسرائيل عبارة عن نظام فصل عنصري سواء داخل المناطق المحتلة أو داخل إسرائيل، ويتجسد ذلك في تعاملها مع مواطنيها من الفلسطينيين. 

وبالرغم من إحجام السياسيين ووسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية عن الحديث عن إسرائيل بهذه المصطلحات، يُظهر استطلاع جديد أجرته "بتسيلم" أن واحدا من كل 4 يهود إسرائيليين يقبل "الفصل العنصري" باعتباره وصفا دقيقا للسياسة التي تنتهجها إسرائيل ضد الفلسطينيين. لكن ما هو أقل وضوحا بكثير هو عدد الإسرائيليين الذين يعتقدون أن الفصل العنصري هو أمر جيد.

وعند سؤالهم عن خطابات القادة الإسرائيليين حول ضم الضفة الغربية، رفض ثلثا اليهود الإسرائيليين فكرة أن يحظى اليهود والفلسطينيون بحقوق متساوية في تلك الظروف.

وحاليا، يسعد الغوغاء في القدس بتقدم الفصل العنصري الإسرائيلي، على أمل تسريع عملية طرد الفلسطينيين. فيما يظل إسرائيليون آخرون في حالة إنكار، على أمل تخدير ضمائرهملأطول فترة ممكنة.

المصدر | جوناثان كوك/ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد