الأربعاء 12 مايو 2021 03:46 م

الأردن وظاهرة إبعاد الهاتف

نعم نحن نثق بأنفسنا ولا مبرر من أي نوع لإخفاء الهواتف الخلوية!

لم أسمع شخصيا بأن أردنيا ما عوقب أو دفع ثمنا لتشخيص أو تحليل أو رأي مهما كان مناكفا أو معارضا؟

«الاحتياط واجب حتى لا يساء فهم أي عبارة».. إلى من بصورة محددة في الحالة النخبوية الأردنية يمكن أن توجه مثل هذه العبارة؟

التحول إلى لغة الصم والبكم والحرص على إخفاء الهاتف الخلوي عند التحدث سلوك طارئ على الأردنيين يحتاج لوقفة تأمل وتعمق لمعرفة الأسباب والخلفيات.

*     *     *

سجله الحافل في إطلاق تصريحات الولاء والانسجام معها علنا وسرا ثم ضخامته الجسدية الواضحة، عناصر لا تسمح له بالسلوك الغريب الذي حصل. وقف صاحبنا وهو يحمل عدة ألقاب اقتصادية أمامي بكل بساطة، وطلب تسليمه هاتفي الخلوي، ثم اتجه الى غرفة مجاورة وضع هاتفي مع هاتفه فيها وأغلق الباب.

لم اكن إطلاقا أتخيل أني سأحصل على معطيات أو معلومات مثيرة جدا أو سرية للغاية من خلال زيارة المجاملة تلك، فمعلوماتي أكثر بكثير من صاحبنا. وبعد الاستفسار الملح أبلغني الرجل بأنه لا يخشى تورطه شخصيا أو تلعثمه بما يمكن أن يلحق به أو بالدولة ضررا، ولكن الاحتياط واجب حتى لا يساء فهم أي عبارة.

«الاحتياط واجب حتى لا يساء فهم أي عبارة».. إلى من بصورة محددة في الحالة النخبوية الأردنية يمكن أن توجه مثل هذه العبارة؟

صدقا لا أعلم فأنا وبحكم العمل أقول ما سأنشره وأكتب ما أريد قوله، وفي الحالتين أعكس ما تحتفظ به نواياي حيث أني مواطن وصحافي أردني ولا أرى مبررا لفصام في اللغة أو ازدواجية في التعبير.

يمكن التدقيق أكثر في هذا السلوك الغريب وأسبابه وبعد الانتباه والاستفسار، علمت أن غالبية كبار رجال الدولة والموظفين الرسميين وفي الجلسات الثنائية والخاصة، يطرحون أنفسهم وخطابهم بين خياري الصمت أو ترديد العبارات الكلاسيكية عن الولاء والانتماء أو التحدث والنقاش بعد إبعاد الهواتف الخلوية تحديدا.

سياسي صديق أسر لي بأنه يفعل ذلك، وكل من يعرفهم من سكان الطبقة العليا يفعلون، ليس لأنه أو أنهم يمكن أن يصدر عنهم ما يخالف القانون أو يسيء للدولة، ولكن لأن بعض العبارات يمكن أن تتحول لاحقا إلى مشكلة بعد افتراض سوء النية وضيق صدر بعض دوائر القرار بالنصيحة والرأي المستقل، ولأن بعض الأحاديث غير المقصودة يمكن أن تتحول إلى مادة يثيرها أشقياء ما يسمى بالمعارضة الخارجية أو الانتحاريين باسم الولاء المسموم بالداخل.

لم أسمع شخصيا بأن أردنيا ما بعد عوقب أو دفع ثمنا لتشخيص أو تحليل أو رأي مهما كان مناكفا أو معارضا؟

لم أسمع بعد بقضية أو شكوى سجلت ضد مواطن أردني لأنه تكلم، وبعض النشطاء الحقوقيين يتحدثون عن شبان انحرفوا في الماضي، فتفاعلوا مع منصات ومنابر إرهابية أو وضعوا إشارة لايك مثلا في حالات محدودة ومعروفة، وفي قصص يمكن فهمها تحت عنوان المقتضى الأمني وردع التطرف.

لكن غريب جدا أن تزحف وتنمو تلك الظاهرة التي لا تعكس حقيقة الأردنيين دولة وشعبا في بلد تطلب قيادته علنا من قطاعات الشباب الضغط على البرلمان والحكومة «من تحت» على أن يتولى قرار الضغط بالتوازي «من فوق».

حقا لا أعرف سببا يدفع سياسيا أو موظفا عاما ليس معارضا لا بل يتهمه الشارع بالبقاء ضمن فرقة الإنشاد الكلاسيكية لسلوك غير مألوف، وبالتأكيد غير محبب بعنوان الصمت عن الكلام. ليس عندما يصيح الديك، ولكن عندما توجد الهواتف الخلوية.

سمعت مع غيري يوما عن مفهوم أمني تطور خلف الستارة بعنوان مراقبة المراقبين، لكن في كل المجتمعات يوجد من يتولى الرقابة في إطار القانون، ومن الطبيعي أن تتوفر آليات دستورية وقانونية لمراقبة المراقبين، فتلك خطوة حضارية لا تدفع إلا صاحب الشخصية المفصومة للارتياب والرفض، أو من لديه أجندة أخرى فيظهر خلاف ما يبطن أو يبطن عكس ما يظهر.

يزيد بمعدلات قلقة عدد من يرفضون الكلام في مكتبي أو في الجلسات العامة مع وجود الهواتف الخلوية، ويزيد بشكل ملحوظ عدد السياسيين والأصدقاء الذين يتحركون بنعومة عندما نتناقش معهم مستأذنين بوضع الهاتف الخلوي في المطبخ أو في دورة المياه أو في الغرفة المجاورة.

ذلك غير لائق إطلاقا بدولة عرف نظامها السياسي بالتسامح والصفح والعفو حتى عن كبار المخطئين والمعارضين وأحيانا الانقلابيين.

التحول إلى لغة الصم والبكم والحرص على إخفاء الخلويات عند التحدث سلوك دخيل وطارئ على الأردنيين. وهو سلوك يحتاج لوقفة تأمل وتعمق لمعرفة الأسباب والخلفيات والدوافع، خصوصا وأنه أصبح بمثابة ثقافة سائدة حتى عند كبار الموظفين في أجهزة الدولة.

أستذكر ذلك اليوم الذي أغلقت فيه السلطات مكتب صحيفتي بالشمع الأحمر وسحبت أوراق اعتمادي، ثم منعت الصحيفة من التوزيع في الأردن، وبعد يومين فقط اجتمع الملك الراحل الحسين بن طلال بكل الطاقم، وحضرت شخصيا وجلست إلى جانبه وبدون ورقة الاعتماد، فيما كان الملك يقول ويأمر:

.. لا يوجد ما نخفيه في هذا البلد.. نحن نثق بأنفسنا فتوقفوا عن إغلاق مكاتب الصحف ومصادرتها. كان أمرا مباشرا ألغى تاريخيا فكرة مراقبة المطبوعات. نعم نحن نثق بأنفسنا ولا مبرر من أي نوع لإخفاء الهواتف الخلوية.

* بسام البدارين كاتب صحفي وإعلامي أردني

المصدر | القدس العربي