الأحد 23 مايو 2021 12:06 م

"الأشقاء في مصر واكبوا المعركة معنا يوما بيوم ومارسوا دورهم التاريخي لكبح جماح العدوان".. هكذا أشاد رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" الفلسطينية "إسماعيل هنية" بدور القاهرة في الوصول لصيغة وقف إطلاق النار في غزة بعد عدوان إسرائيلي على القطاع استمر 11 يوما، ما عده مراقبون مؤشرا على عودة قوية لدور مصر الإقليمي.

فوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ، فجر يوم الجمعة الماضي، بعد ساعات من موافقة مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر وحركة "حماس" على مبادرة مصرية لوقف القتال، وهو ما تواكب مع إشادة أخرى من الرئيس الأمريكي "جو بايدن" بالوسطاء المصريين، دفعته لإجراء أول اتصال هاتفي بالرئيس "عبدالفتاح السيسي" بعد مرور نحو 5 أشهر على توليه السلطة بالولايات المتحدة.

انتزع النظام المصري بذلك إقرارا أمريكيا رسميا بعودة دور القاهرة الوازن في الملف الفلسطيني، والذي كاد أن ينزوي مع رواج مشاريع تطبيع الدول العربية مع دولة الاحتلال خلال الشهور الماضية، وصعود نجم الإمارات كـ"بديل" واقعي وأكثر حميمية في علاقته بإسرائيل.

لكن واقع شبكة العلاقات التي تتمتع بها المخابرات المصرية مع فصائل المقاومة الفلسطينية، خاصة حركة "حماس"، فرض عودة المعادلة الإقليمية القديمة لإدارة الملف الفلسطيني، إذ استطاع النظام المصري أن يوصل للإدارة الأمريكية، عبر تحولاته الأخيرة تجاه قطاع غزة، رسالة مفادها أنه "حارس البوابة" الذي يجب أن تمر عبره المصالح الغربية في المنطقة، وليس أي طرف آخر.

لماذا غيرت القاهرة مواقفها التقليدية السابقة إزاء الحروب الإسرائيلية على غزة؟ تلوح في صدارة الإجابة حالة الفتور التي تعاني منها العلاقة بين الإمارات ومصر بسبب العديد من الملفات الإقليمية، أهما موقف أبوظبي الداعم - ضمنيا - لسد النهضة الإثيوبي والتقارب الجاري بين القاهرة وأنقرة.

مراجعة سياسية

وبحسب مصادر دبلوماسية مصرية، فإن القاهرة أجرت مراجعات للسياسة الخارجية تجاه بعض الدول العربية التي وقعت اتفاقية تطبيع مع إسرائيل، وعلى رأسها الإمارات، حيث ترى مصر أن هذه الدول تظهر الولاء للقاهرة، وتبطن العداء لها، وفقا لما نقله موقع "عربي بوست".

وتمثل هذا العداء في تهديد المصالح المائية المصرية عبر دعم سد النهضة الإثيوبي بشكل مباشر أو غير مباشر، ما بات يمثل أزمة كبيرة للنظام السياسي المصري في الفترة الأخيرة.

لكن كيف حققت القاهرة معادلة التغيير في دورها بالملف الفلسطيني؟ اتخذت العاصمة المصرية حزمة من القرارات والتحولات غير المسبوقة تجاه قطاع غزة المحاصر، شملت مناصرة المقاومة بصورة علنية بعد سنوات من القطيعة، في إطار رؤية مفادها أن "مصر ليس لها مصلحة في تبني وجهة النظر الإسرائيلية التي تبحث عن تصفية القضية الفلسطينية في إطار ما سماه الإعلام الغربي بصفقة القرن".

وتخالف هذه الرؤية موقف النظام المصري الأسبق، في عهد الرئيس الراحل "محمد حسني مبارك"، الذي تبنى مواقف داعمة لإسرائيل، فقد على أثرها مصداقية وساطته لدى عديد الفصائل الفلسطينية.

وساهم في دعم هكذا تطور أن "حماس" أعلنت أنها لم تعد فصيلا تابعا لجماعة "الإخوان المسلمون"، بل هي فصيل يدافع عن قضيته، وهو ما صب في صالح محاولة مصر استثمار وقف إطلاق النار للتمهيد نحو مرحلة جديدة نحو تسوية دائمة وليس مجرد هدنة، وفقا لما نقله موقع "الجزيرة نت" عن أستاذ العلوم السياسية "حسن نافعة".

واعتبر "نافعة" أن كل محاولات تسوية القضية الفلسطينية والمقاومة بما يخدم تل أبيب فشلت، إضافة إلى انهيار صفقة القرن، "لذلك على مصر أن تستثمر كل ذلك بما يخدم مصالحها المباشرة، وتوظيف الحرب الأخيرة واستثمارها"، حسب قوله.

وفي السياق، يرى المحلل في مجموعة الأزمات الدولية "طارق بعقوني" أن مصلحة مصر الآن تتمثل في أن "تستخدم قربها الجغرافي من غزة لتعزيز قوتها الدبلوماسبة" في منطقة تقوم فيها الدول المطبعة بتوسيع علاقاتها بإسرائيل، وفقا لما أوردته وكالة "فرانس برس".

ويشير "بعقوني" في هذا الصدد، إلى أن القاهرة تبقي على التوازن بين التنسيق المخابراتي مع "حماس" وخصومتها مع جماعة الإخوان التي خرجت "حماس" من عباءتها.

كما يرى المحلل في مركز "سنتشوري فاونديشن" في نيويورك "مايكل حنا" أن الحرب الأخيرة في غزة كانت "فرصة لكي تقول مصر، ليس فقط للولايات المتحدة لكافة الأطراف إقليمية، إنها ما زالت مهمة وإنها لاعب دبلوماسي أساسي، وإن وقف إطلاق النار سيمر عبر القاهرة".

مشاريع التطبيع

وضع القاهرة في مقعد القيادة الدبلوماسي كان يعني حالة الانزواء الملحوظ لدور أبوظبي تحديدا، ما مثل إحراجا للإمارات، ومن خلفها البحرين، اللتين طبعتا العلاقات مع إسرائيل في العام الماضي، تحت مبررات من بينها "القدرة على ممارسة الضغط اللازم على إسرائيل لصالح الفلسطينيين".

وأفادت مصادر دبلوماسية بأن الإمارات سعت مبكرا إلى تقديم نفسها كوسيط إقليمي فيما يتعلق بتطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية بفعل عدوان إسرائيل، وحاولت استغلال علاقات التطبيع التي أبرمتها مع الكيان الإسرائيلي لخدمة لعب دور إقليمي يعزز مكانتها، لكنها باءت بالفشل، وفقا لما نقله موقع "امارات ليكس".

ورغم تصريح وزير الخارجية الإماراتي "عبدالله بن زايد" باستعداد الإمارات التام لدعم جميع الجهود التي تهدف إلى تحقيق وقف إطلاق النار بين الفلسطينيين وإسرائيل، إلا أن الأطراف الإقليمية والدولية رفضت منح الإمارات أي دور، وظهر جليا تهميش أبوظبي في كافة الجهود الدولية المذكورة للتهدئة.

كما أن فصائل المقاومة الفلسطينية رفضت أي تدخل إماراتي في جهود الوساطة مع الاحتلال، إذ ترى تلك الفصائل أن الإمارات طرفا غير محايد ومساند لإسرائيل، بحسب المصادر.

وبرزت من المكالمات الهاتفية التي أجراها "بايدن" تجاهل أمريكي تام للإمارات، وهو الأمر نفسه الذي تبناه الاتحاد الأوروبي وروسيا والأطراف الدولية الكبرى.

وعلقت الزميلة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية "سينزيا بيانكو" على ذلك بقولها: "من الواضح أنهم (الإماراتيون) في وضع صعب، فمن ناحية، علاقات الإمارات مع إسرائيل طويلة واستراتيجية ويجب ألا تتزحزح. وفي الوقت نفسه، زعمت الإمارات ان اتفاقيات إبراهيم ستعطيها النفوذ لدعم الفلسطينيين والحد من العدوان الإسرائيلي ضدهم"، وفقا لما أوردته صحيفة "فايننشال تايمز".

وعزز من تراجع الوزن النسبي لدور الإمارات الإقليمي عدم اتباع الرياض لخطى أبوظبي، رغم أن السعودية مثل جارتها الخليجية تتعاون سرا مع الاحتلال في الشؤون الاستخباراتية ضد إيران، حسبما أكدت "فايننشال تايمز"، لكن قراءتها لتطور الموقف الإقليمي دفع وزير خارجيتها، الأمير "فيصل بن فرحان" للتعبير عن موقف مختلف، معلنا أن بلاده "ترفض بشكل قاطع انتهاكات إسرائيل ضد الفلسطينيين" ودعا لوقف فوري لإطلاق النار.

كما عزز من حضور الوزن النسبي للدور المصري، في المقابل، التنامي الملحوظ للمعارضة العلنية لإسرائيل من خلال الاحتجاجات في شوارع العواصم الأوروبية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي وفي أعمدة الصحف، بعد أشهر قليلة من توقيع اتفاقيات عربية لإقامة علاقات مع إسرائيل، ما يُعقِّد جهود الحكومات التي سعت إلى تعبئة المواطنين العرب من أجل القبول بتلك الصفقات، حسبما أوردت وكالة "أسوشيتد برس".

ولذا يرى كبير المعلقين بقسم الشؤون الخارجية بصحيفة "فايننشال تايمز"، "جدعون راشمان" أن "استراتيجية رئيس الوزراء نتنياهو لتأمين مستقبل إسرائيل وإخراجها من عزلتها عبر إرساء علاقات دبلوماسية مع دول الخليج، وتهميش القضية الفلسطينية، أثبتت فشلها، وتبين أنها ليست بديلاً عن التوصل لتسوية عادلة مع الفلسطينيين".

ويؤكد "راشمان" أن اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل باتت تواجه مزيداً من الرفض الشعبي في دول الخليج، خاصة أنها ليست محل ترحيب واسع في الأساس.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات