الأربعاء 2 يونيو 2021 10:17 ص

الإصلاح الأردني: عنب وحصرم و«ناطور»

ما نشهده اليوم حرمان من الخبز والحرية وهو وضع معقد جدا يسحب من رصيد الدولة والنظام عند الرعية!

تأخرنا كأردنيين في الإصلاح التشريعي البيروقراطي والسياسي والاقتصادي والإداري، هذه الحقيقة نكرانها اليوم إغراق في جدل عقيم.

القول باستحالة الإصلاح اليوم والتأخر الشديد في إنجازه نمط من العدمية لكن إنكار الحاجة للإصلاح جريمة بحق الدولة والنظام وليس المواطنين فقط.

إما «مواطنة أفقية» تشمل الجميع في دولة مدنية أو شعب بمكونين رئيسيين في دولة مواجهة مع العدو الذي يهدد عمليا ووجوديا جبال عمان بعدما تمكن من جبال نابلس والخليل.

*     *     *

يمكن ببساطة عند التعمق في قراءة تفاصيل المشهد الوطني الأردني التوصل إلى الاستنتاج القائل بأن البلاد تأخرت فعلا، وبالتالي ارتفعت في ذهن جميع الأطراف سلبا وإيجابا تلك الفاتورة المتخيلة لكلفة الإصلاح.

تأخرنا كأردنيين في الإصلاح التشريعي البيروقراطي والسياسي والاقتصادي والإداري، هذه الحقيقة نكرانها اليوم إغراق في جدل عقيم. هناك خياران مطروحان الآن:

- إطفاء الشمعة والوقوف عند القناعة بالتأخر الكبير وصعوبة إحداث تغييرات أو إصلاحات،

- أو ضخ القليل من الزيت في الشمعة المشتعلة حتى تنار الطريق لنا كأردنيين في الوصول ولو بالحد الأدنى إلى صفقة إصلاحية معقولة ومنتجة، لا تقف عند حدود المشاجرة مع الناطور وتنتظر الحصرم حتى ينضج قليلا ويصبح عنبا، يمكن الاستفادة من أوراقه أيضا.

أضم صوتي شخصيا للخيار الثاني، فالقول باستحالة الإصلاح اليوم والتأخر الشديد في إنجازه نمط من العدمية، لكن إنكار الحاجة للإصلاح جريمة بحق الدولة والنظام وليس المواطنين فقط.

قلناها في ندوة مغلقة ونعيدها من باب التحريك الحواري وبصراحة، ثلاث عقبات أو مشكلات حالت في الماضي وتحول حاليا دون طرق أبواب الإصلاح الشامل والجذري والنافع على قاعدة انتظار نضوج الحصرم في بلد تركيبته الاجتماعية واضحة، وفي محيط إقليمي دائم الاشتعال.

المشكلة الأولى تلك التي تقول بأن إنجاز الإصلاح السياسي الشامل في الأردن غير ممكن، ما لم ينته الصراع العربي الإسرائيلي، وينتج عن هذه المقولة الزائفة بالعادة جدل الهوية الذي يعرفه الجميع.

تلك فرية ونقولها بثقة كذبة كبيرة وإسطوانة مشروخة، طالما استخدمها خصوم الإصلاح والتغيير وهم الأغلبية على الأقل في مركز الثقل والقرار.

بكل حال هنا تحديدا نطبق قاعدة الاشتباك الأولى فنحن بصدد فهم الناطور ومناقشته ومعرفة احتياجاته وليس بصدد إجباره على ترك موقعه في حراسة العنب.

من هذا الباب لا مبرر للاسترسال في الخوض بقصة التمثيل والحقوق السياسية فالحالة الوطنية العامة أمام خيارين:

- إما الاعتماد على منهجية المواطنة الدستورية باعتبارها هوية جامعة لكل الأردنيين ومكوناتهم، والخيار البديل وهو تحويل كتلة ديمغرافية كبيرة من الأردنيين إلى مواطنين درجة ثانية، بمعنى التسامح بالحقوق السياسية والتمثيلية لا بل عدم طرحها لا في سياق المنقوص ولا المكتسب.

- أو في الخيار البديل تقسيم المواطنين إلى درجتين، تمنح فيها الكتلة الديمغرافية المتعلقة بالمكون الفلسطيني الحق الشامل والكامل في التعبير عن هويتها الوطنية «الأخرى».

مجددا هنا لا ضرورة للاشتباك مع الناطور فإما «مواطنة أفقية» تشمل الجميع في دولة مدنية أو شعب بمكونين رئيسيين في دولة مواجهة مع العدو الذي يهدد عمليا ووجوديا جبال عمان بعدما تمكن من جبال نابلس والخليل. حلول بسيطة لا تحتاج زيارة القاضي.

في الأزمة التالية قيل لنا دوما بأن المجتمع لا يشبع كالأطفال، وبأن المطالبين بالإصلاح يبحثون عن ضمانات، والحل هنا بسيط أيضا، وهو العمل وفورا بالاتجاه المعاكس عبر التحدث مع مركز القرار ومرجعيات المؤسسات الرسمية القلقة عن الضمانات التي تريدها هي من الجمهور ومن الشعب، حتى نغلق صفحة ونفتح أخرى.

بمعنى فهم ما الذي يقلق الدولة العميقة من الإصلاح السياسي والتغيير الشامل حتى نمنحها نحن المنظرين ضمانات معاكسة للقلق.

ذلك حوار معاكس منتج ويعفي الجميع من الحرج ويطبق القواعد التي تغيرت اليوم، فما يقال خلف الستارة لصاحب القرار أن كلفة وفاتورة الإصلاح أقل بكثير من كلفة عكسه، وما نراه ونقدره اليوم هو أن كلفة البقاء في حالة الحصرم هي الأكبر، فالفاتورة الأعرض والأهم والأكبر سندفعها جميعا إذا لم نسارع نحو إصلاح حقيقي.

إذا فهمنا ما يقلق الرسمي والمسكوت عنه دون كلام، نستطيع أن نوفر له الضمانات المطلوبة وعلى قاعدة عدم العودة للماضي وفتح صفحات جديدة.

في التحدي الثالث قيل لنا دوما بأن الشعب يريد خبزا وليس ديمقراطية أو انفتاحا سياسيا. هذا أيضا صحيح، ولا يمكن الاختلاف معه، لكن ما نشهده اليوم الحرمان من الخبز والحرية وهو وضع معقد جدا يسحب من رصيد الدولة والنظام عند الرعية.

والمطلوب إذا كانت الديمقراطية الحقيقية صعبة المنال وتحتاج لتدرج لا نهائي هو الحرص على الإدارة الرشيدة بالحد الأدنى، بمعنى تبقى السلطات والصلاحيات كما هي، لكن يوضع برنامج مفصل وشفاف بعنوان، أن يمارس الناطور صلاحياته بعقلانية، وبصورة تعزز الانتاجية والاستثمار لتبقى السلطات والصلاحيات كما هي.

لكن من حقي في دولة تعبر عني، وفيها دستور توفير مستلزمات الإدارة الرشيدة بالحد الأدنى، فالفساد مثلا كان جزئيا وأصبح اليوم أفقيا ويفتك بالبشر بمعنى يقتله، والجامعات كانت أفضل والصحة والتعليم كذلك.

لن نخترع العجلة ولا الصاروخ فإما إصلاح يسر الصديق، أو بدائل متاحة للجميع عنوانها الرشد في الإدارة، تلك الصفقة.

* بسام البدارين كاتب وإعلامي أردني

المصدر | القدس العربي