الأردن: من الدولة إلى القبيلة وبالعكس!

لا يمكن اعتبار القضية الجديدة مفصولة عن مجمل أحوال الأردن والتي تؤثر فيها المتغيرات الإقليمية ودعاوى الفساد الداخلي.

الدولة الأردنية هي الطرف الجامع لتناقضات ومصالح المنظومة العشائرية والقبائل هي حاضنة الولاء والانتماء بشكل مواز للأحزاب والقوى السياسية.

تعاني العلاقة بين الدولة والقبيلة في الأردن من أزمات اقتصادية واجتماعية وإقليمية وتنعكس على خطاب الدولة المدنية التي تتعارض مع البنية العشائرية.

الأزمة التي تضرب الدولة أساسها غياب الشفافية والإصلاح الذي تتردد منذ فترة طويلة الدعوات لوضع أسس له وتبنيه دون الوصول إلى أي نتيجة.

*     *     *

يتطوّر حدث النائب الأردني أسامة العجارمة فصولا، وذلك بعد تصويت مجلس النواب الأردني في وقت سابق أمس الأحد بالأغلبية على فصله، إثر ظهور جديد له في شريط فيديو وهو يحمل سيفا ويضع مسدسا على خصره ويخطب أمام أنصار له بطريقة اعتبرت مسيئة للملك الأردني عبد الله الثاني.

تناظرت تهديدات العجارمة مع احتجاجات قام بها أنصاره في منطقة ناعور جنوب العاصمة الأردنية عمّان، مما أدى إلى إصابة أربعة من أفراد الأمن، وهو ما تكرّر ليلة أمس حيث تحدثت مصادر أردنية عن تحرك 150 مركبة لأنصار النائب، وأن هؤلاء قاموا، حسب المصادر، «بأعمال شغب» وإطلاق عيارات نارية وإحراق مركبات.

من المعلوم أن الأحداث الآنفة حصلت بعد انقطاع في الكهرباء في 21 أيار/مايو الماضي في عموم أنحاء الأردن بسبب عطل في شبكة النقل التابعة لشركة الكهرباء الحكومية غير أن العجارمة اعتبر الأمر مدبّرا لمنع مسيرة عشائرية لدعم الفلسطينيين!

وهو ما تطوّر إلى إساءات داخل قبة البرلمان وصف فيها المجلس ونظامه بألفاظ مهينة مما أدى إلى تجميد عضويته لمدة عام قبل أن يصعّد الأمور من طرفه ويحاول تجنيد أطراف من عشيرته في معركة مع الدولة.

كان يمكن لحادثة العجارمة أن تكون أقل وطأة على الأطراف المعنيّة لولا مجيئها بعد حادثة ما سمّي بـ«الفتنة» التي توسّطها الأمير حمزة، واشترك فيها رئيس ديوان سابق، هو باسم عوض الله، الذي تربطه علاقات إقليمية وثيقة، والشريف عبد الرحمن حسن بن زيد، وقد اختتمت بالتحفظ على المتهمين الرئيسيين، وإطلاق بقية المتهمين بعد رفع عريضة موقعة من شخصيات عشائرية.

لا يمكن اعتبار القضية الجديدة مفصولة عن مجمل أحوال الأردن، والتي تؤثر فيها المتغيرات الإقليمية، من جهة، ودعاوى الفساد الداخلي، من جهة أخرى.

ورغم أن العشائر هي مكوّن أساسي في المعادلة السياسية الأردنية، فإن محاولات العجارمة للتحدث كما لو كان الناطق الرسميّ باسمها يتغافل عن واقعة كبرى هي أن الدولة الأردنية هي الطرف الجامع لتناقضات ومصالح هذه المنظومة العشائرية، وأن القبائل هي حاضنة الولاء والانتماء بشكل مواز للأحزاب والقوى السياسية.

رغم أن الدولة الأردنية كانت دائما تتقبّل أشكال المشاغبة «العشائرية» من شخصيات معروفة بجرأتها وانتقادها للدولة وللمؤسسة الملكية وسياساتها، فإن السياق الذي أخذت فيه الأحداث النائب انفصل عن الغطاء السياسيّ الذي كان يتحدث عنه، وتحوّل المدافع عن «زحف عشائري» من أجل فلسطين، إلى مستهزئ بالمنظومة السياسية التي بوأته مكان النائب، وإلى متمرد على النظام الذي رعى وصوله إلى البرلمان.

تعاني العلاقة بين الدولة والقبيلة في الأردن، من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية، كما تنعكس على خطاب الدولة المدنية التي تتعارض مع البنية العشائرية، ويمكن اعتبار بياني مجلس عشائر العجارمة، جنوب غرب العاصمة، وعشائر المبيضين، في الكرك، تعبيرا عن هذه الأزمة، وإذا وضعنا ما فعله النائب ومناصروه ضمن هذا الإطار العام، يمكن الاستنتاج أن الأزمة التي تضرب الدولة أساسها غياب الشفافية والإصلاح الذي تتردد منذ فترة طويلة الدعوات لوضع أسس له وتبنيه، دون الوصول إلى أي نتيجة.

المصدر | القدس العربي