الخميس 10 يونيو 2021 05:47 ص

لبنان: فصل جديد من رواية انحطاط المافيا

ثم، وفي اليوم الثالث، وكما في قصص الجان، لُفلفت القصة برمتها، وكأنها لم تكن!

صار الناس عبيداً لدى مؤسسات الكهرباء الرسمية ولدى أصحاب مولدات الاحياء، وهم "شبيحة" بكل معنى الكلمة!

هل هناك تمهيد لتسليم السلطة في لبنان إلى الجيش وهو المؤسسة التي تبدو في نظرهم متماسكةً وقادرة على إدارة البلاد.

حين تسمع في الشارع تعبير "زعران" ضمن كلام المارة فاعلم أن المقصود به هم أفراد الطبقة السياسية والمالية المهيمنة على البلد.

*     *     *

حين تسمع في الشارع تعبير "زعران" ضمن كلام المارة، فاعرف أن المقصود به هو أفراد الطبقة السياسية والمالية المهيمنة على البلد. ليست "حاكمة"، فالصفة أكبر منها، وإنما هي "مستلبصة" عليه ( التعبير الشعبي المحلي عن مزيج من السطوة بالقوة والابتزاز الشديد)، على ناسه وعلى مقدراته.

ولأنها كذلك، يميل المرء إلى الاكتفاء بالشتائم حين يتناول أفعالها. وإن كان هناك إصرارٌ من البعض على البحث عن معنًى ما، أو عن غرض عقلاني يفسر المسلك – حتى لو كان التفسير يتعلق بتأكيد النهب والسرقة - لأن الناس يحتاجون دائماً إلى غائية تطمئنهم إلى أن ما يجري لهم ليس عبثيةً تامة.

هكذا يَشرح البعض بصعوبة أن القصد من "كل ذلك" الابتذال المتعاظم، هو تمهيد الطريق لتسليم السلطة في لبنان إلى الجيش، وهي المؤسسة التي تبدو في نظرهم متماسكةً وقادرة على إدارة البلاد.

بينما يقول آخرون: بل هي محاولةٌ جديدة لتجفيف – اقرأ "السطو على" - المخزون من الدولارات النقدية الموجودة في بيوت الناس، خارج الإيداع البنكي، والتي قدرتها المصارف منذ عام برقم أول هو 3 مليار دولار، ثم راحت التخمينات تُصعّد في الرقم بحسب الأهواء.

ما الذي جرى؟

مطلع الشهر الجاري، قال مجلس شورى الدولة في مطالعة له، رداً على مراجعة مرفوعة أمامه، إن المصارف لا يمكنها الاستمرار في اعتماد تعميم حاكم مصرف لبنان رقم 151 (الصادر بتاريخ 21- 4 -2020 ، تحت عنوان "إجراءات استثنائية حول السحوبات النقدية من الحسابات بالعملات الأجنبية").

وقتها حدّد التعميم سعر صرف الدولار على المنصة بـ3900 ليرة لبنانية، وكان في السوق الحرة في ذلك الحين يساوي ضعف هذا المبلغ. وهو بلغ ثلاثة أضعافه مؤخراً، أي صارت مئة الدولار تُصرف بمليون وثلاثمائة ألف ليرة لبنانية حسب المتداول.

وقد ارتضى الناس، المسحوقون بالخوف والحاجة، بالتدبير الأول، وكانوا مغلوبين على أمرهم، ويعتبرون أن البنوك تقاسمهم مدخراتهم، إلى أن صارت البنوك تأخذ 70 في المئة من قيمة تلك الودائع والمدخرات مع استمرار ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء.

اعتبر ذلك التعميم في حينه تنظيماً وإطلاقاً - لا يقول اسمه - لتدابير "كابيتال كونترول" و"الهيركات" على السحوبات وعمليات الصندوق النقدية من الحسابات أو المستحقات العائدة للمودعين في البنوك (وهي مدخرات لفئات اجتماعية متنوعة، أغلبيتها الساحقة، كنا بيّنت الدراسات، من المودعين الصغار، الذين يمثلون ما كان تبقى من شرائح الطبقة الوسطى الدنيا) بالدولار الأميركي أو بغيره من العملات الأجنبية، وهو ما كان شائعاً ومتاحاً بكل قانونية.

وأما "الشطارة" فتخص مسْرب تقليص حجم ودائع الناس في البنوك بحكم اضطرارهم إلى سحبها بسعر بخس لمواجهة اعباء الحياة المتعاظمة.

و"الشطارة" الثانية هي أن التدبيرين، لكي يصبحا رسميين، فهما يحتاجان إلى صدورهما بقوانين، وهو ما لم يحدث أبداً.

أما النسب التي طبقت على الناس من قبل البنوك المتحكمة برقابهم، فتتجاوز من بعيد ما يُفترض أنه أصول العمل بهما، ولعل هذه هي "الشطارة" الثالثة!

فما الذي جرى؟

قامت كل جهة بتأويل مطالعة مجلس شورى الدولة – الغامضة على غير عادة النصوص القانونية – على هواها. المودعون اعتبروه قراراً يلزم المصارف بإعادة أموالهم إليهم بالدولار، وينهي "الهيركات". والمصرف المركزي وحاكمه اعتبروها تعفيهم من تدبيرهم "اللطيف"، وتعيد سعر صرف الدولار إلى ... 1507 ليرة لبنانية، كما كان قبل الانهيار المعلن في تشرين/ أكتوبر 2019.

استمر "سوء التفاهم" ليومين، عَلقت خلالهما معظم البنوك إمكانية سحب المودعين لأموالهم (وهو سحبٌ محكوم بسقف شهري على أي حال، يتفاوت بين بنك وآخر، ومودع وآخر، ومزاج مدير البنك، أو قوة "ظهر" الزبون الخ..).

بينما تجاهل بعضها الآخر الأمر كله، واستمر في اعتماد سعر الـ 3900 ليرة للدولار، فيما حذّر بعضها الآخر الزبائن من اضطراره لاعتماد السعر "القديم" أي 1507 ليرة للدولار، ونصحهم بالتريث!

وهكذا راح البلد إلى مزيد من الفوضى والتصرفات الاستنسابيّة، وسط خبريات – مضجرة فعلاً ومبتذلة الى حد مقرف - عن حرتقات ونكايات لا نهاية لها بين مختلف "المسؤولين"، وهم بكل الاحوال كائنات شبحية غريبة الاطوار، تعيش في فقاعات تخصها..

ثم، وفي اليوم الثالث، وكما في قصص الجان، لُفلفت القصة برمتها، وكأنها لم تكن!

وهذا يعيدنا إلى سؤال الغايات والأغراض، وفي الوقت نفسه إلى مقاومة الميل للبحث عن الخبايا والتفسيرات العقلانية، بوجه الإقرار الذي لا يُطاق بأنها مجرد سطوة العبثية..

مع أن اللبنانيين، وهم شعب تشتهر عنه قدرته الفائقة على التأقلم، قد وصلوا إلى وضع مزرٍ من الاضطرار إلى التعامل مع الافتقاد لكل شيء: لا وقود بكل أنواعه، وقد صار الوقوف أمام محطات البنزين رياضةً وطنية يسقط خلالها قتلى وجرحى نتيجة التوترات بين المنتظرين، ولا كهرباء، وهم يدفعون ثمنها ثلاث مرات:

الكهرباء الرسمية النادرة، وكهرباء مولدات البنايات إذا وُجدت، وكهرباء مولدات الأحياء التي يشتركون فيها لرأب النقص في المصدرين السابقين... وتبقى أغلبيتهم رغم ذلك بلا كهرباء لساعات في اليوم، نتيجة التقنين المعتمد من كل تلك المصادر. وقد صار الناس عبيداً لدى مؤسسات الكهرباء الرسمية ولدى أصحاب مولدات الاحياء، وهم "شبيحة" بكل معنى الكلمة.

وآخر الفقدانات هي الأدوية، وبالأخص منها تلك الضرورية للأمراض الكبرى، وقد تلازمت مع فقدان حليب الرضع... وصار البحث عن هذه كلها رياضةً وطنية أخرى، تجعل من يفوز بنصيب مما يبحث عنه يشعر بالنصر، وبكل الأحوال فهي تلهي وقته...

ويقال في البحث عن الأسباب العقلانية لهذا الشح، أنها ليست عبثيةً، وإنما هي تمهيدات لرفع الدعم عن المواد الأساسية، الذي توفره الدولة، أو أنه الطمع والاحتكار في الداخل، أو أنه التهريب إلى خارج البلد الخ...

فإلى متى؟ أم أن هذا أيضاً سؤالٌ عقلاني بغيض؟

* نهلة الشهال كاتبة وناشطة لبنانية، رئيسة تحرير "السفير العربي".

المصدر | السفير العربي