السبت 12 يونيو 2021 08:29 م

وضع "وليد سالم"، جواز سفره وتذكرة الطائرة إلى سياتل في حقيبته، لكن شعورا دفينا تملكه بأنه سيتم منعه من السفر من القاهرة، بسبب أبحاثه الأكاديمية، وتبين أن حدسه كان في محله.

فطالب الدكتوراه في العلوم السياسية بجامعة واشنطن، حاول من قبل السفر في مايو/أيار من العام الماضي لرؤية ابنته ذات الـ13 ربيعا، لكن السلطات صادرت آنذاك جواز سفره، ولم يتمكن من الصعود إلى الطائرة.

يقول "سالم" بعد منعه من السفر للمرة الثانية: "الشهر الماضي ذهبت، وأنا أعرف أنني يمكن أن أعود، لم يكن لدي أي يقين بأنني سأتمكن من السفر، لكني آثرت التفاؤل، وقلت لنفسي إنني لم أفعل أي شيء خاطئ، وبالتالي ليس هناك ما يستدعي القلق".

وفي مايو/أيار 2018 تم توقيف "سالم" وعصب عينيه وتكبيله لمدة 5 أيام، ووجهت إليه اتهامات عدة أحدها "الانضمام إلى جماعة إرهابية".

ويجري "سالم" بحثا ميدانيا حول دور القضاء في تسوية النزاعات السياسية في مصر وباكستان منذ خمسينيات القرن الماضي.

ويشرح أنه أثناء التحقيق معه في نيابة أمن الدولة: "سئلتُ حول تفاصيل رسالة الدكتوراه التي أعدها.. من هو المشرف؟ ما هي عناوين الفصول؟ من قابلت؟ وباختصار أبلغوني أنني أقول إن القضاء مسيس".

أمضى "سالم" نحو 6 أشهر في سجن طرة في القاهرة، قبل أن يتم إطلاق سراحه في ديسمبر/كانون الثاني 2018 مع تدابير احترازية، تقضي بأن يذهب إلى مركز الشرطة مرتين أسبوعيا.

ويضيف: "لا يمكن أن أفهم القسوة الشديدة التي تتمثل في منعي من رؤية ابنتي لأكثر من 3 سنوات بدون سبب"، ويتابع: "لم يبلغني أحد في أي وقت بالسبب وراء كل هذا".

ولم يكن "سالم" هو الحالة الوحيدة، ففي فبراير/شباط 2020، تم توقيف "باتريك جورج زكي"، لدى وصوله إلى مطار القاهرة، في عطلة قصيرة من دراساته العليا، التي يجريها بجامعة بولونيا في إيطاليا، بغرض رؤية أسرته.

وتقول "هالة صبحي"، والدة "باتريك"، "أصررت عليه كي يأتي لأنني أفتقده، فهو ابني الأكبر وعلاقتي به قوية.. كنت أريد أن أراه بضعة أيام فقط؛ لكني الآن ألوم نفسي لأنني كنت السبب في مجيئه".

وأحيا توقيف "باتريك"، الذكريات المؤلمة لمقتل طالب الدكتوراه الإيطالي في جامعة كمبريدج البريطانية "جوليو ريجيني"، الذي كان موضوع بحثه النقابات العمالية في مصر.

وعثر على "ريجيني" مقتولا في إحدى ضواحي القاهرة بعد 8 أيام من اختفائه في العاصمة المصرية في 25 يناير/كانون الثاني 2016.

والشهر الماضي، أحالت روما إلى المحاكمة الغيابية 4 من كبار مسؤولي الشرطة المصرية المتهمين بالتورط في قتل "ريجيني" بعد أن رفضت القاهرة تسليمهم.

وبالتزامن، وقع آلاف في إيطاليا عرائض تطالب بالإفراج عن "باتريك زكي" كما أن مجلس الشيوخ قرر منحه الجنسية الإيطالية ليتمكن من تلقي مساعدة قنصلية في سجنه.

ويقبع "زكي" في السجن بتهمة "تهديد الأمن القومي" و"التحريض على قلب نظام الحكم".

وتم تمديد حبسه لمدة 45 يوما هذا الأسبوع.

وتقول "هالة": "عندما أتخيل ابني في السجن أشعر أنني أختنق (…) كنا نظن أنه سيحبس لبضعة أيام أو على الأكثر أسابيع، لكن مر أكثر من عام الآن".

وفي حالة مشابهة جاء "أحمد سمير"، وهو طالب دراسات عليا في "جامعة سنترال يوروبيان" بفيينا، في عطلة لزيارة أسرته، وتم توقيفه في فبراير/شباط الماضي. وتم اتهامه بـ"بث أخبار كاذبة" وسيمثل أمام المحكمة مرة جديدة الأسبوع المقبل.

كما تم توقيف وحبس باحثين شبان آخرين مقيمين في مصر من بينهم خلود عامر رئيسة وحدة الترجمة في مكتبة الإسكندرية، وكذلك شيماء سامي وهي باحثة تعمل مع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في القاهرة.

وخلال الشهر الجاري، أعلنت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في مصر، الخميس، أنها وجهت إنذارا لوزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري بسبب الاستمرار في حرمان زوجة سجين الرأي السابق "هشام جعفر" من حقها في درجة الأستاذية.

وأوضحت المنظمة في بيان لها أن عميد المعهد التكنولوجي العالي الدكتور "عثمان محمد عثمان" لا يزال مستمرا في تعنته تجاه الأستاذة "منار الطنطاوي" برفضه إعادتها لمنصب رئيس القسم الذي كانت تشغله واعتذرت عنه لبعض الوقت لظروف مرضية، وحين صلحت الظروف طلبت إعادتها لمنصبها فرفض.

وبالتالي لجأت الشبكة العربية إلى إرسال الإنذار لوزير التعليم العالي لوقف هذا التعسف مطالبة إياه بالتدخل العاجل لإلزام عميد المعهد بتنفيذ قرار المجلس الأعلى للجامعات ومنح الدكتورة "منار" درجة الأستاذية ورد حقوقها المسلوبة.

وأفرج عن سجين الرأي الصحفي "هشام جعفر" بعد 3 سنوات ونصف قضاها في الحبس الاحتياطي.

وتعمل زوجته "منار الطنطاوي" في المعهد التكنولوجي العالي فرع السادس من أكتوبر، وحصلت على درجة الأستاذية بعد فحص إنتاجها العلمي من قبل اللجنة العلمية الدائمة في ديسمبر/كانون الأول 2019، وصدر قرار المجلس الأعلى للجامعات في فبراير/شباط 2020، وتم إرساله إلى المعهد، إلا أن عميد المعهد، "عثمان محمد عثمان"، رفض اعتماد اللقب العلمي، وما يترتب عليه من حقوق مادية وأدبية، بل ورفض إعادتها لمنصب رئاسة القسم، وهو المنصب الذي اعتذرت عنه مؤقتا لظروف مرضية.

من جانبه، يرى "إلياس صليبا" الباحث في "مركز جلوبال بابليك بوليسي" في برلين، أن الأكاديميين دخل مصر، في "وضع هش".

ويقول: "في بلد تسعى أجهزة الأمن إلى التحكم في الجدل العام حول الموضوعات السياسية فيه، يجد الأكاديميون، الذين يعارضون الخطاب الرسمي للدولة، أنفسهم بسرعة على قائمة المستهدفين".

وتحت الحكم البوليسي للرئيس الراحل "محمد حسني مبارك" كانت الحريات الأكاديمية مقيدة، لكنها ضاقت بشكل كبير منذ الانقلاب الذي قاده الرئيس الحالي "عبدالفتاح السيسي" على السلطة المنتخبة في 2013 حينما كان وزيرا للدفاع.

وتحتل مصر مرتبة متدنية على مؤشر الحريات الأكاديمية.

ويؤكد "صليبا"، الذي شارك في إعداد هذا المؤشر، إنه تم إحداث "مجموعة من التغييرات القانونية والتنظيمية بهدف إحكام السيطرة السياسية؛ ما أدى إلى تدهور في حرية التدريس والبحث".

المصدر | الخليج الجديد