الجمعة 16 يوليو 2021 05:13 ص

حال العرب بعد 5 سنوات من الانقلاب التركي

تثير المقارنة بين فشل الانقلاب العسكري التركيّ وتوطّد أركان الطغم العسكرية ـ الأمنية العربية، كثيرا من المواجع.

ارتبط فشل الانقلاب التركيّ، إلى حد كبير، بوعي النخب والجماهير التركيّة للخطورة الفظيعة لدخول البلاد مجددا دورة الانقلابات العسكرية.

تمسّك الشعب التركيّ ونخبه السياسية (وأقسام كبيرة من الجيش وقوات الأمن) بالديمقراطية حفظ البلاد من كارثة شاملة كان يمكن أن تمتمد للجغرافيا العربية وتضيف أهوالا جديدة.

عبّر الحدث المصريّ عن تخاذل نخب سياسية عن الانتصار للديمقراطية وتفضيل دعم الجيش ضد جهة سياسية متخلّين عن فرصة ثورة يناير التاريخية فاتحين الباب للدكتاتورية العسكرية مجددا.

*     *     *

استعاد الأتراك، والعالم، ليلة أمس، الذكرى الخامسة لمحاولة الانقلاب العسكري التركي الفاشل.

شارك في عملية الانقلاب قائدا القوات البرية والجوية، ويمكن تلخيص أفعال الانقلابيين تلك الليلة بالسيطرة على هيئة الأركان واعتقال رئيسها، خلوصي أكار، وعلى هيئة التلفزيون والإذاعة حيث أذاعوا بيانهم، وبمهاجمة مؤسسة البث الفضائي في أنقرة، ورئاسة القوات الخاصة، وقصف مبنى البرلمان، وإطلاق مروحية لهم النار على فندق كان يقيم فيه الرئيس رجب طيب إردوغان، ويقصفون المجمع الرئاسي بأنقرة، ويحتلّون جسري البوسفور والسلطان محمد الفاتح في إسطنبول.

حصل حدثان بارزان ساهما في إفشال الانقلاب:

- الأول كان ظهور الرئيس التركي على قناة تلفزيونية (عبر تطبيق للاتصال المرئي على جهاز التلفون الجوال) ليطلب من الأمة التصدّي لعملية الانقلاب (مترافقا مع قراره مواجهة الانقلابيين مباشرة عبر توجهه من مقرّ إجازته في مرمريس عائدا إلى إسطنبول)

- واندفاع الجماهير التركيّة للدفاع عن ديمقراطيتها ضد العسكر إلى جسر البوسفور والصمود هناك، بعد إطلاق الانقلابيين نار الدبابات والرشاشات عليهم، كما استمر التحشّد الجماهيري الرافض للانقلابيين في مدن عديدة وحصل إطلاق للنار.

وهو ما ترافق مع وقوف أقسام عديدة من الجيش والشرطة ضد الانقلاب ما أدى، بالنتيجة، إلى انهيار سريع للعملية العسكرية وبدء عمليات القبض على المشاركين فيها، وإحصاء ضحاياها، الذين وصل عددهم إلى 265 قتيلا و1440 جريحا.

إضافة إلى رد الفعل الجماهيري والرئيس التركيّ، فقد شاركت القوى السياسية التركية في إعلان رفض الانقلاب، بما فيها حزب الشعب الجمهوري المعارض، الذي كان عرّاب الانقلابات العسكرية سابقا، حيث أعلن زعيمه كمال قلجدار أوغلي أن «تركيا عانت من الانقلابات وسندافع عن الديمقراطية».

تثير المقارنة بين فشل الانقلاب العسكري التركيّ وتوطّد أركان الطغم العسكرية ـ الأمنية العربية، كثيرا من المواجع.

لقد تمسّك الشعب التركيّ ونخبه السياسية (وأقسام كبيرة من الجيش وقوات الأمن) بالديمقراطية وهو ما حفظ البلاد من كارثة شاملة كان يمكن أن تنداح إلى الجغرافيا العربية وتضيف إلى مصائبها أهوالا جديدة.

في المقابل، جرى في مصر، أكبر الدول العربية سكانا، انقلاب عسكريّ قام به وزير الدفاع، حينها، الفريق أول عبد الفتاح السيسي، حيث عزل الرئيس المنتخب محمد مرسي، وعطّل العمل بالدستور، وقد جاء الانقلاب بعد احتجاجات شعبية ضد الحكم، ودعمت الانقلاب أغلب النخب السياسية المصريّة (باستثناء جماعة الإخوان المسلمين) وأدى العنف ضد مؤيدي الرئيس لمقتل 51 شخصا على الأقل في يوليو ثم جرى فض اعتصامين شعبيين في أغسطس ما أدى إلى مقتل 670 شخصا وإصابة 4400، وهو ما وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش بأنه «أخطر حوادث القتل الجماعي غير المشروع في التاريخ المصري الحديث».

يفترق الحدثان تاريخيا، ويعبّران عن مساقين سياسيين كبيرين في تاريخ المنطقة المعاصر.

ارتبط فشل الانقلاب التركيّ، إلى حد كبير، بوعي النخب والجماهير التركيّة للخطورة الفظيعة لدخول البلاد مجددا دورة الانقلابات العسكرية، بينما عبّر الحدث المصريّ عن تخاذل نخب سياسية عن الانتصار للديمقراطية، وتفضيل دعم الجيش ضد جهة سياسية، متخلّين عن الفرصة التاريخية التي مثلتها ثورة يناير، وفاتحين الباب للدكتاتورية العسكرية مجددا.

يمثّل الحدث المصريّ المذكور جزءا من الاستعصاء السياسيّ العربيّ الكبير، وتخاذل النخب السياسية العربية التي تخيّر الشعوب بين الجيش والإسلاميين، مقفلة بذلك دائرة الاحتمالات التاريخية، ودافعة ببلادها نحو كوارث لا تتوقف.

المصدر | القدس العربي