الثلاثاء 20 يوليو 2021 10:23 ص

لقد تغير السيناريو الجيوستراتيجي حول دول الخليج بشكل كبير، وهي ظاهرة تنعكس في تحول المقاربات الأمريكية والصينية تجاه المواقع العسكرية في المنطقة. على هذا النحو، تم افتتاح موسم أمني جديد في الخليج. وبالنسبة للأنظمة الملكية، فإن السعي وراء القدرات الذاتية في مجال الدفاع سيظل استراتيجية أكثر أهمية.

وتعمل الولايات المتحدة على تقليص وجودها العسكري من خلال سحب جزء من أصولها الدفاعية الجوية، من السعودية والكويت والعراق والأردن، وإغلاق بعض القواعد تماما، مثل القاعدة في قطر، في حين أن الصين "قد نظرت على الأرجح في مواقع" لإنشاء منشأة بحرية، كما كتب "البنتاجون" في تقرير عام 2020؛ حيث ربما يكون الصينيون قد وضعوا أنظارهم على الإمارات كمقر لتلك المنشأة.

ومع احتدام المنافسة بين واشنطن وبكين، تسير الرياض والأنظمة الملكية المجاورة على حبل مشدود؛ فهي بحاجة إلى علاقة خاصة مع الولايات المتحدة وتوسيع التعاون في نفس الوقت مع الصين لتحقيق التوازن بين الأمن والازدهار في عصر ما بعد النفط.

لهذا السبب، تراهن دول الخليج على شراكات موازية مع واشنطن وبكين، على أمل تجاوز التداعيات الإقليمية لهذا التنافس. وتدرك الأنظمة الملكية أن توفير الأمن الخارجي الأمريكي قد تضاءل بشدة مقارنة بالماضي. وفي الوقت نفسه، ومع ذلك، فإنهم يعرفون أن بكين ليست البديل عن الولايات المتحدة بالرغم من طموحاتها الجيوسياسية المتنامية في جميع أنحاء العالم.

ومن العراق واليمن، تصعد الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران التهديدات الجوية والبحرية حول شبه الجزيرة العربية. ويحدث هذا بينما تعيد الولايات المتحدة والصين تشكيل مواقفهما الأمنية عبر الخليج والمياه المجاورة.

فمن ناحية، بدأت واشنطن تدريجيا في التخلي عن استراتيجية القواعد طويلة الأمد لمواجهة بكين بشكل أفضل في أماكن أخرى. ومن ناحية أخرى، تعمل الصين على زيادة تواجدها البحري في الخارج، أيضا من خلال نقاط استيطانية دائمة، مع التركيز على الأرجح على الممرات المائية في شبه الجزيرة العربية ونقاط الاختناق.

الولايات المتحدة وشبكتها الأساسية في الخليج.. حان الوقت لمرونة أكبر

وكما لاحظ بعض المحللين الأمريكيين، تم تصميم البنية الأساسية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك الخليج، بشكل أساسي لمواجهة التهديدات من الدول. واليوم، ومع ذلك، فإن الممالك الخليجية والمصالح الأمريكية في الخليج مهددة بشكل أساسي من قبل جهات فاعلة غير حكومية ومختلطة، مرتبطة في الغالب بإيران أو البقايا الجهادية بما في ذلك فروع "القاعدة" أو ما يُطلق عليه اسم تنظيم "الدولة الإسلامية". وفي الواقع، يمكن للجماعات المسلحة المرتبطة بإيران التنسيق مع بعضها البعض لإجراء عمليات غير متكافئة في المنطقة.

وفي أوقات انتشار الصواريخ الباليستية والطائرات المسلحة بدون طيار، يمكن لعدد كبير من المواقع العسكرية الأمريكية في الخليج أن تساهم في الردع. لكنها تخاطر أيضا بالتحول إلى "أهداف سهلة" لهجمات غير متكافئة.

وفي يوليو/تموز 2021، أغلقت الولايات المتحدة بعض المنشآت في قطر، مثل السيلية الرئيسية، والسيلية الجنوبية، ونقطة إمداد الذخيرة "فالكو"، ونقلت الإمدادات المتبقية إلى مركز في الأردن. وكان الأساس المنطقي وراء ذلك هو كبح جماح التهديد بشن هجمات جوية من الجماعات المدعومة من إيران في الخليج.

وعلى نطاق أوسع، تعيد الولايات المتحدة النظر في الأنماط التقليدية للوجود الأمني ​​في الخليج بينما تحاول، في الوقت نفسه، طمأنة السعودية بشأن التزامها الأمني ​​الدائم تجاه المنطقة. وكانت هذه هي الرسالة التي وجهتها لنائب وزير الدفاع السعودي "خالد بن سلمان آل سعود"، شقيق ولي العهد، الذي زار واشنطن في بداية شهر يوليو/تموز.

ووقعت القيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" اتفاقية مبدئية مع السعودية في يناير/كانون الثاني 2021 لاستخدام القواعد الجوية والموانئ في غرب المملكة، في ينبع وتبوك والطائف، لمواجهة هجمات إيران غير المتكافئة وأنشطة حلفائها المزعزعة للاستقرار، مثل الحوثيين في اليمن. ويسلط هذا الضوء على نهج "الشبكة اللوجيستية المرنة" الناشئة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بناء على اتفاقيات التحليق والوصول المسبق إلى الموانئ بدلا من القواعد البحرية الدائمة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن إعادة هيكلة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج تشمل أيضا الدفاع الجوي. ومنذ يونيو/حزيران 2021، بدأت الولايات المتحدة في تقليص الأنظمة المضادة للصواريخ التي نشرتها في أعقاب الهجمات الصادمة ضد شركة "أرامكو" السعودية في سبتمبر/أيلول 2019. ويشمل هذا سحب 8 بطاريات صواريخ باتريوت مضادة للصواريخ من السعودية والعراق والكويت والأردن. كما سيتم سحب نظام "ثاد" أو "المحطة الطرفية للدفاع عن منطقة الارتفاعات العالية"، من السعودية، في حين سيتم تقليل أسراب المقاتلات النفاثة أيضا.

تنافس متزايد على الممرات المائية في الخليج وشبه الجزيرة العربية

ويبقى هناك شيء واحد مؤكد، وهو أن تصورات دول الخليج للتهديدات الحالية لا تتوافق مع تصورات واشنطن، على الأقل بالنسبة للصين. وحددت الولايات المتحدة مؤخرا الأولويات الأمنية في الشرق الأوسط؛ فقد ناقش الجنرال "كينيث ماكنزي"، قائد القيادة المركزية الأمريكية، الخطوط الـ 3 لجهود القيادة المركزية خلال بيان الموقف أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ في أبريل/نيسان 2021. والاتجاه الاستراتيجي الأمريكي واضح، أولا، ردع إيران ووكلائها. ثانيا، مواجهة التنظيمات المتطرفة العنيفة مثل القاعدة وما يسمى بالدولة الإسلامية. ثالثا، المنافسة الاستراتيجية ضد الصين مع مواجهة روسيا.

وشدد الجنرال "ماكنزي" بشكل خاص على "هدف الصين طويل المدى المتمثل في توسيع وجودها العسكري لتأمين الطرق الحيوية للطاقة والتجارة"، بالنظر إلى اعتماد بكين الكبير على نفط الخليج. ولا يزال محتوى اتفاقية التعاون الصيني الإيراني التي تبلغ مدتها 25 عاما، الموقعة في مارس/آذار 2021 غامضا.

وتضع الشراكة إيران ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية، مع تداعيات محتملة على البنى التحتية البحرية والوصول إلى الموانئ. وعلى الجانب الأمني، يمكن أن يشمل الاتفاق تدريبات بحرية مشتركة ومنشآت عسكرية أيضا. وفي ديسمبر/كانون الأول 2019، أُجريت بالفعل مناورات بحرية إيرانية صينية روسية في خليج عمان.

ومع ذلك، فإن وجود منشأة عسكرية صينية في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي، أو بدرجة أقل، صفقة وصول بحري، من شأنه أن يعقد علاقة الأخيرة مع الولايات المتحدة. وحول هذه النقطة، تركز عيون واشنطن الآن على الإمارات، أقرب حليف لها في مجلس التعاون الخليجي. ومع ذلك، فإن التعاون الصيني الإماراتي يقوى، بالنظر إلى "دبلوماسية اللقاح" وتكنولوجيا "هواوي" للجيل الخامس، ورحلات النقل الأخيرة مع هبوط طائرتين تابعتين لجيش التحرير الشعبي الصيني في مطار الإمارات لتفريغ مواد غير محددة، ما أثار المزيد من علامات الاستفهام من الجهة الأمريكية.

أين المصلحة الوطنية لدول الخليج في المنافسة الأمريكية الصينية؟

وضمن مثل هذا السيناريو العالمي المتوتر، يمكن للأنظمة الملكية الخليجية محاولة الحفاظ على مصالحها الوطنية فقط من خلال السعي إلى شراكات متوازية مع كل من الولايات المتحدة والصين. ومع هذا النهج، ستعمل الأنظمة الملكية على تعظيم الفوائد الأمنية والاقتصادية الناتجة عن هذه التحالفات مع محاولة تجنب، أو الحد من، الاحتكاكات المباشرة.

على سبيل المثال، تبقى مجالات مثل التعليم العسكري والتدريب ونقل المعرفة التقنية لممالك الخليج للولايات المتحدة اليد العليا فيها على الصين، مع التركيز على قابلية التشغيل البيني.

ولكن مع تعمق المنافسة الاستراتيجية الأمريكية الصينية، يضيق مجال المناورة للأنظمة الملكية الخليجية. ومن وجهة نظرها، يمكن أن تأمل الرياض وأبوظبي والبقية في أن تجد واشنطن وبكين طرقا لتعزيز الأهداف التعاونية، على سبيل المثال بدءا من الأمن البحري وحرية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب.

وفي الخليج وشبه الجزيرة العربية، فقط الأهداف المربحة للجانبين بين الولايات المتحدة والصين هي التي يمكن أن تساعد دول الخليج على التخفيف من مخاطر سياسة الشراكات المتوازية التي لا مفر منها.

المصدر | إلينورا أرديماجني/المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية - ترجمة وتحرير الخليج الجديد