الأربعاء 21 يوليو 2021 02:14 م

عجز اللغة أمام الكوارث

هناك معايير أهمّ للتعظيم من شأن اللغة أو العكس هي الأهمية العلمية لهذه اللغة.

أين مفردات لغتنا العربية القادرة على وصف كوارث لبنان والعراق واليمن وسوريا وتونس وسواها؟

لم تكتف أنغيلا ميركل بالقول إن الأضرار التي تسببت بها الفيضانات في بلادها «مخيفة» و«تفوق التصور».

قالت ميركل شيئاً آخر ذا مغزى: «اللغة الألمانية لا تعرف مفردات تصف بها الدمار الذي حدث هنا» واصفة ما رأته بـ«الصور الشبحية السريالية».

قالت ميركل «علينا أن نسرع من خطواتنا في مكافحة تغيّر المناخ، فها نحن نرى بأي قوة يمكن أن تتصرف الطبيعة حين نستخف بقوانينها».

لا نتفاجأ حين نعلم أن الألمانية حلت في المرتبة الثانية بعد الإنجليزية من حيث الاستخدام على الشبكة العنقودية في المنشورات والبحوث الأكاديمية.

*     *     *

على ذمة الموقع الإلكتروني «إنجليش لايف»، فإن اللغة الألمانية تأتي في المركز العاشر بين أقوى عشر لغات في العالم، فقبلها تأتي، وبالترتيب اللغات: الإنجليزية، الصينية، الهندية، العربية، الإسبانية، الروسية، البرتغالية، البنغالية، الفرنسية.

المعيار الذي اعتمده واضعو هذا التصنيف، أو الترتيب، هو عدد الناطقين بكل لغة من هذه اللغات، وهو ما سبق أن أشرنا إليه في مقال سابق، فكلما كثر عدد المتحدثين باللغة، علا ترتيبها بين اللغات الأخرى.

ولكن هناك معايير أهمّ للتعظيم من شأن اللغة أو العكس، هو الأهمية العلمية لهذه اللغة، لذا علينا ألا نتفاجأ حين نقرأ أن اللغة الألمانية التي حلّت أخيراً بين أكثر عشر لغات استخداماً في العالم، حلت في المرتبة الثانية، بعد الإنجليزية، من حيث الاستخدام على الشبكة العنقودية في المنشورات والبحوث الأكاديمية، وأن البلدان الناطقة بالألمانيَّة تحتل المركز الخامس من حيث المعدل السنوي لنشر الكتب الجديدة، حيث يُنشر عُشر جميع الكتب في العالم كله (وهذا يشمل الكتب الإلكترونية) باللغة الألمانية.

لكن موضوع حديثنا لن يكون اللغة كما قد يتبادر إلى أذهانكم، وإنما هو حديث مستوحى من عبارة قالتها المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل خلال زيارتها للمناطق التي تضررت بشدّة من الفيضانات في غرب ألمانيا، فهي لم تكتف بالقول إن الأضرار التي تسببت بها الفيضانات «مخيفة» و«تفوق التصور»، وإنما قالت شيئاً آخر ذا مغزى: «اللغة الألمانية لا تعرف مفردات تصف بها الدمار الذي حدث هنا»، واصفة ما رأته بـ«الصور الشبحية السريالية».

لم تقصد ميركل، وهي المعروفة باعتزازها بألمانيتها، وبما بذلته من جهود لأن تجعل من ألمانيا أكثر قوة، أن تقلل من شأن لغة قومها، أو تومئ من قريب أو بعيد، إلى فقر مفردات هذه اللغة، وإنما التعبير عن هول ما رأت، بحيث أنها لم تجد الكلمات المناسبة للتعبير عن المأساة.

في العالم كله مآسٍ تعجز كل اللغات عن وصفها، فما فعله جشع الإنسان وتوحّش الكثير من الماسكين بمقاليد الأمور في بلدانه، جعل اللغات عاجزة عن وصف ما يجري، وحصتنا، كعرب، في هذا كبيرة.

أين هي مفردات لغتنا العربية القادرة على وصف ما يجري من كوارث في لبنان والعراق واليمن وسوريا وتونس وسواها؟

سيقول قائل إن ما جرى في ألمانيا مختلف، فهو كارثة طبيعية لا دخل للإنسان فيها، لكن الجواب سيأتي من ميركل نفسها حين قالت: «علينا أن نسرع من خطواتنا في مكافحة تغيّر المناخ، فها نحن نرى بأي قوة يمكن أن تتصرف الطبيعة حين نستخف بقوانينها».

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين

المصدر | الخليج