الأربعاء 28 يوليو 2021 10:16 ص

الأردن… متى تتوقف «ملاكمة الكبار»؟

الاختلاف مع الموقف الرسمي في الماضي كان له طعم ونكهة ولأن دولة الأردنيين تعبر ليس عن مشاعرهم فقط بل هويتهم السياسية.

لم يعد التجاذب والخلاف في الصف الرسمي سرا واستقطابات المؤسسة يتحدث عنها المواطن البسيط عندما يتعلق الأمر بمحاولة إفشال اللجنة الملكية.

على الصراعات والتجاذبات والانقسامات بين مراكز القوى بمؤسسات الدولة أن تنتهي الآن بلا مقدمات بل يجب أن تذوب بقرار سياسي مرجعي نهائي بلا استئناف.

ينبغي تحدد ضمانات من القوى السياسية والشارع ورسم احتياجات الدولة العميقة لنلبيها جميعا لأننا شركاء معها لئلا نبقى بحالة ملاكمة في العتمة في حلبة الدولة.

مطلوب مراجعة أعمق في عقل وجسم الدولة لفهم ما يجري وكيفيته ونتائجه بين مراكز القوى في القرار بين حين وآخر قبل الانتقال للاشتباك مع الواقع ومخاطبة الرأي العام.

*     *     *

يحتاج المشهد وبكل صراحة لمراجعة أعمق في عقل وجسم الدولة الأردنية لفهم ما يجري وكيفيته ونتائجه بين مراكز القوى في القرار بين الحين والآخر قبل الانتقال إلى مستوى الاشتباك مع الواقع والتحدث للرأي العام.

أزعم بأن أكثر ما يشتاق ويحن إليه المواطن الأردني هذه الأيام هو دولته القديمة حتى عندما يختلف مع قراراتها أو سياساتها.

لمست شخصيا موجة الحنين تلك عند المعارضة قبل الموالاة لأن الاختلاف مع الموقف الرسمي في الماضي كان له طعم ونكهة ولأن دولة الأردنيين تعبر ليس عن مشاعرهم فقط بل هويتهم السياسية.

قبل أي لجان لا بد من العودة إلى تلك الصيغة التي أسست الأردن الحديث حيث نص مرجعي مؤسسي محكم واحد يلتزم به الموظفون ورموز القرار، وحيث نص وطني يوازيه تلتزم به جميع المؤسسات مما كان يوفر مخزنا من المصداقية في الخطاب الرسمي ينعكس دوما على ثقة صلبة متكرسة بين الدولة والمواطن.

لا بد من عودة النص المحكم قبل التنظير على المواطنين وإلقاء الخطابات عليهم وقبل الاستهلاك في تلك الشعارات القديمة التي تلوم المواطن دون الموظف الرسمي أو التي تخجل بحكم التراث من التحدث عن الأخطاء.

العودة لصيغة النص الموحد على مستوى جميع مؤسسات الدولة محطة ضرورية الآن ويوازيها أهمية أنه على تلك الصراعات والتجاذبات والانقسامات والاختلافات بين مراكز القوى داخل مؤسسات الدولة أن تنتهي الآن وبدون مقدمات لا بل عليها أن تذوب بقرار سياسي مرجعي نهائي لا يقبل الاستئناف.

تلك تجاذبات لا تبدو وقتيا صحية ولا يمكن الاستفادة منها ولأنها وبصراحة أيضا شخصانية في أغلب الحالات، وليست وطنية بالنص والدافع والحافز وبالتالي لا تؤسس للتنوع النظري المطلوب في المئوية الثانية للدولة التي يعتز بها جميع أركانها.

تلك مطالب قد تبدو بسيطة لكنها ضرورية وملحة.

ومناسبة الحديث عنها هو سؤال مستفز لفضائية محلية عن تلك التجاذبات والصراعات التي ترهق وتقلق الجميع اليوم ولها علاقة باللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية وبعد استقالة عضوين فيها وملاحقة ومطاردة غيرهما.

واضح أن تلك اللجنة شكلت على عجل. واضح أيضا أن عدد أعضائها الضخم أصبح عبئا ويفسر مقولة الزحام الذي يعيق الحركة. وهو زحام في الأحزاب السياسية تحديدا أعاق حركتها لعقود، حتى ولدت تلك اللجنة لمعالجة ذلك الزحام بزحام من نوع آخر، ثبت اليوم أنه يعيق الحركة.

فالعدد الكبير لأعضاء اللجنة يعيق تقدمها وعندما يقرر المطبخ توسيع مظلة التمثيل الاجتماعي بلجنة استشارية الطابع لا تضم الخبراء فقط كان من الطبيعي أن يتوقع بأن كل من لم يسجل اسمه عضوا في اللجنة سيشاغبها أو يناكفها أو يشاغلها، فثمة أزمة في عمق المجتمع أصلا اسمها التمثيل والمحاصصة، يدفع الوطن اليوم ثمنها.

كما أن كلفة إضعاف اللجنة وإشغالها بقضايا بائسة وصغيرة ضمن معطيات الاشتباك الشخصاني بين رموز الإدارة العليا أكبر بكثير على الدولة والناس والوطن من فاتورة السماح لها بالعبور والنفاذ نحو توافقات بمزاج وسطي على الأقل على المكلفات والقضايا المطروحة.

ولا بد لكبار اللاعبين والسياسيين وأصحاب القرار ورموز السلطات وأركان المطبخ الجلوس معا على طاولة واحدة والاتفاق أولا أو التوافق فيما بينهم على مشروع إصلاح وتغيير معقول ومنطقي قبل الظهور لنا نحن معشر المواطنين لكي نرصد يوميا ما يؤلم من مفارقات ونتائج الاستقطاب والخلاف، فالجميع وبدون استثناء خاسر في حال بقاء هذا النمط من الملاكمة بين كبار المسؤولين على النحو الجاري حاليا.

يحتاج الأردني لشعوره بأن أدوات الإدارة في الدولة وأركان المطبخ قادرون على إنكار الذات من أجل الوطن.

يحتاج المواطن في ظرف اقتصادي ومعيشي وإقليمي حساس وضاغط إلى اليقين بأن سكان الطبقات العليا متفقون على الحد الأدنى ضمن خطة موحدة للتحدث مع بقية السكان في الطبقات السفلى حرصا على صيانة وسلامة البناية.

للأسف التجاذب والخلاف في الصف الرسمي لم يعد سرا. وللأسف أيضا الاستقطابات داخل المؤسسة أصبح يتحدث عنها المواطن البسيط عندما يتعلق الأمر بما يسمى محاولة إفشال اللجنة الملكية.

نقترح بكل إيجابية أن تحدد كل الجهات الأساسية والعميقة مسألتين قبل الخروج للناس بأي مشروع سياسي وبدون ضرب تحت الحزام أو احتقان أو توجيه لكمات في العتمة ضد نفس الوجه، فالناس لا يملكون إلا السلبية والفرجة والكلفة باهظة مستقبلا.

المسألة الأولى تحدد الضمانات المطلوبة من القوى السياسية والشارع. والثانية ترسم احتياجات الدولة العميقة حتى نلبيها جميعا لأننا شركاء معها.

دون ذلك سنبقى في حالة ملاكمة في العتمة داخل حلبة الدولة.

* بسام البدارين كاتب صحفي وإعلامي أردني

المصدر | القدس العربي