الجمعة 30 يوليو 2021 06:56 ص

يبدو الزلزال السياسي الذي هز تونس يوم 25 يوليو/تموز، بعد 65 عاما من استقلال البلاد عن فرنسا، مألوفا للغاية. وأعلن الرئيس "قيس سعيد" عزمه استعادة "السلم الاجتماعي" و"إنقاذ الدولة"، بإقالة رئيس الوزراء "هشام المشيشي"، ووقف عمل البرلمان لمدة 30 يوما، وأعلن أنه سيعين رئيسا جديدا للوزراء. وشدد على أن هذا لم يكن انقلابا، بل مجموعة من "الإجراءات المؤقتة" التي تتماشى مع الأحكام "الاستثنائية" المنصوص عليها في الفصل 80 من الدستور التونسي.

وقد يكون "سعيد" صادقا في إصراره على أن الأزمة المالية والصحية المتصاعدة في تونس تتطلب هذه الخطوات الدراماتيكية. وفي الأسابيع القليلة الماضية، انهار النظام الصحي في البلاد تقريبا تحت وطأة أزمة "كوفيد-19" المتصاعدة والتي أودت بحياة ما يقرب من 19 ألف تونسي في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 12 مليون نسمة، تم تطعيم 7% منهم فقط.

ومهما كانت نوايا "سعيد"، فإن حركة "النهضة" ستنظر في أفعاله على أنها مقدمة لاستبعادها من الساحة السياسية. وفي الواقع، فإن الخطر الأكبر الذي يواجه تونس اليوم هو احتمال الوصول إلى صراع أهلي قد يؤدي إلى الفوضى والتشرذم وفرض حكم استبدادي في صورة نظام رئاسي قوي.

ويعتقد أنصار "سعيد" أنه أنقذ تونس، لكنهم قد يجدون قريبا أنه أطلق العنان لإعصار لا يستطيع السيطرة عليه. ويتوقف مصير تونس في النهاية على ميزان القوى في الشارع وبين مراكز القوى، بما في ذلك النخب العسكرية والأمنية، ما قد يدفع "سعيد" إما إلى محاكاة الزعماء العرب الآخرين أو إعادة البلاد إلى طريق الديمقراطية. ولا يوجد حل وسط بين هذين السيناريوهين.

علاوة على ذلك، يمكن أن يخلق انهيار الديمقراطية فرصا للجهاديين لتعزيز سرديتهم في جميع أنحاء المنطقة. وفي مواجهة هذا الخطر، يجب على جيران تونس القريبين والبعيدين، جنبا إلى جنب مع أوروبا والولايات المتحدة، تقديم حزمة إغاثة اقتصادية شاملة مقابل خطوات ملموسة من شأنها أن تساعد "سعيد" على الوفاء بوعده بحماية الديمقراطية في البلاد بدلا من تدميرها.

مشهد مألوف

وغالبا ما تبدأ الانقلابات بوعد من القادة العسكريين أو المدنيين بتخليص الشعب من "الفوضى" التي خلفها ما يرون أنهم سياسيون فاسدون أو فاشلون. وتتسبب الإطاحة بالحكومات المنتخبة، سواد كانت النوايا حسنة أو سيئة، في إطلاق العنان أحيانا لتدفق سياسي جماهيري وصراعات داخلية مريرة تستدعي بعد ذلك مزيدا من القمع. وغالبا ما يقع المتحمسون للانقلاب في نفس شبكة القمع التي اتهموا خصومهم بها.

وهذا ما حدث في الأشهر التي أعقبت إطاحة "عبدالفتاح السيسي" في 3 يوليو/تموز 2013 بالرئيس المصري المنتخب "محمد مرسي". واتخذ "السيسي" خطوته بعد أسابيع من خروج مئات الآلاف من المصريين إلى الشوارع للتنديد بالحكومة التي يسيطر عليها "الإخوان المسلمون".

وبينما كانت هناك مخاوف واسعة من هيمنة الإسلاميين، فقد تم تنسيق الاحتجاجات في الواقع من قبل قادة عسكريين وناشطين مدنيين من حركة "تمرد". ومن المؤكد أن الاحتجاجات كانت جزءا أساسيا من خطة الجيش المصري للاستيلاء على السلطة.

والسؤال الآن هو ما إذا كانت نفس الديناميكيات تلعب دورا في تونس اليوم. وهنا نجد أن بعض التشابهات ملفتة للنظر. وربما ليس من قبيل المصادفة أنه في الساعات التي سبقت إعلان "سعيد"، نزل المتظاهرون في تونس ومدن أخرى إلى الشوارع للتنديد بالنهضة، بل وهاجموا مقرها في العاصمة. وقادت هذه الاحتجاجات "حركة 25 يوليو/تموز"، وهي جهة غامضة بدت وكأنها ظهرت بطريقة سحرية في نفس يوم الاحتجاجات. وطالبت الحركة بإعطاء الرئيس سلطة حل البرلمان، ورفع الحصانة البرلمانية، وتشكيل لجنة لمراجعة دستور 2014. وبدا بيان "سعيد" في 25 يوليو/تموز متوافقا مع تطلعات المحتجين.

علاوة على ذلك، يبدو أن "سعيد" قد أعد المشهد قبل أسابيع من تحركه. وكان "سعيد" قد اشتبك مع رئيس الوزراء "المشيشي" وحكومته منذ يناير/كانون الثاني، عندما رفض الرئيس أداء اليمين لـ 11 عضوا في مجلس الوزراء اتهم بعضهم بالفساد.

وأدت جهود الحكومة المتعسرة للتصدي للوباء إلى ظهور مشاهد من المعاناة المطلقة في المستشفيات في جميع أنحاء البلاد. وعندما أعلنت الحكومة عن لقاحين خلال عيد الأضحى، اشتكت الجماهير من الطوابير الطويلة والفوضى أمام العيادات التي فتحت أبوابها للجماهير. ثم قام "المشيشي" بإقالة وزير الصحة في محاولة على ما يبدو للإشارة إلى أنه لا يزال مسؤولا عن السياسة الداخلية.

ورد "سعيد" بإعلان أن الجيش سيقود جهود التطعيم. وبالنظر إلى تأكيداته السابقة والمثيرة للجدل بأن الدستور يمنحه سلطة على كل من الجيش وقوى الأمن الداخلي، فقد عمقت حركته المخاوف القائمة بالفعل من أنه كان يسلم الكثير من السلطة إلى الأجهزة الأمنية.

وبدا أن تحذير "سعيد" في 25 يوليو/تموز من أن "من يطلق رصاصة، سترد عليه القوات المسلحة بوابل من الرصاص" قد أظهر عزمه على اللجوء إلى الأجهزة الأمنية بينما كان يتحرك لتعليق عمل البرلمان وإقالة رئيس الوزراء.

وكان اقتحام الشرطة لمكتب "الجزيرة" في تونس، ناهيك عن التقارير التي يبدو أنها توحي باعتقال وشيك لبعض القادة السياسيين ورجال الأعمال، عوامل معززة للمخاوف من أن تونس قد تنضم الآن إلى نادي المستبدين العرب الذين عززوا سلطتهم منذ الربيع العربي 2011.

القيود التي تواجه الرئيس وأتباعه

ومع ذلك، فإن "سعيد" وأنصاره يواجهون قيودا هائلة ستجعل من الصعب على تونس محاكاة مصر. بادئ ذي بدء، ليس للجيش التونسي تاريخ في العمل كمؤسسة سياسية مستقلة قادرة على إدارة الاقتصاد أو المشهد السياسي المنقسم. وتتولى الشرطة وقوات الأمن الداخلي قيادة أعداد أكبر بكثير من العسكريين ولديها أيضا الوسائل لحماية الجبهة الداخلية.

ويشكل هذا تحديا صعبا لزعيم يسعى إلى إعادة اختراع البيئة السياسية في البلاد. ويجب أن يعتمد أي زعيم من هذا القبيل في نهاية المطاف على الحلفاء السياسيين الحاليين أو المحتملين، وعلى نظام سياسي يمثل الحلبة الوحيدة التي يمكن للرئيس من خلالها تعزيز سلطته. ولن يكون هذا سهلا على أستاذ القانون الدستوري الزئبقي الذي أصبح متمردا شعبويا يعادي السياسة. 

والخيار الآخر لـ "سعيد" هو ممارسة لعبة فرق تسد من خلال استغلال الانقسامات الحادة في المجتمع وحول الهوية. ويبدو أن كراهيته للنهضة تقدم فرصة مثالية للعب هذه الورقة. لكن القيام بذلك قد يحمل أيضا خطر تشجيع منافسي النهضة، وخاصة حزب "عبير موسي"، على تصعيد صراعهم مع الحركة الإسلامية، وبالتالي فتح الباب أمام صراع أهلي لا يمكن السيطرة عليه.

وبالرغم من الانقسام، فقد أظهر العديد من القادة المنتخبين في تونس بالفعل رفضا لتعليق عمل البرلمان. وقد استنكر زعماء من الأحزاب التي كانت معادية للنهضة، مثل التيار الديمقراطي، إجراءات "سعيد". وتميل النخبة السياسية في تونس بشدة نحو خبراء القانون بما في ذلك القانون الدستوري. وقد بقيت روح الدستورية على مدى عقود عديدة، حتى خلال ديكتاتورية "زين العابدين بن علي".

وبالرغم أن دستور 2014 مليء بالتناقضات والغموض، فلا يمكن التذرع به بسهولة ليناسب الطموحات "سعيد". وفي الواقع، يتفق كثير من السياسيين والمنظمات غير الحكومية البارزة مع تأكيد "الغنوشي" أن "سعيد" فشل في الالتزام بمتطلبات المادة 80 من خلال عدم التشاور مع البرلمان، ومن خلال السعي إلى تعليق نشاط البرلمان بالمخالفة المباشرة لتلك المادة. 

وبالانتقال إلى الجبهة الاقتصادية، من الصعب تخيل كيف ستؤدي تصرفات "سعيد" إلى حل الأزمة الحالية مع صندوق النقد الدولي، الذي يصر على مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية الصعبة مقابل حزمة الإنقاذ التي بدونها ستتعرض الحكومة لضغوط شديدة.

ومع كثرة الأعباء الاقتصادية التي يعاني منها الشعب التونسي فمن المتوقع أن تنزل الجماهير إلى الشوارع لعرقلة هذه الإصلاحات. وسيحاول "سعيد" على الأرجح الاستفادة من الغضب الشعبي للتعويض عن افتقاره إلى رؤية سياسية واضحة. لكن السلوكيات الشعبوية الغريبة لا يمكن أن تكون بديلا عن حوار جاد وعملي حول كيفية مواجهة أزمة اقتصادية وصحية أدت إلى تركيع تونس.

إنقاذ تونس

إن الخطر الأكثر أهمية والذي ينبغي أن ينتبه له "سعيد" هو احتمالية وقوع تونس في هاوية الصراع الداخلي والعنف والفوضى الاجتماعية التي لا تنتهي. وفي ظل افتقارها إلى مركز ثقل سياسي، يمكن أن تصبح تونس دولة فاشلة وديمقراطية فاشلة. وإذا لم يكن هذا الاحتمال الخطير كافيا، فربما يقنعه بعض أقرب مستشاريه بأنه بدلا من أن يكون المتسبب في سقوط تونس، فمن الممكن أن يكون منقذها.

وفي هذا الصدد، قد يكون الطريق إلى الأمام هو أن يستضيف "سعيد" حوارا وطنيا تحضره جميع الفصائل الرئيسية، بما في ذلك حركة النهضة الإسلامية. وبالرغم أنه طرح هذه الفكرة من قبل، إلا أن فرصة حدوث كارثة وطنية تلوح في الأفق قد تدفعه إلى أن يصبح من نوعية القادة الذي تحتاجه تونس بشدة.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للدول الإقليمية الرئيسية، وكذلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لعب دور دبلوماسي دقيق في محاولة إنقاذ تونس. والحافز الرئيسي للقيام بذلك ليس فقط الخطر على الديمقراطية في البلاد، ولكن أيضا الاحتمال الكبير بأن تستغل القوى المتطرفة الاضطرابات لإعادة تأكيد نفوذها في تونس، وكذلك في ليبيا والجزائر المجاورتين.

علاوة على ذلك، فإن التقدم الذي ما يزال هشا للغاية الذي حققته ليبيا في التحضير للانتخابات في ديسمبر/كانون الأول المقبل سيتبدد بالتأكيد إذا رأى القادة الليبيون في قصة تونس درسا من العبث المطلق للتغيير الديمقراطي. وقد يبدو غريبا أن يحدث هذا لتونس وبالتالي لا يمكن السماح لها بالفشل.

ويجب على الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين العمل مع المقرضين الدوليين وصندوق النقد الدولي لصياغة برنامج اقتصادي يحمي الفئات الأكثر ضعفا في تونس.

ومع إدراكهم أنهم سيتحملون وطأة تدفقات الهجرة غير الشرعية إذا انهارت تونس، فإن القادة الأوروبيين لديهم سبب وجيه لدعم هذه الاستراتيجية متعددة الأبعاد، بشرط أن يلتزم "سعيد" بسياسة المشاركة والحوار الوطنيين.

وأوضح وزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكن" هذه النقطة بالذات في مكالمة هاتفية في 26 يوليو/تموز مع الرئيس التونسي. ولن تكون هذه بالتأكيد المرة الأخيرة التي ستضطر فيها إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" إلى حث "سعيد" على "الالتزام بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان".

المصدر | دانيل برومبرج/المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد