شراكة ما بعد الحوار الاستراتيجي

ميليشيات الحشد الشعبي هي الأقرب إلى إيران وتطالب بـ«التحرر نهائياً من الوجود العسكري والنفوذ السياسي الأمريكي».

هل يبقى العراق خاضعاً لهيمنة أمريكية على نحو ترفضها المعارضة؟ هل الصراع الداخلي في العراق سيزداد عنفاً حول تلك الشراكة الجديدة؟

سيخرج الأمريكيون من التعاون العسكري المباشر لكنهم سيدخلون من أبواب تعاون استراتيجي واقتصادي وسياسي وثقافي يبقي العراق ساحة نفوذ أمريكية.

التناقض الأصعب داخل العراق بين موالين لرئيس الحكومة يحرصون على صياغة شراكة استراتيجية عميقة ومديدة مع أمريكا ومعارضين لا يقبولون بذلك.

بات مؤكداً أن المواجهة ستكون أكثر سخونة في ظل ورقتي ضغط تملكهما الفصائل ضد الكاظمي: الانتخابات العامة المقبلة وأزمة كهرباء تهدد استقرار حكومته.

«العلاقة مع أمريكا ليست مجرد علاقات عسكرية بل هي علاقات واسعة النطاق وسنتعاون في المستقبل بشكل أوسع ضمن الكثير من المجالات التي تم ذكرها».

قال الكاظمي: "لقد طلبنا من الأمريكيين والإيرانيين الابتعاد عن تصفية حساباتهم في العراق» لكنه أيضا أثنى على تعاون قوات التحالف الدولي مع العراق لهزيمة داعش.

*     *     *

لم يشكك أحد ولو للحظة، سواء داخل العراق أو خارجه، أن الجولة الأخيرة للحوار الاستراتيجي الأمريكي – العراقي، وزيارة رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي لواشنطن ضمن هذا الحوار ولقائه مع الرئيس الأمريكي جو بايدن، جولة مفعمة بالتعقيدات والمطالب المتناقضة، ليس فقط بين وفدي التفاوض العراقي والأمريكي، والتي تحدد هدفها بدقة وهو بحث مستقبل الوجود العسكري الأمريكي، والطموح العراقي لوضع جدول زمني محدد لانسحاب القوات الأمريكية المقاتلة من العراق.

لكن التناقض الأصعب كان وما زال داخل العراق، بين موالين لرئيس الحكومة العراقية الذين يحرصون على صياغة شراكة استراتيجية عميقة وبعيدة المدى، وبين معارضين ليسوا على استعداد للقبول بأي شكل من العلاقة مع الولايات المتحدة سواء كانت عسكرية أم غير عسكرية، فهؤلاء، الأقرب إلى إيران، يطالبون ب «التحرر نهائياً من الوجود العسكري والنفوذ السياسي الأمريكي».

يدرك الكاظمي أكثر من غيره مدى ثقل ونفوذ ميليشيات «الحشد الشعبي» في المعادلة السياسية العراقية، والذي كان قد عبر عشرات المرات عن ضجره من العبء الثقيل الذي يعانيه مع هذه الميليشيات وعن ضجره من وضعية العراق كساحة تصفية حسابات بين كل من واشنطن وطهران.

حرص الكاظمي على أن يعبر عن ذلك خلال زيارته لإيطاليا والفاتيكان وبعدهما بروكسل حيث مقر قيادة حلف شمال الأطلسي قبل حوالي أسبوعين من زيارته لواشنطن.

ففي حوار له مع صحيفة «لاريبوبليكا» الإيطالية (4/7/2021) قال الكاظمي: «لقد طلبنا من الأمريكيين والإيرانيين الابتعاد عن تصفية حساباتهم في العراق». لكنه، في ذات الوقت أثنى على تعاون قوات التحالف الدولي مع العراق لهزيمة «داعش».

وقال أيضا: «طلبنا من إيطاليا أن تبقى في الصف الأول في تدريب قواتنا، والعراق مستعد لتعزيز التعاون العسكري مع إيطاليا بمجال التدريب وتطوير العمل في مكافحة الفساد وغسل الأموال والجريمة المنظمة والمافيات».

يبدو أن الكاظمي أراد بهذا الحديث توجيه رسائل غير مباشرة إلى الأمريكيين عبر الحديث عن إيطاليا، وهكذا فهمته ميليشيات «الحشد الشعبي» المعارضة، ومن ثم نددت بهذا الحديث، وما تبعه من تصريحات مشابهة للكاظمي في بروكسل.

الآن، وبعد انتهاء جولة الحوار وصدور البيان الختامي عن تلك الجولة، أضحى مؤكداً أن المواجهة ستكون أكثر سخونة خاصة في ظل ورقتي ضغط هائلتين تملكهما تلك الفصائل ضد الكاظمي، هما ورقة الانتخابات العامة المقبلة بكل تأزماتها خاصة بعد إعلان مقتدى الصدر عدم المشاركة فيها.

أما الورقة الثانية فهي أزمة الكهرباء التي تهدد استقرار حكومة الكاظمي، خصوصاً أنها وإن كانت تعكس هشاشة فعالية الحكومة في أداء وظائفها، فإنها في ذات الوقت تعكس جانباً مهماً من الصراع السياسي، حيث إن قصف وتدمير أبراج الكهرباء من جانب جماعات إرهابية يفاقم من الضغوط على الحكومة.

 الأهم من هذا كله هو أن محصلة جولة الحوار حققت نتيجتين مهمتين بالنسبة للحكومة والمعارضة:

الأولى، تحديد جدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية بنهاية 31 ديسمبر/ كانون الأول من هذا العام مع تغيير الصفة القانونية للقوات الأمريكية لتعمل وفقاً للقوانين العراقية، وتغيير الدور الذي تقوم به، من المهام القتالية إلى تقديم المشورة والتدريب لقوات الأمن العراقية، وإن كان البيان لم يفصح عن حجم القوات الأمريكية التي ستبقى بعد يوم 31 ديسمبر المقبل.

 أما النتيجة الثانية، فهي معاكسة تماماً إذ جدد البيان الختامي التزام الطرفين باتفاقية الإطار الاستراتيجي الأمريكية العراقية لعام 2008 (SFA) وتوسيع نطاق التحالف الاستراتيجي الأمريكي- العراقي.

 عبّر عن ذلك بوضوح أنطوني بلينكن وزير الخارجية الأمريكي، قبيل لقائه مع فؤاد حسين وزير الخارجية العراقي (25/7/2021) بقوله إنه «على الرغم من أن الشراكة الأمريكية – العراقية هي الأقرب في الحرب ضد (داعش) فإنها اليوم أعمق وأوسع من ذلك بكثير».

أما ما ورد على لسان الوزير محمد حسين فكان أكثر وضوحاً في توصيف تلك الشراكة التي يجري التأسيس لها بقوله إن «العلاقة مع الولايات المتحدة ليست مجرد علاقات عسكرية بل هي علاقات واسعة النطاق وسنتعاون في المستقبل بشكل أوسع ضمن الكثير من المجالات التي تم ذكرها».

 هذا يعني أن الأمريكيين وإن كانوا سيخرجون من باب التعاون العسكري المباشر فإنهم سيدخلون من أبواب تعاون استراتيجي واقتصادي وسياسي وثقافي هدفه أن يظل العراق ساحة نفوذ أمريكية، أي أن يبقى خاضعاً للهيمنة الأمريكية على النحو الذي تفهمه قوى المعارضة وترفضه بشدة، وهذا يعني أن الصراع الداخلي في العراق سيزداد عنفاً حول تلك الشراكة الجديدة.

* د. محمد السعيد إدريس باحث بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام.

المصدر | الخليج