في وقت سابق من هذا الشهر، تم اعتقال "عبدالناصر سلامة"، رئيس التحرير السابق لصحيفة "الأهرام" المصرية، لنشره مقالا على "فيسبوك"، حث فيه الرئيس "عبد الفتاح السيسي" على الاستقالة داعيا إلى محاكمته بتهمة التخلي عن حقوق مصر في نهر النيل.

وكانت هذه الحالة مثالًا مناسبا يوضح لماذا أصبحت المعارضة في مصر نادرة جدا. ففي الواقع ما تعتبره الدول الديمقراطية تعبيرًا عن الرأي يؤدي في مصر إلى الاعتقال والتعذيب.

قمع حرية التعبير

كان انتقاد "سلامة" لـ"السيسي" نابعًا مما اعتبره "سلامة" تعاملا فاشلا مع أزمة سد النهضة الإثيوبي، الذي يهدد بتقليل تدفق مياه نهر النيل إلى مصر.

وتساءل "سلامة" عن إنفاق "السيسي" لمليارات الدولارات على الأسلحة بالرغم من رفض اللجوء إلى العمل العسكري لتسوية نزاع السد. وانتقد "سلامة" ما قام به "السيسي" حين سلّم جزيرتي "تيران وصنافير" في البحر الأحمر إلى السعودية.

لكن هذا المستوى من النقد الموجه للرئيس نادر للغاية في مصر، ولاحقا تم اتهام "سلامة" بنشر أخبار كاذبة والانتماء لمنظمة إرهابية، واتهمه محامون مقربون من النظام بالخيانة وتشويه سياسات الحكومة بشأن سد النهضة بهدف نشر الفوضى والاضطرابات في البلاد.

لكن العديد من المصريين يوافقون "سلامة" في آرائه حول قضية المياه، وقد جادلوا بأن "السيسي" كان يجب ألا يوقع على اتفاقية المبادئ عام 2015، والتي أعفت إثيوبيا من احترام حقوق مصر في المياه.

وانتقد أحد أعضاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام منشور "سلامة"، معتبرا أنه مليء بالافتراءات، بينما وصفت وسائل الإعلام الموالية للحكومة "سلامة" بأنه محرض.

وأصبحت مثل هذه الاتهامات ضد المعارضين شائعة جدا، فقبل 4 أشهر من اعتقال "سلامة" تم احتجاز مدافعة عن حقوق الإنسان أيضا بتهمة نشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية، وحُكم عليها بالسجن لمدة 18 شهرا لتجرؤها على الكشف عن الظروف الصحية السيئة في مصر وتفشي "كورونا" بين المسجونين. وأصبحت مثل هذه الاتهامات المبرر المعتاد لسجن الناشطين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

ومنذ عهد الرئيس الراحل "جمال عبدالناصر" لم يتعود الرؤساء المصريون على تحمل الانتقادات العلنية. ورغم أنه تقبل المسؤولية الكاملة عن النتائج الكارثية لنكسة 1967 واعترف بإخفاقات القوات المسلحة، إلا أن الشعب المصري أمطر "عبدالناصر" بالثناء وآمنوا أنه سيقودهم إلى النصر.

لكن "عبدالناصر" عرف كيف يتواصل مع الشعب، على عكس "السيسي" الذي أعلن في عام 2016 أنه سينشر قوات في جميع أنحاء البلاد خلال 6 ساعات وذلك بعد دعوات لاحتجاجات جماهيرية ضد الاتفاقية التي تمنح "تيران وصنافير" للسعودية.

إرث من اللامبالاة

هناك العديد من التفسيرات لتردد الشعب المصري في الانتفاض ضد القادة القمعيين. وتعزو إحدى الحجج اللامبالاة السياسية إلى حكم البلاد من قبل الأجانب (الفرس والرومان والمسلمون) لأكثر من ألفي عام.

وحتى قبل ذلك الوقت، حكمت مصر لمدة 3 آلاف سنة من قبل الفراعنة الذين أضفى عليهم المصريون السمات الإلهية التي بررت سلطتهم المطلقة.

وهناك تفسير آخر يتمثل في أن المجتمعات الهيدروليكية تعزز اللامبالاة السياسية لأن السلالات الإمبراطورية تحتكر إمدادات المياه وتنظيم عملية توزيعها.

ويعيش سكان مصر على 5% فقط من مساحة البلاد البالغة مليون متر مربع مما يسهل سيطرة حكامها عليهم في السهول المسطحة والضيقة.

كما أن تأسيس الفراعنة لأول دولة مركزية في العالم، عندما وحد "مينا" الدلتا وصعيد مصر قبل 5 آلاف عام، مكنهم من الحفاظ على السيطرة على الشعب تحت هيمنة كيان سياسي قوي.

وفي حين عارض أفراد مصريون النظام، فإن هذه الأفعال الفردية لم تكن تتطور إلى مطالب واسعة للإصلاح.

وبمرور الوقت، أصبح الذين ينادون بالتغيير متشائمين مع عجزهم عن حشد المواطنين الذين يخشون انتقام السلطة. وفي النهاية، يصل هؤلاء المنادون بالتغيير إلى حد الاعتقاد بأنهم لا يمتلكون فرصة ضد أدوات الدولة القسرية والطاغية.

ثقافة الاستقرار والتقبل

وبالرغم من الميل نحو اللامبالاة، شهدت مصر العديد من موجات الاضطراب طوال تاريخها. ففي عام 1919، اجتاحت الانتفاضة المؤيدة للاستقلال مصر بعد أن اعتقل البريطانيون الزعيم القومي "سعد زغلول"، والذي نفي لاحقا. وفي عام 1922، أعلن البريطانيون مصر دولة مستقلة وأدخلوا نظاما للسياسة التشاركية، فيما ظلوا مسيطرين على منطقة قناة السويس.

وفي عام 1968، احتج عمال مجمع حلوان الصناعي جنوب القاهرة ضد أحكام السجن بحق قادة القوات الجوية الذين تم اعتبارهم مسؤولين عن نكسة 1967. وفي عام 1971-1972، اندلعت مظاهرات طلابية ضد إحجام الرئيس "أنور السادات" عن دخول الحرب ضد إسرائيل وتحرير سيناء.

لكن هذه الاحتجاجات كانت قصيرة الأجل، وقد أدت طبيعة المجتمع الزراعي ونمط المعيشة إلى ثقافة تقدّم أولويات الاستقرار والتسامح.

ورحب المصريون بـ"الإسكندر الأكبر" باعتباره محررهم من الفرس وعاملوه كإله، كما تقبلوا المملكة البطلمية التي خلفته، خاصة بعد أن غمس ملوكها أنفسهم في طريقة الحياة المصرية. حتى إن المصريين تقبلوا "كليوباترا" ذات الأصل المقدوني، كواحدة منهم، وبعد الخضوع للإمبراطورية الرومانية والبيزنطين من بعدها، لم يقاوم المصريون الفتح الإسلامي في القرن السابع وبجّلوا القائد العسكري العربي "عمرو بن العاص" الذي حررهم من الحكم البيزنطي.

وتبنى المصريون اللغة العربية، على عكس الفرس والأتراك على سبيل المثال، الذين اعتنقوا الإسلام ولكنهم احتفظوا بلغتهم والتراث الثقافي الخاص بهم.

وعندما غزا الفاطميون مصر في عام 969 تحول المصريون إلى التشيع، ثم عندما سيطر "صلاح الدين" على مصر في عام 1169، عادوا إلى كونهم سنة.

كما لم يقاوم المصريون الفرنسيين، الذين احتلوا مصر بين عامي 1798 و1801، وربما يكون السبب اعتقادهم أن الفرنسيين سيجلبون التحديث للبلاد.

وأرسل العثمانيون "محمد علي"، الذي كان ضابطًا ألبانيًا في الجيش، إلى مصر لكبح جماح المماليك بعد مغادرة الفرنسيين، لكنه أسس سلالة حاكمة استمرت من 1805 حتى عام 1952.

حكم ذاتي مخيب للآمال

في عام 1952، قام ضباط الجيش المصري بانقلاب عسكري أدى في نهاية المطاف إلى تولي "عبدالناصر" زمام السلطة. وبالرغم أن "ناصر" كان يرغب في تطوير مصر اقتصاديا إلا أنه تورط في مغامرات عسكرية في جميع أنحاء المنطقة.

وقاد "عبدالناصر" مصر من كارثة إلى أخرى؛ من حرب السويس عام 1956 إلى الحرب اليمنية والنكسة، ومع ذلك لم يحمّل المصريون "ناصر" المسؤولية على السياسات الخاطئة، وما زال الكثيرون يعتبرونه بطلا وطنيا.

وبعد وفاة "عبدالناصر" في عام 1970، أصبح "أنور السادات" رئيسا، وفكك الاقتصاد الاشتراكي الناصري، وأدخل النيوليبرالية منشئًا فئة من رواد الأعمال الأثرياء الجدد. وفي عام 1977، احتج مئات الآلاف من المصريين الفقراء ضد تقليص الحكومة للإعانات الغذائية، لكنهم لم يطالبوا بأي مطالب سياسية، ووجد "السادات" أن الحل الأكثر عملية هو أن يعيد الإعانات ويتجاهل توصيات الجهات المالية الدولية.

أما "حسني مبارك"، الذي خلف "السادات" بعد اغتياله في عام 1981، فقد تحالف مع الطبقة النيوليبرالية، وسمح للجيش بأن يصبح لاعبا اقتصاديا كبيرا على حساب معظم المصريين الذين كانوا يرزحون تحت وطأة الفقر.

وفي عام 2008، كان صعود حركة  "6 أبريل" الإصلاحية، المكونة من تحالف نشطاء شباب وعمالة منظمة، دليلا على تسوس نظام "مبارك" واستياء القوات المسلحة من خططه لتوريث ابنه "جمال".

وأثار التعذيب والقتل الوحشي في يونيو/حزيران 2010 للشاب "خالد سعيد" احتجاجات محدودة وقصيرة الأجل في القاهرة والإسكندرية، على عكس انتفاضة 2010 في تونس التي أعقبت وفاة "محمد البوعزيزي" والتي أشعلت احتجاجات الربيع العربي.

وأدت الإطاحة بالرئيس التونسي "زين العابدين بن علي" بعد 24 عاما قضاها في منصبه لمنح الأمل للمصريين بأن يفعلوا الشيء نفسه.

وبعد استقالة "مبارك" في أعقاب الاحتجاجات الجماهيرية، سمح المجلس الأعلى للقوات المسلحة لـ"محمد مرسي" بأن يصبح رئيسًا بنية خلعه لاحقا واستعادة السيطرة السياسية الكاملة.

ومع قصور الأداء السياسي لـ"مرسي"، غضب العديد من المصريين، وأطاح به الجيش في عام 2013، ثم أصبح "السيسي" رئيسا في عام 2014 وحافظ منذ ذلك الحين على قبضة قوية على السلطة، ووصل الحكم الاستبدادي في عهده إلى ذروة جديدة.

وأدى تاريخ مصر والعزلة الجغرافية إلى جعل العديد من المصريين يقبلون القيادة الاستبدادية معتقدين بأن الأيام القادمة قد تكون أفضل، لكن الواقع أن المجتمع المصري يمكنه أن يزدهر تحت قيادة زعيم جريء، وهو ما لم يتوفر للبلاد منذ عقود.

المصدر | هلال خاشان/ جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد