الأربعاء 4 أغسطس 2021 01:05 م

أوجه الشبه بين «المعارضة والموالاة» في الأردن

الأردني يتهم ولا يسمع… يقصف قبل أن يقرأ… هل هذا استنتاج تعوزه الدقة؟

الاتهام سمة العاجز عن الحوار والاتهام أسهل من التحليل والرد والنقاش والعصف الذهني دوما.

أم المشكلات المحلية في الأردن هي تلك المصداقية الغائبة لا بل الميتة أحيانا بين الخطاب الرسمي وأدواته وبين الناس!

وسط المواطنين مجموعات وجزرا متناثرة تتغذى على النميمة السياسية والإرهاب الفكري وإنكار الحاجة للإصغاء بعيدا عن علبة الاتهامات الموسمية.

العاقل الراشد يجد صعوبة في الاشتباك مع الاتهام المعلب أو حكم مسبق والوطن لا يمكنه الاستفادة ولو من "جملة واحدة مفيدة" إذا لم نسمع بعضنا بعضا.

*     *     *

نشرت يوما في الماضي خبرا ينطوي على مفارقة ويخص أحد المعارضين الأردنيين البارزين. لا زلت أذكر ذلك العنوان الذي أظهر نص الخبر، «يبني السجون ويقيم فيها».

بعد نشر ذلك الخبر تبينت لي أول مواجهة اجتماعية ومهنية على الطريقة الأردنية مع النص، فالسلطات غضبت بسخط من تلك المفارقة، وألقت على رأسي حزمة اتهامات موسمية يعرفها الجميع، لكن المفارقة أنتجت أخرى عندما غضب أيضا صاحب الخبر نفسه، واتهمني بالعمل ضده مع السلطات.

في كل جلسات التدريب المهني أستذكر تلك الحادثة فهي قرينة مباشرة على نص صحافي يغضب طرفين كليهما يتخندق ضد الآخر.

بكل حال وبعد تجربة مريرة في الاشتباك تذكرني أغنية «الهدف مرصود والرشاش جاهز» بالمفارقات الكبيرة عندما تحصل، فالكثير من المعلقين المحليين وحتى السياسيين يميلون إلى التخندق والاتهام فورا وحتى قبل قراءة النص وبطريقة الحكم المسبق أو الاستنتاج الاستباقي.

الأردني يتهم ولا يسمع… يقصف قبل أن يقرأ… هل هذا استنتاج تعوزه الدقة؟

سؤال بكل الأحوال لا يمكن الإجابة عليه ببساطة والسبب في طرحه هو حوار غريب جدا جمعني مؤخرا مع أحد قادة الحركة الإسلامية التي تتهمني كل السلطات المحلية بالتضامن والتحالف معها.

صاحبنا أصر على اعتبار التقدم بملاحظة أو بجملة نقدية خفيفة على مسألة مشاركة الحركة في لجنة ملكية لتحديث المنظومة السياسية ضربا من «الشعبوية» حتى لو كان الأمر في باب التنبيه أو منطلقا من الحرص والتحذير.

لم أفهم بعد وبصراحة أين تكمن تلك الشعبوية، عندما يصدر تحذير أو ملاحظة لها علاقة بالمعارضة، فالسلطة عموما قد تكون الأقل اتهاما والأكثر تصنيفا للناس، بمعنى ثمة أفضليات ومزايا تحجب بعد التصنيف وثمة أبواب تغلق وحرمان منهجي من أي استرخاء ومن أي صنف في حضن السلطة.

أفهم أن تفعل السلطة ذلك في الكثير من الأحيان، وإن كانت تخسر بالمقابل ميزة التنويع في الرأي والتقدير والتحليل والتشخيص بدليل أن أم المشكلات المحلية في الأردن هي تلك المصداقية الغائبة لا بل الميتة أحيانا بين الخطاب الرسمي وأدواته وبين الناس، والتي أحذر مسبقا اليوم من أنها في طريقها للانعكاس بسبب سلسلة الاخفاقات الحكومية نحو التحول إلى أزمة مصداقية بين الحاكم والمحكوم.

حقا وفعلا لا مبرر لأن نصل كأردنيين إلى هذه المرحلة الصعبة. حقا وفعلا على السلطة اليوم أن تنتبه لضرورة وأهمية إبقاء عناصر المواجهة والاشتباك مع الحكومة والبرلمان فقط وليس مع الدولة والحكم…

طبعا إنجاز ذلك يتطلب الكثير من التضحية والتخلص وفورا من مراكز القوى الشللية الصغيرة المتراكمة على صدر الدولة والتي تكاثرت كالفطر السياسي خلال السنوات الأخيرة، حتى وصل الأمر لسلسلة صدمات من المعيب أن لا ننتبه لها الآن ونقرأها جيدا.

بالمقابل تعاني المعارضة من سرعة التشخيص وانفعال التصرف وغلاظة التنميط والارتياب والاتهام. وهي بالتالي ضحية لذلك النمط الذي لا يسمع للرأي الآخر، وكونها كذلك قد تكون المطالبة قبل وأكثر من غيرها بتقدير قيمة الرأي الآخر، وبالإعلاء من شيمة الإصغاء والاستماع لا بل السعي نحو تقبل الملاحظة النقدية والتحذيرية قبل رفضها أو رفسها سياسيا.

أزعم بأن الاتهام سمة العاجز عن الحوار. وأرى حولي وسط المواطنين مجموعات وجزرا متناثرة تزحف وتنمو وهي تتغذى على النميمة السياسية والإرهاب الفكري أحيانا، والأهم على إنكار الحاجة للإصغاء بعيدا عن علبة الاتهامات الموسمية.

الاتهام أسهل من التحليل والرد والنقاش والعصف الذهني دوما. والعاقل الراشد يجد صعوبة في الاشتباك مع الاتهام المعلب أو حكم مسبق والوطن لا يمكنه الاستفادة ولو من "جملة واحدة مفيدة" إذا لم نسمع بعضنا بعضا.

يقترح كثيرون في الأردن دروب وطرق ووسائل الإصلاح والتغيير. وأضم صوتي للقائلين بأن الوضع لن يصلح وقد لا يتغير إلا إذا تدرب رجال السلطة مع رموز المعارضة على الإعلاء من قيمة الإصغاء ووقف التشكيك المسبق بمن يلاحظ أو يقدر أو يدلي برأي.

قد لا تصلح الأمور في الوطن مادام أي من رموز السلطة أو المعارضة يحضر إلى الاشتباك، وفي جعبته ذخيرة الاتهام والتشكيك، فتلك خصلة تجعل من يوالي أو يعارض في الكثير من الأحيان يشبهان بعضهما بعضا، عندما يتعلق الأمر لا بقيمة التسلط على الرأي الآخر أو عندما يتعلق بالقدرة الدائمة على تذخير الاتهامات ضد الرأي المعاكس برسم الارتياب الدائم.

أكثر ما نحتاج إليه كأردنيين في عمق المجتمع اليوم هو التدرب على إحترام من يخالفنا وبالتالي للتدرب معا على أن للحوار والاشتباك الايجابي كلفة تتطلب المصلحة الوطنية أن ندفعها جميعا بكل بساطة وبدون تعقيدات.

التغيير والإصلاح يبدآن حصريا من التدرب على الاستماع أولا ونبذ الاتهامات المعلبة.

* بسام البدارين كاتب صحفي وإعلامي أردني

المصدر | القدس العربي