الجمعة 6 أغسطس 2021 03:51 م

بعد أسبوع من قيام الرئيس التونسي "قيس سعيد" بتجميد عمل البرلمان وتفعيله بشكل انتقائي لسلطات "الطوارئ" المنصوص عليها في المادة 80 من دستور 2014، تم إنقاذ ما يقرب من 400 من مواطنيه من قوارب الهجرة غير الشرعية المكتظة المتوجهة إلى أوروبا.

وإضافة إلى الجانب الإنساني الذي يمثله هذا الحدث الدرامي، هناك بُعد استراتيجي أوسع، وهو أن الصراع داخل تونس من أجل هيكلة مؤسساتها الديمقراطية الهشة يحمل تداعيات أمنية على تونس وجيرانها المغاربيين وأوروبا الغربية والولايات المتحدة.

ومع وضع هذه المخاوف في الاعتبار، عقد مستشار الأمن القومي لـ"بايدن"، "جيك سوليفان"، مناقشة هاتفية لمدة ساعة مع "سعيد".

ويشير الملخص الرسمي لمكالمة 31 يوليو/تموز، التي سلط فيها "سوليفان" الضوء على "الحاجة الماسة إلى عودة سريعة إلى المسار الديمقراطي في تونس"، إلى أن البيت الأبيض يحاول تحقيق توازن بين عدم التدخل في السياسة التونسية، وفي ذات الوقت حث "سعيد" على تجنب الوقوع في الاستبداد.

وفي الوقت الذي يحرص فيه البيت الأبيض على تحقيق هذا التوازن الدقيق، يتعين عليه أن يتعامل مع ساحة سياسية تشهد صراعات داخلية شديدة.

ويمكن لهذه الانقسامات أن تعرقل جهود الولايات المتحدة لمساعدة تونس على تجنب الانزلاق إلى الهاوية.

الواقع التونسي

وتكمن أهم هذه الانقسامات في الفجوة بين التونسيين الذين يفضلون إبقاء الدين على مسافة من السياسة، وأولئك الذين يفضلون أجندة أكثر "إسلامية".

وفضلا عن ذلك، توجد أيضا انقسامات جغرافية وأيديولوجية واجتماعية واقتصادية طويلة الأمد.

وكانت هذه الانقسامات سببا في تصميم النظام السياسي القائم على الإجماع منذ عقد من الزمن؛ حيث يتم إجبار الجماعات والقادة الذين لا يثقون في بعضهم البعض على تقاسم السلطة.

وحاليا، يواجه رئيس البرلمان ومؤسس حزب "حركة النهضة" التونسي "راشد الغنوشي" أسوأ كابوس له، وهو احتمال تغيير "سعيد" للنظام السياسي ليصبح نظاما رئاسيا ثم يقوم بحظر "حركة النهضة".

ولا يمكن تحقيق هذا السيناريو دون جرعة قوية من القمع، وبالتالي نشوء نظام استبدادي.

ومن الصعب ممارسة الولايات المتحدة لنفوذها بطريقة تساعد تونس على تجنب هذا السيناريو.

ويعد تركيز الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي على تشجيع "سعيد" على السماح للبرلمان بالانعقاد بداية جيدة، لكن لا يمكن لواشنطن الضغط من أجل إعادة عقد جلسات البرلمان مع استبعاد أكبر حزب فيها.

ويجب أن يجد البيت الأبيض طريقة ما للتحدث عن الحوار السياسي مع تجنب الظهور بأنه يتحدث نيابة عن أي حزب وخاصة حزب "حركة النهضة".

ولن تكون هذه مهمة سهلة بالنظر إلى حقيقة أن العديد من الأحزاب والقادة، مثل حزب "الدستور الحر" بزعامة "عبير موسى"، يؤيدون حظر "حركة النهضة" والتحول إلى نظام رئاسي يُخضع البرلمان للسلطة التنفيذية.

لكن زعماء آخرين انتقدوا تعليق "سعيد" للبرلمان، وفي ذات الوقت ألمحوا إلى أنهم يفضلون قصقصة أجنحة حزب "حركة النهضة".

وتشير هذه الاختلافات إلى نقاش داخلي ما زال مرنا يمكن أن يفتح المجال لواشنطن وحلفائها الأوروبيين لمواصلة الضغط من أجل إعادة عقد البرلمان.

وستواجه إدارة "بايدن" مجموعة من القوى الليبرالية واليسارية التي دعمت قرارات "سعيد"، وستتحدث هذه القوى باسم مقاومة "النغمة الاستعمارية الجديدة المتعالية" و مناهضة "التدخل" الأجنبي".

وبالفعل، تلاعب الرئيس وحلفاؤه بهذه المشاعر لتصوير قادة "حركة النهضة" على أنهم مجرد عملاء للنفوذ الأمريكي.

وتمثل هذه الاستراتيجية، وهي استراتيجية مألوفة في "كتيب الحاكم المستبد"، تحديا ليس فقط لإدارة "بايدن"، لكن أيضا للمنظمات غير الحكومية الدولية التي انتقدت تصرفات "سعيد".

ومع ذلك، يبدو أن "سعيد" لا يريد أن يُنظر إليه في واشنطن على أنه مستبد جديد.

وأشار إلى ذلك خلال اجتماعه الغريب مع مراسلة صحيفة نيويورك تايمز "فيفيان في"؛ حيث اقتبس من دستور الولايات المتحدة وأثنى عليه.

لكن هذه المواجهة يمكن أن توفر فرصة لإدارة "بايدن" والحكومات الأوروبية والمنظمات غير الحكومية لإخضاع "سعيد" للمبادئ الديمقراطية وحثه على التعامل مع خصومه.

ومع ذلك، فإن نافذة تعزيز الحل السلمي لن تظل مفتوحة لوقت طويل.

وتحت ضغط من منافسيه في "حركة النهضة"، تراجع "الغنوشي" عن محاولته السابقة الفاشلة لحشد أنصاره في الشارع.

وبدلا من ذلك، دعا إلى حوار وطني. لكن إذا ضغط العديد من القادة والجماعات ذات التوجهات العلمانية لاستبعاد "حركة النهضة"، فإن فرص حشد أتباع "الغنوشي" ضد "سعيد" قد تزداد؛ ما يفتح الباب أمام إمكانية اندلاع احتجاجات مضادة ونشوب صراع أهلي أوسع.

وقد تعتمد احتمالات تجنب هذا السيناريو في نهاية المطاف على الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي قد يستخدم التهديد بحشد أتباعه لمواجهة "حركة النهضة"، وهي خطوة قد تحظى بدعم ضمني من الأجهزة الأمنية.

ومع ضيق الوقت، تحتاج إدارة "بايدن" إلى تشجيع الدعوات إلى حوار شامل، وتقديم دعمها لحزمة إصلاح اقتصادي فعالة، والعمل مع الاتحاد الأوروبي لتسريع تسليم لقاحات "كورونا".

الترابط الإقليمي والعالمي

وتعد الأزمة السياسية في تونس نتاج عاملين متداخلين، تفشي الفساد وعدم الاتفاق على خطة لإصلاح الاقتصاد المأزوم.

وكانت حكومة رئيس الوزراء المقال "هشام المشيشي" وعدت باتخاذ مجموعة من الإجراءات من أجل الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي يبلغ نحو 4 مليارات دولار.

لكن الحكومة ترددت في تنفيذ هذه الإجرادات نظرا للانهيار الوشيك للنظام الصحي وسط تصاعد أزمة "كورونا".

وسيكون "سعيد" أكثر حذرا لأن شروط صندوق النقد ستهدد برد فعل شعبي عنيف.

ويحاول "سعيد" الآن إيجاد بديل لصندوق النقد، أو على الأقل مصادر مالية جديدة لدعم الإصلاحات.

وبينما جعل مكافحة الفساد شعاره الأول، فقد اقترح "سعيد" منح مئات رجال الأعمال المتهمين بالفساد عفوا إذا أعادوا 4.8 مليارات دولار "نهبوها" من تونس.

ونظرا لأن احتمالات مثل هذه الصفقة تقترب من الصفر، فقد يلجأ "سعيد" إلى الإمارات والسعودية، وكلاهما ألقى بدعمه وراء "سعيد".

وسيكون من دواعي سرورهم بالتأكيد دمج تونس في تحالفهم المعادي للإسلاميين والديمقراطية والثورة.

وبصرف النظر عن المخاطر والإهانات المتمثلة في أن تصبح تونس مجرد عميل للرياض أو أبوظبي، فإن التمويل الخليجي لن يخفف من محنة تونس بل يمكن أن يزيد الفساد ما لم يتم دمجه بطريقة ما في خطة إصلاح اقتصادي أوسع وأكثر تماسكا.

لكن ذلك قد لا يثني "سعيد"، الذي اعترف أنه تلقى قبل 25 يوليو/تموز مساعدة من دول عربية "شقيقة".

ومع الدعم الذي يتلقاه "سعيد" من السعودية والإمارات والقاهرة أيضا، يجب على إدارة "بايدن" إيجاد طريقة لحث "سعيد" على تجنب الاستبداد، حتى مع الحفاظ على علاقات وثيقة مع الدول العربية التي تدعمه.

ويسلط هذا الوضع الضوء على الخيارات المحدودة التي يواجهها البيت الأبيض لكي يوازن بين الأمن والمبادئ في منطقة يحكمها مستبدون يسعون لرؤية التجربة الديمقراطية التونسية تفشل.

المصدر | دانييل برومبرج/ريسبونسيبل ستيت كرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد