يفقد انقلاب الرئيس التونسي "قيس سعيد" زخمه بمرور الوقت، كما لم يتمكن من تحصيل الدعم الأجنبي الذي يحتاجه لإدارة البلاد بمفرده.

وتدرك دوائر أوسع وأوسع من التونسيين الآن من الذين يديرون الدولة حاليا.

ومن وجهة نظر "سعيد"، فإن عمليات التطهير وخطة العمل لا تسير بالسرعة الكافية، فيما اقترح الأمين العام للحركة الشعبية المؤيدة للرئيس "زهير المغزاوي" تمديد تعليق البرلمان لمدة 6 أشهر.

ويعد الدعم الأجنبي مهما لبلد صغير مفلس مثل تونس التي لا تستطيع دفع فاتورة أجور القطاع العام الضخمة، ويستوجب عليها سداد ديون خارجية بـ6 مليارات دولار هذا العام وحده.

لذلك، فإن ما يفكر به أصحاب المصالح الأجانب ممن يهمهم وضع الاقتصاد التونسي مهم، وهؤلاء لا يقولون لـ"قيس سعيد" ما يرغب في سماعه منهم.

وأفادت مصادر تونسية وإيطالية أن سفراء من ألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة طلبوا من "سعيد" إعادة عمل البرلمان بأسرع ما يمكن.

وقالت مصادر تونسية مطلعة إن الأمريكيين منعوا "سعيد" من تنظيم مسيرة حاشدة تأييدا لاستيلائه على السلطة، فيما نقلوا رسائل دعم إلى "راشد الغنوشي"، رئيس البرلمان ورئيس حزب "النهضة"، إضافة إلى قادة حزبيين آخرين.

وقال السيناتور الأمريكي "جيم ريشي" والعضو البارز ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ "بوب مينينديز" إنهما "قلقان للغاية" من التوتر المتزايد وعدم الاستقرار في تونس.

وأضافا: "يجب على الرئيس التونسي الالتزام بالمبادئ الديمقراطية التي تقوم عليها العلاقات الأمريكية التونسية، ويجب على الجيش الالتزام بدوره في حماية الديمقراطية الدستورية".

وقد يميل "سعيد" إلى تجاهل كل هذا الآن بسبب الوعود المالية التي يقدمها الإماراتيون والسعوديون، لكن عليه أن يسأل السودانيين عن تجربتهم بخصوص الوعود الإماراتية والسعودية.

وعندما تمت الإطاحة بالرئيس السوداني السابق "عمر البشير" في أبريل/نيسان 2019، وعدت السعودية والإمارات بتقديم 3 مليارات دولار كمساعدات للسودان، لكن تم تسليم 750 مليون دولار منها فقط، ولم يتم تسليم أي شيء منذ إبرام اتفاق لتقاسم السلطة مع الجيش في عام 2019.

والآن، قدم السعوديون وعدا آخر باستثمار 3 مليارات دولار في صندوق مشترك في السودان، وفي الوقت نفسه "بإعادة الالتزام" بقرض عام 2019 الذي لم يصل منه سوى 300 مليون دولار.

لذلك فإن إطلاق الوعود شيء والوفاء بها شيء آخر. وفي غضون ذلك، يرتفع التضخم في السودان بنسبة 400%.

نهج الجزائر

لكن الحكومة الجزائرية هي التي يجب أن يقلق "سعيد" بشأنها أكثر؛ فتونس بلد صغير جيرانه كبار، ليس منها لا مصر ولا الإمارات اللتان مولتا الانقلاب على التوالي.

وتعاملت الجزائر بنهج هادئ وناعم في البداية.

وسافر وزير الخارجية الجزائري "رمضان لعمامرة" إلى تونس لإيصال رسالة شفهية من الرئيس "عبدالمجيد تبون"، لكن لم يتم الإعلان عن محتواها.

كما سافر "لعمامرة" إلى القاهرة للقاء الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، وأصدرت الرئاسة المصرية بيانا جاء فيه: "تم التوافق على تقديم الدعم الكامل للرئيس التونسي قيس سعيد وكل ما من شأنه الحفاظ على الاستقرار في تونس وتنفيذ إرادة واختيارات الشعب التونسي الشقيق حفاظا على قدراته وأمن بلاده".

ولم يصدر الجانب الجزائري أي تصريح مماثل.

وعندما اتضح أن رسالتهم لم يتم الالتفات إليها، كان المسؤول الجزائري التالي الذي تحدث هو رئيس أركان الجيش الفريق "سعيد شنقريحة". وقال إن "المؤامرات التي تحاك ضد الجزائر وشعبها ليست من نسج الخيال كما يدعي البعض ممن يشككون، لكنها حقيقة واقعة يراها الجميع الآن".

وقبل ذلك بأيام، سحبت الجزائر ترخيص قناة "العربية" السعودية متهمة القناة بـ"نشر معلومات مضللة". وكان الجنرال يوجه تحذيرا واضحا للسعودية والإمارات ومصر للتراجع.

الآثار الدولية

وتعتبر الجزائر تونس ساحتها الخلفية وبوابتها إلى طرابلس، ولها مصلحة إقليمية واضحة في الأحداث في كل من تونس وليبيا.

وحاولت مصر والإمارات وروسيا فرض الجنرال "خليفة حفتر" الذي وصلت قواته على بعد بضعة كيلومترات من وسط مدينة طرابلس قبل أن تتراجع بسبب الطائرات التركية بدون طيار.

وفشل "حفتر"، ونتيجة لذلك تم تشكيل إدارة مؤقتة بدعم من الشرق والغرب.

وبعد أن فشلوا في ليبيا، يحاول الإماراتيون الآن تحقيق نفس الغايات في تونس، أو على الأقل هكذا يراها الجزائريون. ويمكن أن يكونوا على حق.

وقال مصدر جزائري رفيع: "ليس لهذا الانقلاب أفق للنجاح. لقد طالبنا قيس سعيد بالتفاوض مع الغنوشي، ونعرف بالضبط كيف نفذ المصريون والإماراتيون هذا الانقلاب. ولا نريد أن نرى حفتر آخر في تونس. لا نريد أن نرى حكومة في تونس تابعة لهذه القوى". وكان هذا تصريحا في غاية الوضوح والصراحة.

ويشعر الإيطاليون أيضا بالقلق بشأن ليبيا. وأكد رئيس الوزراء الأسبق "رومانو برودي" أن ما يحدث في تونس ليس مسألة داخلية، قائلا إن "نتائج التحول نحو الاستبداد ستتجاوز حدود تونس. نحن، الأوروبيين، نفقد نفوذنا السياسي على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط".

وقال إن كل هذا يؤثر بشكل مباشر على إيطاليا، ليس فقط بسبب الخطر المتزايد لـ"كورونا"، لكن أيضا من موجات المهاجرين المتوقعة.

كما تشعر الحكومة التركية بالقلق إزاء الأحداث في تونس لأسباب ليس أقلها الشعور بأن الانفراجة الأخيرة بين مصر والإمارات من جهة وأنقرة من جهة أخرى يمكن أن تكون حيلة لإلهاء تركيا عن الفعل الحقيقي، الذي كان تحركا ضد تونس.

وكان استعراض تركيا للقوة في ليبيا حاسما. فهي لم تكتف بوضع حد لـ"حفتر"، وإنما وضعت حدا لمخططات جميع القوى التي كانت تقف من ورائه: الروس والإماراتيون والإسرائيليون والفرنسيون، الذين دعموا "حفتر" عسكريا.

لا يصغي

لكن "سعيد" لا يستمع لنصائح كثيرين. ويشكو الدبلوماسيون الإيطاليون من أنه لا يفهم أن الديمقراطية تعددية، وأنها لا تتعلق بالعمل كزعيم شعبوي ضد النواب الذين يتهمهم بالفساد.

وفي عام 2019، عندما كان "سعيد" مرشحا رئاسيا، أجرى مقابلة تحدث فيها بصراحة عن خططه.

وعندما طلب منه أن يصف برنامجه الانتخابي، أجاب "سعيد": "لقد طرحت مشروعا (منذ سنوات) لتأسيس جديد.. يجب أن يكون هناك فكر سياسي جديد ونص دستوري جديد".

وأضاف "سعيد" أنه في حال فوزه بالرئاسة سيتخلص من الانتخابات التشريعية، مشيرا إلى أن "الديمقراطية البرلمانية في البلدان الغربية فاسدة، وآن لها أن تنتهي.. انظر إلى ما يحدث في فرنسا مع السترات الصفراء، وفي الجزائر وفي السودان. مصير الأحزاب أن تنقرض.. إنها فترة وانتهت.. قد يستغرق موتها بعض الوقت، ولكن من المؤكد أنها في سنوات قليلة سينتهي دورها. ستنقرض التعددية من تلقاء ذاتها... لقد دخلنا مرحلة جديدة من التاريخ. هذه هي الثورة الجديدة".

ثم سأله المحاور: "هل المشكلة مع الأحزاب أم مع التونسيين الذين لا يقرؤون؟"، ورد "سعيد": المشكلة هي الأحزاب. لقد انتهى دورها".

كما أعرب "سعيد" عن نيته في التضييق على منظمات المجتمع المدني في تونس، قائلا: "لدي مشروع يهدف إلى إنهاء الدعم لجميع الجمعيات، سواء من داخل تونس أو من الخارج؛ لأنها تستخدم كوسيلة للتدخل في شؤوننا".

ولم يكن ذلك برنامجا سياسيا ولا خطة اقتصادية.

وكان رد فعل "سعيد" على الخصومة التي أظهرتها إدارة "بايدن" هو إقالة سفيره في الولايات المتحدة، وهو الرجل الذي رشحه هو بنفسه قبل عام.

ويرتكز برنامجه الاقتصادي على إجبار التجار الأثرياء على دفع الأموال للمناطق الفقيرة، وهذه ليست بخطة ولا فكرة جديدة.

أما فكرته عن السياسة النقدية فتتلخص في مطالبة البنوك بخفض أسعار الفائدة. وكما رأينا في تركيا، هذه ليست سياسة تثير إعجاب الأسواق.

سبب للخوف

تجدر الإشارة إلى أن مصر أقرب حليف لـ"سعيد"، ليست نموذجا جيدا؛ فهي اليوم أفقر وأضعف مما كانت عليه عندما استولى "السيسي" على السلطة عبر انقلاب عسكري عام 2013.

وفي نفس اليوم الذي التقى فيه وزير الخارجية المصري بـ"سعيد" لمنحه دعمه الكامل، أعلن "السيسي" عن خطط لخفض الدعم الحكومي للخبز، للمرة الأولى منذ عهد الرئيس "أنور السادات" عندما أثار القرار أعمال شغب.

ومن العجيب أن تكون مصر نموذجا يُحتذى به في تونس؛ حيث أن مصر تعاني من نسبة فقر أعلى بكثير من تلك التي تعانيها تونس، فقد بلغت في مصر 31% مقارنة بنسبة 19% في تونس عام 2020.

وإذا كان "سعيد" لا يستمع، فإن أعدادا متزايدة من التونسيين من حوله ينصتون لأن أسلوب حكمه القائم على الفرد الواحد بدأت تؤثر عليهم أيضا.

وفرضت قواته حصارا على نقابة المحامين أثناء سعيها لاعتقال محام. لكن يُحسب للمحامين صمودهم وإصرارهم على رفض تسليم "مهدي زغروبة". وكانت النتيجة تراجع القضاء العسكري، وإسقاط الدعوى يوم الإثنين ضد "زغروبة" و4 نواب آخرين، جميعهم أعضاء في "ائتلاف الكرامة" في البرلمان.

ولا تعتبر هذه مجرد معركة ضد رئيس شمولي أو برلمان يهيمن عليه الإسلاميون. ويسأل الآن التونسيون أنفسهم أكثر فأكثر إلى أين يقود "سعيد" تونس.

ولا تتعلق مخاوف جيران "تونس" في حوض البحر الأبيض المتوسط بالجدل حول الديمقراطية المباشرة والتمثيلية. لكنهم قلقون على استقرار تونس.

ويعطيهم "سعيد" كل سبب للقلق. فهم لا يصدقونه ولا يثقون به ولا يدعمونه. وأعتقد أن أيام الانقلاب باتت معدودة.

المصدر | ديفيد هيرست/ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد